تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل التونسيون سواء أمام القانون من غير تمييز؟

شارك :

في مكان ما يقول الكاتب و الشاعر السوري لقمان ديركي إن "الوطن جماد يحضن الأقوياء فقط أو مَن مِن طرفهم". يبدو ديركي متحدثاً بسخرية ومرارة عن واقع الحال الذي تركه في سورية قبل رحيله عنها. لكنه يكتبنا جميعاً، فتحتَ شعار "كلنا في الهم شرق"، وباعتبار أننا "أمة واحدة ذات رسائل شديدة الخلود والبقاء" فالحال في تونس ما بعد الثورة ليس أفضل مما كتب لقمان. الأقوياء ومَن مِن طرفهم ما زالوا ينامون في حضن الوطن أما البقية فينامون إما في السجون أو في الشوارع.
يقر الدستور التونسي في فصله الحادي والعشرين أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". إلا أن هذه المساواة وعدم التمييز ليسا مطلقين. فالوقائع على الأرض تخون هذا النص الدستوري كل يوم وبأشكال مختلفة، مؤسسة لنوع من الدولة الطبقية، التي توظف القانون لخدمة مصالح طبقة نافذة تمتلك السلطة والثروة على حساب بقية الشرائح الاجتماعية.
في أعقاب الحادثة الإرهابية التي راح ضحيتها المدرس الفرنسي صامويل باتي، كتب النائب التونسي الإسلاموي راشد الخياري على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك تدوينة قصيرة متشفياً من الضحية ومبرراً الجريمة. ثم ظهر نائب وكيل الجمهورية مصرحاً بأن هذه التدوينة التي اقترفها النائب "قد تُكيّف قانوناً على أنها جريمة إرهابية، طبق القانون التونسي لمكافحة الإرهاب، لما قد تشكله من تمجيد وإشادة بتلك العملية الإرهابية"، مضيفاً أن "النيابة العامة بالقطب القضائي تعهدت موضوع التدوينة وأذنت لفرقة مختصة بمكافحة الإرهاب بإصدار الأبحاث اللازمة وعند استكمالها ستُحال على النيابة العمومية لاتخاذ في شأنها ما تراه".
وينص الفصل 31 من قانون الإرهاب في تونس على أنه "يعد مرتكباً لجريمة إرهابية ويعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من خمسة آلاف دينار إلى عشرة آلاف دينار كل من يتعمّد داخل الجمهورية وخارجها علناً وبصفة صريحة "الإشادة أو التمجيد" بأي وسيلة كانت بجريمة إرهابية أو بمرتكبيها". في حين بقي النائب طليقاً حتى يومنا من دون أن تتحرك القضية قيد أنملة. لكن المفارقة لا تكمن في تجميد الدعوى، بل في مقارنة صنيع النائب بغيره من المواطنين. فما يحدث عندما يكتب أي شخص تدوينة لتمجيد فعل إرهابي والإشادة به غير ذلك تماماً، إذ تتجند القوى الأمنية بشكل سريع وتداهم بيته أو مكتبه ليحمل مخفوراً بالحديد نحو السجن ريثما تجري محاكمته. وهنا لا بد من التأكيد أن صنيع المواطن والنائب مدانان في كل الأحوال، لكن تطبيق القانون على المواطن الذي لا يسنده أي حزب أو جماعة لا يمكن إلا أن يؤدي في النهاية إلى استخفاف عموم المواطنين بالقانون واعتباره مجرد منهج تسلط تسنّه السلطة لخدمة مصالحها ومصالح حلفائها.
 في تونس اليوم تأخذ الحكومة قوتها من حزام سياسي يتشكل من حزب "قلب تونس"، بزعامة رجل الأعمال نبيل القروي وائتلاف الكرامة – التشكيل السياسي الشعبوي المقرب من "حركة النهضة الإخوانية". وهذه الحكومة ترفع كل يوم شعارات المساواة وتطبيق القانون وهيبة الدولة ومكافحة الفساد. وتطرح مشاريع القوانين التي تخدم مصالح حزامها السياسي البرلماني.
لكن نظرة صغيرة على السجل القضائي والجنائي لهذا الحزام السياسي ستكشف لنا حجم اللامساواة القائمة في البلاد وحجم توظيف أجهزة الدولة وقوانينها في خدمة مصالح الفئات المهيمنة سياسياً واقتصادياً. فنبيل القروي يلاحق في قضية تهرب ضريبي وتبييض أموال، تعتبر الأكبر في تاريخ تونس، لكنه في المقابل يتمتع بنوع من الحصانة السياسية لأنه ببساطة يدعم الحكومة بكتلته المؤثرة في البرلمان، بينما تراوح القضية مكانها في القضاء من دون حراك منذ أكثر من عام. أما سيف مخلوف الملاحق في قضية إهانة القضاء فيتمتع بحرية الحركة ويرأس اللجان داخل البرلمان. وفي المنحى نفسه تتمتع "حركة النهضة" ورئيسها راشد الغنوشي بمغانم السلطة منذ عشر سنوات. ورغم القضايا المرفوعة ضدها من هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي في قضايا الاغتيالات السياسية وتشكيل جهاز سري، لم يحصل حتى اليوم أي تحقيق أو استماع أو إيقاف أي مشتبه به في قضية أمن دولة من العيار الثقيل.
في مقابل هذه الحظوة التي يتمتع بها رجال السياسة والمال والسلطة نجد مشهداً آخر شديد القتامة والمأسوية، حيث تطبيق القوانين بصرامة شديدة على عامة الناس في تحصيل الضرائب الثقيلة وفي الجنح والسرقات البسيطة يملأ السجون فوق طاقتها بالآلاف الذين يتركون لمصيرهم في الإيقاف التحفظي لأشهر طويلة من دون محاكمة وعندما يدخلون في طور المحاكمات يمكن أن تدوم جلساتها أعواماً وليس أشهراً. 
في أعقاب ثورة 14 جانفي 2011 اعتقد الناس أن صفحة توظيف أجهزة الدولة وقوانينها لخدمة فئة الأقلية الحاكمة طويت للأبد، إلا أن كل تلك الأحلام سرعان ما دفنت تحت ركام الإحباط الذي تسببت به الطبقة الحاكمة التي صعدت إلى السلطة بعد زين العابدين بن علي. فأصبح ما كان مجمعاً في يد بن علي من سلطة وثروة ونفوذ مفرقاً على أكثر من مركز قوى سياسي ومالي، وبدلاً من الاحتماء بدائرة الرئيس وأصهاره أصبح البعض يحتمون بدوائر الأحزاب والمنظمات النافذة، ويتمتعون بمنافع تلك التبعية سواء المادية أم المعنوية، وبخاصة امتياز الغفلات من العقاب، الذي أصبح رهين وجود الفرد أو المجموع ضمن إقطاعية أحد الأحزاب أو رجال الأعمال المؤثرين. ورثت هذه الطبقة غير المتجانسة نفوذ النظام السابق ودعمت أحزاباً وشكلت منظمات وجمعيات ووسائل إعلام وصحافة واستغلت حاجة النشطاء في الشأن العام للمال كي تثبت وجودها وسلطتها في الدولة والمجتمع، والأخطر أنها امتلكت موطئ قدم في الدولة، في الدوائر الحساسة والعادية على حد سواء.
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :