تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

هل سيتواصل مسلسل الاستقالات داخل النهضة؟

0
شارك :

صواب 

منذ العام 2011، حاول الإسلاميون في تونس إظهار أنفسهم كتيار متماسك، ونجحت حركة النهضة في حجب الخلافات الشخصية الدائرة صلبها في محاولة لتلميع صورتها الخارجية، لكن يبدو أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية للعام 2019، سرّعت بإخراج الصراع داخل الحركة إلى العلن وهو ما كشفت عنه التطورات الأخيرة.

ففي خطوة وصفت بالمفاجأة للبعض وعادية للكثيرين أعلن القيادي بحركة النهضة زبير الشهودي الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 عن استقالته من مهامه القيادية بحركة النهضة، وذلك بعد أن فاجأت نتائج الانتخابات الرئاسية الحركة التي دفعت بأبرز قياداتها عبد الفتاح مورو للوصول الى قصر قرطاج، وهو ما زاد من صدمة السقوط المدوي للحركة. خاصة وأن الشهودي قد شغل لسنوات منصب مدير مكتب راشد الغنوشي، رئيس الحركة.

واضطرت النهضة إلى تقديم مرشح من ضمن قياداتها للانتخابات الرئاسية، وذلك بعد أن فشلت في إيجاد مرشح توافقي من خارج الحركة يضمن ولاءها داخل قصر قرطاج وبعد تغيير مواعيد الانتخابات إثر وفاة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي علما وأنها كانت ترفض خوض سباق الانتخابات الرئاسية وتعمل على تزعم المشهد البرلماني وترؤس الحكومة خلال المدة النيابية القادمة.

وفشل عبد الفتاح مورو في المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية، وحلّ في المرتبة الثالثة بنحو 12.8% من الأصوات، خلف المرشح المستقل قيس سعيد الذي تصدّر الترتيب بنسبة 18.8%، والمرشح الموقوف نبيل القروي الذي حصل على نسبة 15.7%من الأصوات، وذلك بعد فرز 89% من المحاضر.وأصدرت حركة النهضة بيان تهنئة للمرشحين الرئاسيين "متمنية أن تدور الجولة الثانية في نفس المناخات الايجابية التي عرفها الدور الأول".

ويبدو أن اولى ارتدادات هذا السقوط كانت باستقالة الشهودي الذي أرجع انسحابه من القيادة "استجابة للرسالة مضمونة الوصول من الشعب العظيم" في اشارة إلى النتائج التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية واحتلال مرشح الحركة عبد الفتاح مورو المرتبة الثالثة. لكن الأبرز من ذلك كانت دعوته لرئيس الحركة راشد الغنوشي إلى اعتزال السياسة وهو ما يشير الى الأزمة الكبيرة في أروقة الحركة.

وفي تدوينة نشرها على صفحته الرسميّة على فيسبوك، توجّه الشهودي بثلاث رسائل، في الأولى قدّم اعتذاره للشعب التونسي على تقصيره في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة، قائلا ''أعتذر من موقعي عن تقصيري في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة في التنمية والرفاه والعدالة الاجتماعية''،  وتوجّه في رسالته الثانية إلى إخوانه في حركة النهضة بالاعتذار لأنّه انتقد رئيس الحركة راشد الغنوشي بعد إقحامه لصهره رفيق عبد السلام ولقيادات فاسدة قامت بتدليس إرادة الناخبين، ودعا في رسالته الغنوشي إلى ضرورة أن يعتزل السياسة، قائلا '' أطلب منه اعتزال السياسة وأن يلزم بيته ومحرابه".

واعتذر زبير الشهودي في رسالته الثالثة من والديه وعائلته الذين تكبّدوا متاعب عمله السياسي داخل حركة النهضة طيلة 33 سنة، وأكّد في نهاية تدوينته أنّه لم يلمس مالا عاما ولم يتلقى رشوة وأنّه قام بالتصريح بمكاسبه ودخله لدى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتوجّه بعبارات الشكر لكلّ الإعلاميين الذّين تعاملوا معه بكلّ حرفية ومهنية.

استقالة الشهودي تزامنت مع دعوة القيادي في حركة "النهضة" الإسلامية، أبوبكر السعداوي إلى استقالة رئيس الحركة راشد الغنوشي، على خلفية النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس، التي مثلت صدمة للحركة. وقال القيادي بالحركة، المقيم بألمانيا مخاطبًا الغنوشي "ليس أمامك إلا إقالة مكتبك التنفيذي الفاشل غدًا صباحًا والاستعداد لمغادرة الحزب، أنت وأسرتك وبطانتك الفاسدة أوصلتم الحزب إلى هذا المستوى.

وأضاف السعداوي في تدوينة له أن "ماكينة الرجال التي خاضت الرئاسيات بشرف وأمانة ورجولة قادرة على إعادة الحزب إلى سابق عهده وإخراجه من زاوية الفساد التي وضعته فيها أنت وصهرك وبطانتك، الماكينة التي قادت حملة الرئاسيات لا تزال تحافظ على صورتها وسمعتها لدى أبناء الشعب" وفق تعبيره. ووجه القيادي بالحركة نداء إلى نشطاء النهضة قائلًا "أقيلوه إذا رفض الاستقالة" في إشارة الى الغنوشي.

وتعكس هذه التطورات، حجم التصدّع الذي خلفته نتائج الانتخابات الرئاسية في صفوف حركة النهضة، التي كشفت عن تآكل القاعدة الانتخابية للحزب، بعدما مني مرشحّها عبد الفتاح مورو بصفعة قوية في السباق الرئاسي نحو قصر قرطاج، وهو ما مثل انتكاسة حقيقية لهذا الحزب الذي يشارك في حكم تونس منذ عام 2011، وذلك قبل 3 أسابيع من موعد إجراء الانتخابات البرلمانية، والتي يطمح فيها الحزب إلى الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان.

ويمكن القول بأن أزمة حركة النهضة ليست وليدة اللحظة، فرغم أنه لا يمكن تحديد بدايتها فان الأزمة موجودة وعميقة منذ ما قبل الثورة وبالتحديد منذ ان قرر الكثير من عناصرها البارزة التصالح مع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي والعودة من المهجر بدون ضمانات سياسية، وتواصلت الأزمة مع فصل الشيخ صالح كركر عن الحركة بطريقة تعسفية، وظلت الأزمة تظهر للسطح ثم تختفي ولكن اختفاءها يستبطن ازمات جديدة قادمة في الأفق.

ومنذ هروب بن علي وسقوط النظام عاشت حركة النهضة ازمات وتحديات عديدة ومختلفة ففي حين مازال البعض من قياداتها متمسك بالخط القديم خط الاتجاه الاسلامي وهو الخط الراديكالي الصلب، تبنى البعض الاخر خطا مرنا حداثيا جديدا يأبى الثبات على هوية دينية تجاوزها الزمن وأصبح التمشي السياسي العالمي يتجه نحو تأكيد أن الدولة فوق الهويات سوى كانت طائفية أو دينية.

وزاد المؤتمر العاشر للنهضة من تعميق الازمة بإعادة انتخاب الغنوشي على رأسها وسرعان ما تم تطويق الازمة امام الراي العام التونسي ولكن استمرت الازمة داخليا الى ان جاء موعد تحديد القائمات التشريعية لسنة 2019 حيث تم وبطريقة تعسفية حذف مرشحين تم انتخابهم ديمقراطيا من طرف القواعد وقامت ضجة داخل وخارج حركة النهضة عن مدى ديمقراطيتها وكيف لها ان تحكم بالديمقراطية وهي تضرب عرض الحائط الاختيار الديمقراطي داخلها.

ومثلت استقالة القيادي في حركة النهضة، لطفي زيتون، قبيل أيام من فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية، من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي، خطوة كشفت حجم الانشقاقات والخلافات داخل حزب النهضة. واعتبر مراقبون للمشهد السياسي التونسي أن هذه الاستقالة تعكس حجم الخلافات والصراع بين الأجنحة، الذي تعيشه حركة النهضة، وكذلك تشير إلى توتر الأجواء بين قياداتها.

ولطفي زيتون من القيادات في حركة النهضة التي تدعو إلى فصل "الدعوي" عن السياسي، حيث سبق أنْ دعا حزبه إلى ضرورة القيام بجملة من الإصلاحات، لاستكمال تحوّلها نحو حركة مدنية، وذلك من خلال الاهتمام بإنجاز البرامج، وبناء الثقة مع الدولة، وترك كل ما يتعلق بمهام المجتمع المدني والجمعيات، سواءً كانت دينية أم ثقافية واجتماعية لمنظومة المجتمع المدني، والاكتفاء بالعمل كحزب سياسي، كما دعاها إلى ضرورة "تحرير حركة النهضة للإسلام، والاقتناع نهائيا أن الإسلام ملك للشعب التونسي".

وبدا واضحا الارتباك الحاصل صلب الحركة الاسلامية من خلال دعوة راشد الغنوشي لمرشحين ثلاثة بالانسحاب من سباق قصر قرطاج لصالح مورو، محاولا لمّ شمل الإسلاميين ساعات قليلة قبل فترة توجه الناخبين لصندوق الاقتراع. وترشح عن الشق الإسلامي في تونس 3 مرشحين للانتخابات الرئاسية وفشل ثلاثتهم في المرور إلى الدور الثاني؛ فحل مورو في المرتبة الثالثة وسيف الدين مخلوف في المرتبة الثامنة فيما حل الأمين العام السابق للنهضة حمادي الجبالي في المرتبة العشرين من ضمن 26 مترشحا.

ويمكن القول بأن القاعدة الشعبية الغاضبة على قيادة حركة النهضة توجهت لصناديق الاقتراع وانتخبت مرشحا مستقلا في حركة غضب وعصيان مكشوفة تعكس الازمة العامة التي تعيشها الحركة. ويرى مراقبون أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأولية في تونس دليلا واضحا على معاقبة الشعب التونسي النخبة السياسية وعلى رأسها أحد أهم أطراف الحكم، حركة النهضة، التي بدأت شعبيتها في التقلص منذ الانتخابات المحلية التي جرت سنة 2018 وتصدر فيها المستقلون نتائج الانتخابات وابتعد فيها الحزب الإخواني عن المرتبة الأولى.

وتتخوف الحركة الإسلامية من أن تظل نوايا التصويت لدى التونسيين على نفس التوجهات والخيارات في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في السادس من شهر أكتوبر. وهو ما عكسته محاولاتها انكار والتشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية التي تداولتها كل وسائل الاعلام المحلية والدولية، والدعوة لانتظار النتائج الرسمية في محاولة لامتصاص غضب الأنصار وخوفا من انشقاقات داخلية سيكون لها أثر كبير على الحركة في قادم الاستحقاقات. ويبدو أن تونس ستكون على موعد مع انتخابات تشريعية لا تقل زلزلة على الرئاسية.

وسوم
شارك :