تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

هل يهدف الهجوم التركي على سورية إلى فتح ممرات للإرهابيين للعودة إلى الشمال الإفريقي؟

0
شارك :

صواب

بدأت تركيا الأربعاء الماضي، عملية عسكرية التركية داخل الأراضي السورية، مدعومة من فصائل سورية مسلحة موالية لأنقرة، يوم وتسببت بمقتل وإصابة عشرات المدنيين، بينهم أطفال ونساء، فضلاً عن نزوح آلاف المدنيين باتجاه مدن ومناطق أخرى. وأثار الهجوم التركي استياءً واستنكاراً دولياً خشية من عودة تنظيم داعش، وحدوث أزمة إنسانية جديدة. لكن الأهداف الحقيقية من وراء العملية التي يقودها أردوغان مازالت غير واضحة، خلافاً لأهدافها المعلنة في التصدي للقوات الكردية.

في هذا السياق أدانت الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، التي تتخذ من بنغازي مقرا لها، الخميس، الهجوم التركي على الأراضي السورية، وقالت إن الهجوم يهدف لفتح ممر آمن للإرهابيين المحاصرين هناك تمهيدا لاستجلابهم إلى ليبيا. وأكدت الحكومة المؤقتة في بيان لها، نقلته بوابة "إفريقيا الإخبارية" اليوم أن الهجوم الذي استهدف "أكراد سوريا يعيد للأذهان المخاوف من ارتكاب مجازر وجرائم حرب، على غرار المجزرة التي ارتكبت في حق الأرمن" مبينة "أنها ترفض الهجوم، وتدعو المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته تجاه حماية هذه الأقلية المستضعفة". وأوضحت الحكومة الليبية المؤقتة "أن هذا الهجوم الهدف من ورائه الضغط على القوات السورية، لفتح ممر آمن للإرهابيين المحاصرين هناك تمهيدا لاستجلابهم إلى ليبيا".

من جانبه حذر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الجمعة من أن تركيا، التي تنفذ عملية عسكرية شمال سورية، لن تكون قادرة على احتواء مجموعات مسلحي داعش الفارين. وقال بوتين أمام اجتماع لزعماء دول الاتحاد السوفيتي السابق، خلال زيارة إلى تركمنستان إن قوات كردية تسيطر على مناطق في شمال سورية، حيث يوجد مسلحو داعش. وأضاف بوتين أنه بينما تهاجم قوات تركية قوات كردية، فإن مسلحي داعش سيكونون قادرين على الهرب بسهولة، طبقا لنسخة طبق الأصل، نشرها مكتبه.

وتابع بوتين "إنني لست متأكدا مما إذا كان الجيش التركي سيكون قادرا على السيطرة على ذلك" وافترض أن المسلحين الفارين من سورية يمكن أن يعيدوا تنظيم صفوفهم في البلقان وجنوب شرق آسيا والمنطقة السوفيتية السابقة. وأشار بوتين إلى وجود الآلاف من المسلحين شمالي سورية، والحاجة إلى تعبئة أجهزة الاستخبارات ببلدان رابطة الدول المستقلة من أجل القضاء على تهديدات خروجهم من هناك إلى دول أخرى. وتابع: "وفقا لبيانات الاستخبارات الروسية، يوجد المئات من المسلحين شمالي سورية… إنه تهديد حقيقي لنا جميعا. كيف وإلى أين سيتحركون-عبر الأراضي التركية، وعبر أراض أخرى، في عمق سورية، سيذهبون إلى المناطق التي لا يسيطر عليها أي شخص، هل سيتنقلون عبر العراق وعبر بلدان ومناطق أخرى؟ علينا أن نفهم هذا ونعرف ونعبئ موارد استخباراتنا لوقف هذا التهديد"، بحسب وكالة سبوتنيك الروسية.

فيما قالت الأمم المتحدة اليوم الجمعة إن نحو مئة ألف شخص تركوا منازلهم في شمال شرق سوريا، حيث يتزايد عدد من يلوذون بالملاجئ والمدارس في أعقاب التوغل العسكري التركي في المنطقة هذا الأسبوع، كشفت قوات سوريا الديموقراطية اليوم أنّ خمسة معتقلين من تنظيم الدولة الإسلامية فرّوا من أحد السجون التي تديرها بعد سقوط قذائف تركية في جواره في مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا. وأفاد مسؤول إعلامي في قوات سوريا الديموقراطية أن المعتقلين الخمسة فروا من سجن "نفكور"، الواقع عند الأطراف الغربية لمدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية. وكان أحد حراس السجن قال في وقت سابق لوكالة فرانس برس إن هذا السجن يضم "مقاتلين أجانب من التنظيم".

وأشار مسؤول آخر في قوات سوريا الديموقراطية إلى قذائف تتساقط "باستمرار" قرب سجن جيركين الذي يؤوي أيضاً عناصر من التنظيم في المدينة. وتعتقل قوات سوريا الديموقراطية 12 ألف عنصر من التنظيم، وفق ما قال مسؤول هيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر لفرانس برس الخميس. بين هؤلاء 2500 إلى ثلاثة آلاف أجنبي من 54 دولة. ويتوزع هؤلاء على سبعة سجون مكتظة موزعة على مدن وبلدات عدّة، بعضها عبارة عن أبنية غير مجهزة تخضع لحراسة مشددة.

وكررت قوات سوريا الديموقراطية مؤخراً خشيتها من أن ينعكس انصرافها إلى قتال القوات التركية سلباً على جهودها في حفظ أمن مراكز الاعتقال والمخيمات، كما في ملاحقة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية. وأبدت دول أوروبية عدة أيضاً قلقها البالغ من تداعيات أي هجوم تركي محتمل على المعركة ضد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية مع انصراف المقاتلين الأكراد إلى مواجهة تركيا.

وطالبت الإدارة الذاتية الكردية مراراً خلال الأشهر الماضية الدول الغربية باستعادة رعاياها من المقاتلين لمحاكمتهم لديها وأفراد عائلاتهم. ورغم هزيمته الميدانية، لا يزال التنظيم قادراً على التحرّك عبر خلايا نائمة ويشن هجمات عدة في مناطق سيطرة الأكراد. كما ينتشر في البادية السورية الشاسعة المساحة ويشنّ منها هجمات دامية ضد القوات السورية.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد عبر – خلال الأشهر الماضية -عن قلقه من تدفق المسلحين من إدلب إلى ليبيا، كما حذّر من تدهور الأوضاع هناك. وهذه المرة الأولى التي يحذر فيها مسؤول غير ليبي من عمليات نقل مقاتلين من سوريا نحو ليبيا. ويبدو أن تعمد الرئيس الروسي الكشف عن الموضوع، خلال محادثات مع رئيس الوزراء الإيطالي، كان هدفها تحذير الأوروبيين، وخاصة الحكومة الإيطالية من أن تواصل دعم حكومة الوفاق والمجموعات الإسلامية المتطرفة الموالية لها، سيؤدي إلى تحول ليبيا إلى ساحة لتجميع المقاتلين الأجانب الذين فقدوا حواضنهم التنظيمية في سوريا والعراق ولم تبقى لهم غير ليبيا مكاناً يمكن أن يفروا إليه، وفي إشارة غير مباشرة، يبدو أن بوتين كان يحذر الإيطاليين من أن أشرس مقاتلي داعش والقاعدة سيكوننا قريباً على بعد كيلومترات من السواحل الجنوبية للقارة الأوروبية.

التحذيرات الروسية، سبقتها العديد من التحذيرات التي أطلقتها السلطات الليبية بشكل معلن على الأقل منذ العام 2017، وبداية انحسار تنظيم داعش والنصرة في سوريا والعراق. وفي مارس 2018 أعلنت الإدارة العامة لمكافحة الإرهاب التابعة لقيادة الجيش الليبي أنها ألقت القبض على 16 مقاتلاً من جبهة النصرة في كمين، أثناء تسللهم إلى ليبيا عبر صحراء الكفرة جنوب البلاد. وقالت إنها "حاصرت المجموعة في صحراء الكفرة وتم القبض على 16 منهم من جنسيات سورية وسودانية، فيما فر آخرون "لافتة إلى أنهم وصلوا إلى ليبيا بمساعدة قطر التي نقلتهم إلى الأراضي السودانية للمرور إلى ليبيا". وكشفت الإدارة عن أن أحد المقاتلين كان محتجزاً في سوريا قبل أن يتم تهريبه من السجن وإرساله لتركيا، مشيرة إلى أن الجماعة الليبية المقاتلة صنو جبهة النصرة المنتمية لتنظيم القاعدة ويسعى قادتها إلى إرسال مقاتلي النصرة إلى ليبيا لدعم ما يعرف بمجالس الشورى في ليبيا.

فالدور الذي لعبته تركيا طيلة السنوات الماضية في علاقة بالملف السوري، هو الدور نفسه الذي لعبته باكستان خلال الحرب الأفغانية، عندما تحولت إلى قاعدة خلفية لنشاط الأحزاب الجهادية الأفغانية ضد التواجد العسكري السوفياتي بداية من العام 1979، كما كانت معبراً للمقاتلين القادمين من الدول العربية، والذين عرفوا لاحقاً بالأفغان العرب. في بيشاور الباكستانية على الحدود مع أفغانستان كان الألاف من أعضاء الحركات الإسلامية العربية يقيمون ويتسربون للداخل الأفغاني وكانت الولايات المتحدة تقدم لهم كل أشكال العون والدعم بدايةً من المال وصولاً إلى الصواريخ المضادة للطائرات. وكان أميرهم الفلسطيني الإخواني عبد الله عزام، مؤسس ورئيس مكتب خدمات المجاهدين، يتجول في العالم يجمع المال والفتاوى لجهاد "الملحدين الروس"، فيما غرقت وسائل الإعلام الأمريكية في إسباغ شعارات من نوع "مقاتلون من أجل الحرية" على هؤلاء الجهاديين. كما أن أسامة بن لادن نفسه قد مر من هذا الطريق وفي هذا الزخم الجهادي المدعوم أمريكياً قد أسس تنظيم القاعدة الذي سيتحول بعد سنوات قليلة إلى أكبر أعداء أمريكا.

لكأن التاريخ يعيد نفسه في شكل مأساة. لعبت تركيا منذ أواخر العام 2011 إلى اليوم الدور الباكستاني نفسه. تحولت إلى قاعدة خلفية لنشاط الجماعات الجهادية السورية وشكلت محطة ومعبراً للألاف من المقاتلين الأجانب للوصول إلى الداخل السوري والانضمام للقاعدة وداعش وارتكاب أبشع الجرائم. وكما حصل في أفغانستان كانت الولايات المتحدة مخططاً وداعماً. وليس أدل على ذلك الاعتراف الذي أدلى به رئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم في مقابلة مع قناة بي بي اس الأميركية عندما قال إن «الجميع ارتكب الأخطاء في سورية بمن فيهم الأميركيون(...) عملنا في غرفتي عمليات، واحدة في الأردن والثانية في تركيا».

وسوم
شارك :