تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حركة النهضة والفشل في مفارقة «الإسلام السياسي»

شارك :

يبدو أن شراهة الفاعلين السياسين في تونس للبقاء على كراسي الزعامة لا تعرف حداً. بعد أيام من مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية في البلاد، والذي تم خلاله تعديل القانون الداخلي للمنظمة بما يضمن لأمينها العام نور الدين الطبوبي الترشح مرة أخرى خلال المؤتمر الإنتخابي القادم، ها قد حان دور أكبر الأحزاب التونسية، حركة النهضة، والتي رفض رئيسها راشد الغنوشي إعلان عدم ترشحه لعهدة أخرى خلال مؤتمر القادم، المزمع عقد قبل موفى العام الحالي.
الغنوشي الذي يقود الحركة الإسلامية منذ نشأتها أواخر ستينات القرن الماضي، جاء رفضه رداً على رسالة "شبه مفتوحة" وقعها مئة قيادي داخل الحركة تدعوه لعدم الترشح للرئاسة مرة أخرى، وبأن يفسح المجال للتداول على رئاسة الحزب، وخاصة لحوكمة الإدارة والموارد المالية داخل القنوات التنظيمية. ويأتي ذلك بعد فشل الغنوشي والجناح الموالي له داخل التنظيم في إحباط مساعي التيار المعارض له، بتحديد موعد للمؤتمر العام الإنتخابي للحركة.
وبغض النظر عن تفاصيل الصراع الداخلي، بين معارضي الغنوشي وأنصاره، فإن رد الشيخ الذي أصبح رمزاً لـ "دمقرطة الإسلام" في الأوساط الأكاديمية الغربية، على معارضيه يعتبر نسخة مطابقة للأصل من الأدبيات الشمولية التي تبرر ضرورة بقاء "القائد الأب المؤسس" على رأس التنظيم أو الدولة "خشية غرق السفينة وألا أحد قادر على سد الثغرة التي سيتركها برحيله". وهو الأمر نفسه الذي حدث في منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما تداعى أعضاء وأنصار الحزب الإشتراكي الدستوري، باعتباره الحزب الواحد و"محرر الأمة"، إلى مبايعة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، رئيساً للبلاد مدى الحياة، دون إستشارة الشعب وقد ضمنوا هذه المبايعة في فصل دستوري أقرب للقداسة.
والطريف أن راشد الغنوشي، وحركته التي كانت تسمى أنذاك، الإتجاه الإسلامي، كان أكبر المعارضين لذلك، وقد دأبت الحركة في أدبياتها على نقد نموذج الحزب الواحد والزعيم الواحد والمطالبة بالديمقراطية، على الأقل بشكل معلن حتى ذلك الوقت، رغم أنها لم تكن تجد حرجاً في تأييد أنظمة إسلاموية في المنطقة تحكم شعوبها بالحديد والنار. لكن غنوشي اليوم، أشار في رده  على خصومه إلى أنه "ليس من لوازم الديمقراطية الحزبية تغيير القيادات في مدد معينة" ‘تبر نفسه من الزعماء، مؤكداً بأن "الزعماء جلودهم  خشنة! يتحملون الصدمات ويستوعبون تقلبات الزمان ويقاومون عامل التهرئة". 
لكن الأمر الأكثر أهمية في هذه الخطوة وفي هذا الصراع، هو تصدع مقولات "الإسلام الديمقراطي" وهو البرنامج الفكري الجديد الذي إجترحه الغنوشي نفسه في أعقاب المؤتمر السابق لحركة النهضة، وصرفت عليه الحركة ملايين الدولات لفائدة مؤسسات الضغط الأمريكية والأوروبية لترويج صورة جديدة عن الحركات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين في سياق كان شديد الضغط، بعد وصول الرئيس ترامب لحكم الولايات المتحدة، وقبلها خروج الحركة من السلطة وخسارتها لانتخابات عام 2014 وصعود غريمها "نداء تونس"، ونهاية حكم جماعة الإخوان في مصر.
في مؤتمرها العاشر الذي عقد في ماي 2016 أعلنت حركة النهضة التخصص في العمل السياسي وترك النشاط الدعوي للمنظمات المدنية، والفصل التام بين جهازها السياسي واذرعها الدعوية. وحينذاك قال رئيسها، راشد الغنوشي: "النهضة حزب سياسي، ديمقراطي ومدني له مرجعية قيم حضارية مُسْلمة وحداثية (..). نحن نتجه نحو حزب يختص فقط في النشاط السياسي". ويضيف "نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المُسْلمة. نحن مسلمون ديمقراطيون ولا نعرّف أنفسنا بأننا جزء من الإسلام السياسي"، واضعاً حزبه في منزلة بين المنزلتين، فلا هي حركة إسلامية سياسية ولا هو حزب علماني، ويجترح مفهوماً جديداً وغامضاً هو "الإسلام الديمقراطي" من دون أن يقدم خصائصه ولا كيفية التحول إليه قدوماً من الإسلام السياسي ولا الفوارق بينهما، ومع ذلك حصدت الحركة احتفاء كبيراً خاصة في الأوساط الغربية، وإعتقد البعض أنها قد استوعبت الديمقراطية باعتبارها منظومة متكاملة، وليست مجرد إجراءات انتخابات تمكنها من السلطة، دون النظر بدقة في سياق التاريخي الذي أعلنت فيه النهضة مراجعاتها الفكرية والتنظيمية، والذي يكشف أنها مراجعات غير مبدئية بقدر ماهي محاولة منها للالتفاف على المصاعب التي عاشتها في تلك المرحلة محلياً ودولياً.
والحقيقة إن شواهداً كثيرةً كانت تؤكد أن خروج الغنوشي وحركته من منظومة الإسلام السياسي، بكل ما تعنيه من ولاء لتنظيم أوسع من حدود الوطن ومن تنظيم داخلي قائم على السمع والطاعة والبيعة وعلى برنامج سياسي إسلاموي، نحو إسلام ديمقراطي، ليس إلا مجرد خطوة مراوغة، لا تعبر عن تحول فكري جذري داخلها النهضة، وأبرز هذه الشواهد هو الموقف العدائي الذي كشفته ضد لجنة الحريات والمساواة التي قدمت تقريراً إلى الرئاسة التونسية يدعو إلى مراجعات عدد من القوانين التي تتعلق بالمرأة، ما اعتبرته النهضة مخالفاً للنص القرآني وتمسكاً بظاهرة النص من دون النظر في مقاصد التشريع، مع أن اللجنة قد وضعت مقدمات وحججاً وبراهين من النصوص الإسلامية لإثبات دعوتها.
لتأتي رسالة الغنوشي رداً على خصومه وتمسكه بالترشح لعهدة جديدة على رأس حركة، يقودها منذ خمسة عقود مخالفاً القانون الداخلي لها، لتؤكد أن النهضة ماتزال بعيدة عن أن توصف بأنها "حزب ديمقراطي"، خاصة وأن الجناح الموالي للغنوشي والداعم لتمديد عهدته مدى الحياة يعتبر أكثرياً داخل الحزب، وهو ما يكشف عن عقلية سائدة في صفوف الحركة تقدم قدسية الزعيم على مبدأ التداول على المسؤولية،أحد أهم مبادئ الممارسة الديمقراطية.

الكلمات المفاتيح:
شارك :