تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

حركة النهضة و«صندوق الزكاة»: لا مناص من «توظيف» الدين في السياسة

0
شارك :

صواب

غداة الحملة الانتخابية الرئاسة في دورتها الاولى السابقة لأوانها خرج رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي معلنا ان الحركة تتجه للفوز بالرئاسات الثلاث في اشارة لقرطاج والقصبة وباردو، ولكن الانتكاسة التي حملتها نتائج الدورة الاولى من السباق الى قرطاج دفعت بزعیم الحركة الى مراجعة الاولويات واعادة الحسابات تحسبا لكل المفاجآت التي يمكن ان ترتبط بنتائج الانتخابات التشريعية.

وأعلنت حركة النهضة الاستنفار في محاولة منها لتدارك ما يمكن تداركه في التشريعية فنزل الغنوشي الى الميدان ليتواصل مباشرة مع المواطنين باعتماد خطاب ذي منحى ثوري في محاولة لاستقطاب جموع الناخبين التي تحركت مباشرة مع قيس سعيد بالرئاسية في دورها الأول، ليؤكد في هذا الخطاب مناصرة هذا الأخير في الدور الثاني مع دعوتهم في المقابل للتصويت لحركته لتفادي كل تصادم سواء داخل المجلس التشريعي أو بين رأسي السلطة التنفيذية.

الغنوشي وفي خطاباته "الثورية" التي تخللت مختلف الاجتماعات الشعبية، عبر عن اعتزام حركته التحالف هذه المرة مع القوى الثورية والمضي الى البناء الاقتصادي والاجتماعي والتنمية كما يعكسه شعارها للتشريعية "العدل أساس العمران". ويتمثل أحد أركان برنامجها في ارساء هيئة وطنية للزكاة من أجل محاربة الفقر والبطالة وإحداث التنمية.

وأكّد الغنوشي أن بعث هيئة وطنية للزكاة سيكون سبيلا لمقاومة الفقر، وسدّ الإخلالات الموجودة في البنية الاجتماعية، مبيّنا أنّ سيتم توفير 2 مليار دينار ستخصص للحاجيات الاجتماعية من اجل معالجة الفقر. واعتبر أن صندوق الزكاة الوارد في برنامجه الانتخابي ليس صندوقا حزبيا، وإنما يمكن إحداث هيئة عبر انتخابها من البرلمان، وفق ما نقلته عنه صفحته الرسمية بشبكة التواصل الاجتماعي.

وأكّد الغنوشي أن حكومة الترويكا كانت أكثر حكومة عملت من أجل الفقراء والمناطق الداخلية المهمّشة، وفي عهدها خُصصت أكبر ميزانية للولايات الداخلية في تاريخ البلاد، وانخفض معدّل البطالة ثلاث نقاط كاملة، وهو ما عجزت عنه جميع الحكومات السابقة واللاحقة. وفق ما نشرته الصفحة الرسمية الخاصة له.

وأشار الغنوشي إلى أن حركة النهضة أقرّت في أحد مجالسها الوزارية على إنشاء صندوق للزكاة وفق معايير عالية من النزاهة والشفافية، حتى تمكّن الفقراء من حقهم الذي حُرموا منه بفعل الحكم الاستبدادي المقترن بالنهب المنظّم، إلاّ أن بعض الأطراف المؤدلجة رفضت تمريره، وفق تعبيره. ودعا راشد الغنوشي الشعب إلى دعم الحركة بقوة من أجل إقرار جميع الإجراءات التي من شأنها أن تخفف من معاناة الفقراء وتحسن أوضاعهم وتعيد لهم الأمل في وطن تحترم فيه كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطن أنه مواطن حقيقي وليس مواطنا من الدرجة الثانية، وفق تعبيره.

كما نشر القيادي في حركة النهضة وأحد رموز الجيل المؤسس الحبيب اللوز، رسالة مصورة حث فيها أنصار النهضة للتصويت المفيد لصالح حركة النهضة رغم المآخذ المحمولة عليها خلال الفترة الماضية. واللوز هو أحد أهم الرموز الدعوية للحركة، ومن مؤسسي جمعية الدعوة والإصلاح التي تشتغل في الشأن الديني الدعوي منذ العام 2012.

وفي محاولة لالتفاف على خطابه الدعوي الواضح، قال الغنوشي، في حوار على اذاعة "شمس اف ام"، الأربعاء الماضي، أن صندوق الزكاة شبيه بصندوق 26/ 26 لكن الفرق أن صندوق 26/ 26 لم يدار بطريقة سليمة، منّوها بأن صندوق الزكاة لن يثقل كاهل المواطن إلى جانب الضرائب، مقترحا بأنه سيقع تخفيف الضرائب على من يقدم الزكاة، وفق قوله.

وتثير هذه النقطة حولها أكثر من نقطة استفهام نظرا للبعد الديني لمسألة الزكاة التي شرّعها الاسلام وجعلها فريضة من فرائضه وبعدها عمّا تفرضه الدولة المدنية من جباية. ويشير مراقبون الى أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عاد الى خطابه الديني ومرجعيته الاخوانية وجاء اليوم ليمرر برنامجها في المجتمع التونسي.

ويكشف هذا الخطاب زيف المراجعات السابقة لحركة النهضة الاسلامية التي تحدثت فيها عن فصل الدعوي عن السياسي خاصة بعد مؤتمرها العاشر الذي قال الغنوشي خلاله إن حزبه حريص على "النأي بالدين عن المعارك السياسية، والتحييد الكامل للمساجد عن خصومات السياسة والتوظيف الحزبي". وأضاف في كلمته أن "الحركة تطورت إلى حزب ديمقراطي وطني مسلم متفرغ للعمل السياسي بمرجعية وطنية تنهل من قيم الإسلام ملتزمة بمقتضيات الدستور وروح العصر".

وتصاعدت التساؤلات حينها حول مدى قدرة الحركة فعلا على أن تقدم على مراجعات فارقة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مناورة من مناورات الحركة. لكن مراقبين اعتبروا أن ما يشاع عن مراجعات داخل التنظيم ذي الخلفية الإخوانية ليس إلا آراء الغنوشي نفسه التي يفرضها على القيادات العليا والوسطى دون عناء، فضلا عن القواعد التي ما تزال تتعاطى معه كشيخ ملهم، وليس رئيسا لحزب سياسي مدني.

ويبدو واضحا أن صدمة الانتخابات الرئاسية التي لم تتمكن الحركة سوى من حجز المرتبة الثالثة فيها بالرغم من دفعها بأحد أبرز قياداتها عبد الفتاح مورو، والتي كشفت تآكل القاعدة الشعبية للنهضة حيث خسرت قرابة 450 ألف صوت مقارنة بما حصدته في آخر انتخابات تشريعية عام 2014، أي قرابة نصف كتلتها الناخبة، قد دفعت الحركة الى محاولة التدارك معتمدة كل الطرق.

 وبدا ذلك واضحا حين لم تسارع الحركة بتهنئة الفائزين سوى بعد صدور النتائج من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات رغم امتلاك الحزب لأدوات ميدانية لتجميع نتائجه من مختلف مكاتب الاقتراع في داخل البلاد وخارجها. وهو ما اعتبره مراقبون محاولة من الحركة لامتصاص غضب أنصارها خاصة في ظل تحميل الكثيرين قيادة الحركة هذه الخسارة المدوية.

ولم تحسم النهضة قرارها بدعم قيس سعيد في الدور الثاني من الرئاسية الا بعد فترة تخللتها أصوات قيادات داخل الحركة أعلنت عن دعم سعيد وهو ما كشف حجم الخلافات داخل أروقتها. ويشير دعم النهضة لقيس سعيد الذي تبنّى شعارات "ثورية" محاولة من الحركة لركوب هذه الموجة على أمل استرجاع قواعدها الانتخابية في الانتخابات التشريعية.

دعا رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، في مؤتمر صحفي يوم 27 سبتمبر 2019، لانتخاب حركة النهضة في الانتخابات التشريعية القادمة، من أجل قيادة الحكومة المقبلة بدل حزب "قلب تونس" لأنها الأقدر على التعامل مع رئيس الجمهورية المرجح صعوده قيس سعيّد، وفق تعبيره. كما حذر الغنوشي، في المقابل، أنه في حالة تصدر "قلب تونس" لنتائج التشريعيات سيحصل "تصادم" داخل السلطة التنفيذية.

الغنوشي الذي يترأس قائمة النهضة للانتخابات التشريعية الحالية في دائرة تونس الأولى، حاول أن يقدم نفسه بشكل مختلف هذه المرة في حملة انتخابية أكثر شعبية عن سابقاتها. حيث انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهره يتجول في أحد الأحياء الشعبية وسط العاصمة تونس أو جالسا في أحد المقاهي الشعبية محاطا بمواطنين بسطاء يتبادلون الحديث.

كما ركّزت الحملة الانتخابية للنهضة على التذكير بأن النهضة نجحت في إفشال مشروع قانون المساواة في الميراث، الذي أثار جدلا منذ طرحه وقسم الشارع التونسي. ويرى المتابعون للشأن التونسي أن النهضة تتخذ استراتيجية جديدة -قديمة، تقوم على التقرب من الناخبين للفوز في الانتخابات التشريعية التي يخوضها رئيسها للمرة الأولى.

ويسعى رئيس حركة النهضة الى رئاسة مجلس نواب الشعب القادم الذي يعتبر في النظام البرلماني السلطة الأصلية وهو ما سيمكنه من تمرير مشاريعه وعلى رأسها صندوق الزكاة الذي يرى مراقبون أن نجاح الحركة في تمريره سيكون ضربة لأسس الدولة المدنية التي تعتمد بطبيعتها على الجباية التي تؤدي خدمات اجتماعية وتعويض المؤسسات الرسمية بمؤسسات دخيلة عن الدولة المدنية لتدخل بذلك في دائر الدين.

ويمكن القول إن الاتجاه الى إحياء مصطلحات دينية والخطاب الراديكالي والربط مع مجموعات "ثورية" وأخرى متشددة إنما ترمي حركة النهضة من ورائه الى كسب دعمها في التشريعية لتتمكن من داخل البرلمان الى إيصال مشروعها الى آخره. ويشير هذا الى الهدف الأبرز الذي تسعى اليه الحركة وهو التحول من الدولة المدنية الى الدولة الدينية التي تقوم على أساس الشريعة وهو ما يكشف زيف المراجعات السابقة التي ادعت خلالها الحركة فصل الدعوى عن السياسي.

وسوم
شارك :