تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

حزب النهضة وازدواجيّة الخطاب

0
شارك :

زينب التوجاني

أبرزت حركة النّهضة منذ2014 قدرة هائلة على تغيير خطابها واستراتيجيّاتها، معلنة أنّها قطعت بين الدّعوي والسياسيّ. فهي تعمل عملا حثيثا للتأقلم والتموقع والصّمود في وجه التحوّلات التاريخيّة ومختلف الضغوط للحفاظ على وجودها وعلى غاياتها الكبرى، وأهمّ تلك الغايات الثّابتة في خطاب زعيم الحركة: نصرة الإسلام، والاعتماد على مفاهيم الحمد والشكر الإلهيين، وتفسير الحياة السياسية والاجتماعية تفسيرا غيبيا، باعتبار أن مظاهر السياسة عنده هي تجليّات للنّعم الإلهيّة أو الابتلاء الربّاني. وإلى جانب الخطاب المرتكز على التّأصيل الفقهي، فإنّ مجرى الأحداث يُثبت ارتباط هذه الحركة بامتداداتها الموضوعية خارج البلاد.

ففي 2016 مثلا، توفي حسن التّرابي، صهر راشد الغنوشي وصديقه الحميم وقدوته الرّوحية والفكريّة، فأبّن الغنوشي صديقه بحرقة كبيرة وهو يردّد أنه حبيبه وشيخه ومجدد كبير في فقه النّساء والدساتير، وأوى أبناء النهضة أيّام الاستبداد.

 وأكّد الغنّوشي في تأبينه وفاءه لمعلّمه وشيخه وناصر الأمّة والمسلمين، وأبدى اعتزازه الشّديد بتجربة الحركة الإسلامية في السّودان وبتجربة التونسييّن في السّودان، ملحّا على مفردات كأمة إسلامية وخير الأمة الإسلامية، وعلى دور الهجرة إلى السودان في حماية الإخوان، بما يؤكد أن الغنوشي لم يقطع مع جذوره العابرة للدولة الوطنية ولا مع طموحه المتجاوز لحدود البلاد إلى فضاء هذه الأمّة المنشودة.  بعد ذلك بأقل من شهرين، وفي مؤتمرها العاشر في ماي 2016، غيرت حركة النهضة استراتيجياتها الخطابية وأعلنت في بيانها الختامي، وأمام حضور سياسي من مختلف الاتجاهات بالبلاد، حزمة من الإصلاحات التي حاولت أن تدشن بها تاريخا جديدا، ومن أهمها قطع صلة الحزب بـ "الإسلام السياسي"، واعتبار أن هذه التسمية الشّائعة لا تعبر عن حقيقة هويته الراهنة ولا تعكس المشروع المستقبلي ". واعتبرت النهضة نفسها تعمل ضمن "اجتهاد أصيل لتكوين تيار واسع من "المسلمين الديمقراطيين" الذين يرفضون التعارض بين قيم الإسلام وقيم المعاصرة، وقد قطعوا صلاتهم نهائيا بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، بل إنهم أنكروا تماما الرافد الإخواني وعلاقة نشأة الاتجاه الإسلامي في 1981 بحركة الإخوان المسلمين في مصر وبسيّد قطب والبنّا والمودودي، وجزموا بأن الحركة نشأت رد فعل على نظام الحزب الواحد.

ونحن إذا تأملنا الخطاب نفسه وجدنا الحزب غير قادر على تقييم تاريخه ومرجعيّاته تقييما حقيقيّا، فهو يعتبر أنه قبل الثورة التونسية كان يناضل مدة أربعين سنة من أجل ما سمّاه "تجديد الوعي الحضاري والإسهام في توفير حياة أفضل للتونسيين". ولم يعترف الحزب بأنّه كان يخضع البلاد لعملية أسلمة وأخونة تستمدّ جذورها من أدبيّات الإخوان المصرية والسودانية، ومن تأثير الثورة الخمينية، ومن أدبيات الترابي في الجهاد والدعوة والاجتهاد والمرونة السياسية والتلون لمواجهة الأزمات. ولم يعترف الحزب بأنه حاول تغيير عادات التونسيين على مدى السنين، عبر العمل الدعوي، وعمل على تحويل النظام الجمهوري إلى خلافة دينية، ولم يعترف بأنه عمل في شكل سري من أجل تحقيق الخلافة الإلهية المأمولة.

لم يعترف حزب النهضة بأنه، مدة أربعين سنة، وظف خطابا دينيا وحاول من خلال ذلك التوظيف أن يزرع أسس السلفية الجهادية في أتباعه، عبر عمله القاعدي وعبر أدبيات الدعوة والجهاد، وبأنه، عبر تجنيد النساء والأطفال والشباب النهضوي، صنع كيانا داخل الدولة. وبقي ذلك الكيان، المتمثل في علاقات عائلية ومصاهرات وعلاقات ما يسمىّ "الأخوّة"، موجودا إلى أن صارت أحداث الثورة، فعاد الغنوشي من لندن ليستجمع أتباعه الذين درّبهم سنوات من خلال العمل المنظم على الصبر والتضحية والجهاد في سبيل الله. وبقي ذلك الخزان في خدمة الغنوشي حتى بعد تغيير توجّهاته السياسية لأنّه كان قادرا في كلّ مرة على تقديم خطاب مناسب، باعتباره مالكا لسلطة زعاماتية وله كاريزما، وقائدا لجماعة منظّمة وتجمعها عقائد، هي عقائد الجهاد والترابط الإخواني المتين. إذن، ترك النهضويون المجتمعون لتقييم تاريخهم كلّ ماضيهم السري القاعدي وزعموا في بيانهم أن حركتهم، التي نفوا علاقتها بالإسلام السياسي، حركة مناضلة من أجل الوعي الحضاري والحياة الكريمة والحريّة والتطوّر.

وإذا قارنا بين محاضرات الغنوشي، في سياق هذه القطيعة مع الفكر الإخواني، نجد وجها وقفا، أو وجوها متعددة لخطاب لا يستقر على حال واحد.

ففي أفريل 2015 قدم الغنوشي محاضرة حول الدين والدولة والإسلام ضمن ندوة "الدين والدولة في الوطن العربي"، التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية بالاشتراك مع المعهد السويدي في الإسكندرية، وفيها دافع عن مبدأ الحاكمية قائلا: "الإرادة الإلهية تجليها الوحيد هو في الأمة، التي تعبّر عن الإرادة الإلهيّة من خلال تدافعها، وليس من خلال احتكار إمام أو حزب أو دولة"، وضرب لذلك مثلا محنة أحمد بن حنبل، الذي حاول أن يخلّص الدين من سيطرة الدولة في نظره. وكشف الغنوشي بوضوح أنّ غاية النهضة هي تحرير الدين من الدولة، في حين أن العلمانية الغربية تتمثل في تحرير الدولة من الدين. فمعول الغنوشي الرئيسي هو غرس الدين في ضمائر المسيرين لدواليب الدولة وجعلهم يتبنّون تلقائيا ما يسميه القيم الدينية، دون إجبارهم على ذلك. ويعول الغنوشي في ذلك على ما سمّاه هو بنفسه "حاجة عميقة إلى الدين"، وغايته من ذلك " أن يكون المشرّعون متشبّعين بقيم الدين، ذلك أنّه لا فائدة في نظره من إرغام النّاس على الشّريعة، ولكن يمكن أن يقتنع المشرّع بقيمها تلقائيا، لحاجته العميقة إلى الدين والتزامه التلقائي بقيمه. فالغنوشي يعوّل تعويلا تامّا على مفهوم الصّحوة الإسلاميّة، بمعنى الاعتماد الكليّ على ثقافة هذا الشّعب المسلم وحاجاته النفسيّة العميقة للقيم والروحانيّات، واعتماده على موروثه الذي ينهل منه لأجل توظيفه لخدمة إيديولوجيته السياسيّة. وهو يرى أنّ "لا فائدة من تحويل النّاس، عبر أدوات الدولة القهرية، من عصاة الى منافقين". وفي هذه المحاضرة يتوجّه الغنوشي بالخطاب، بشكل غير مباشر، للجهاديين ودعاة تطبيق الشريعة، معتبرا أنّهم فهموا الإسلام فهما غامضا حين اعتقدوا أنه" سينتصر إذا صادر حريات الناس وفرض الصلاة والصيام والحجاب بالقوة"، وانتهى إلى أنهم مجبورون على القبول بالمواطنة.

هؤلاء الذين كانوا فقط جاهلين بالمفهوم الحقيقي للإسلام صاروا، في محاضرته بمجلس الشيوخ البريطاني في2016، إرهابيين يتحدثون باسم الإسلام. ذلك أن تنظيم الدولة الإسلاميّة تمّت محاصرته والقضاء عليه عسكريا في سوريا، وتم تحرير الأرض السورية منه بعد 2015، فتغيّر الخطاب وحلّ محلّه أمام الأوروبيين اقتراح البديل الوسطي:" إنّنا نرى المنهج الذي تبشّر به حركة النهضة وقراءتها المعتدلة والمنفتحة للإسلام هي البديل الطبيعي عن تيارات العنف والإرهاب التي تسوغ نفسها باسم الإسلام"، وشرع الغنوشي يمجد دور الحزب في سياسة التوافق وصناعة الاستثناء التونسي.

إننا نفكك هذه الازدواجية لأننا نأمل حقا أن يقطع الإسلام السياسي التونسي، ممثلا بحركة النهضة وغيرها من التنظيمات، مع الرافد الإخواني ومع فكر الصحوة وغاياته المتعلقة ببناء أمة فاضلة وخلافة دينية ونصرة الإسلام. ولكن أنّى لنا أن نصدق خطابا ليس قادرا على تسمية الأشياء بأسمائها، إذا هو ينكر أنه كان يسعى لإقامة دولة الخلافة قبل الثورة التونسية، وإذا هو ينكر أنه اعتبر السلفيين يذكّرونه بشبابه، وإذا هو ينكر أنّه كان يرى فيهم تسرّعا لنصرة الدين لا إرهابا، وإذا هو يتنكّر لجذوره السلفيّة في الوقت الذي يسعى إلى حماية الجماعة من العواصف التي هبّت عنيفة بعد 2013 في مصر، ثم بعد سقوط داعش في العراق وسوريا.

حركة النهضة قدّمت مشروعا جديدا ولبست ثوبا جديدا وتحاول أن تتموقع في المشهد السّياسي بصفتها حزبا سياسيا، ولكن ماضيها لا يزال يلاحقها، لأنها لم تعترف به، ولأنها لا تزال توظف العلاقات القرابية والإخوانية التي نسجتها الحركة على عقود للتمكين وللتغلغل في أوصال الدولة والمجتمع، ولأن الغنوشي في كل خطبه إلى اليوم لا يزال يعتبر الثورة هبة إلهية، ولا يزال ينظّر للتدافع ويعتمد على صحوة الضمير المسلم، الذي يخوّل للمسلمين، في مواقعهم حيث هم، أن يطبقوا ما يمليه عليه ضميرهم الديني وقيمهم الدينية. ولذا فهو ليس مستعجلا لتحقيق الخلافة المنشودة الآن ولا هو مستعجل لنصرة الإسلام، ولكنه يعتقد أن تلك الخلافة قادمة، وأن الإسلام سينتصر آجلا أم عاجلا، وأن الخطوة التي يخطوها في سبيل تهيئة السبيل إلى ذلك الانتصار الموعود تتطلب السّياسة والحكمة والتحلي بالمرونة. وهكذا فإن هذه الازدواجيّة في الخطاب أنقذت الغنوشي إلى حدّ الآن وأنقذت حركته، ولكنّها العائق الأوّل أمام الانتقال الحقيقيّ من حركة إخوانيّة إلى حزب سياسيّ تونسيّ.

وسوم
شارك :