تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

كيف قبلت «النهضة» مقترح بن علي «بتزوير» انتخابات أفريل 1989؟

0
شارك :

في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" الصّادر في طبعة تونسية أولى في العام 2011 عن دار المجتهد للنشر والتوزيع، يخصّص رئيس حركة النّهضة راشد الغنّوشي الفصل الرّابع منه للحديث عن انتخابات 2 أفريل من العام 1989، والفصل كما يشير في الهامش هو دراسة كتبت في لندن بتاريخ 26 أفريل 1999 بمناسبة "مرور عشر سنوات على الانتخابات التشريعيّة الأولى في عهد الرئيس الحالي [بن علي آنذاك] والتي شاركت فيها النهضة من خلال دعم قوائم المستقلين التي حصلت على نتائج فاجأت كل الملاحظين رغم ما اعترى الانتخابات من تزييف شامل" بحسب تعبيره. (انظر الهامش ص 110).

وفي هذا الفصل الذي يحمل عنوان "دروس وعبر من تجربة انتخابات 2 أفريل 1989" يعود الغنوشي -بداية-إلى "السياق التاريخي" الذي جرت فيه تلك الانتخابات، حيث يعود إلى التحولات السياسية التي شهدتها تونس أواخر حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة إثر مؤتمر الحزب الدستوري للعام 1986 وما تلاه، حتى نوفمبر من العام 1987، من اعتقالات ومحاكمات في صفوف الإسلاميين.

  • استبشار الإسلاميين بانقلاب بن علي على بورقيبة:

وعن الأحكام الصّادرة عن هذه المحاكمات يقول راشد الغنّوشي "وكان الصيف [1987] هو موسم الحصاد فانعقدت محكمة أمن الدّولة حيث تواتر النقل عن بورقيبة أنّه طلب رأس ثلاثين قياديًا من حركة الاتجاه الإسلامي وجّهت لهم اتهامات بالتخطيط لتغيير نظام الدولة وثلب الرئيس وتهم أخرى، كما وجهت تهمة القيام بأعمال عنف محدّدة إلى شابين صدر بعد ذلك حكم بإعدامهما ونفذ فيهما، رحمهما [في الهامش يقول الغنّوشي: هما الشهيدان محرز بودقة وأبو لبابة دخيل] غير أنّ المحكمة رغم لا دستوريتها بشهادة رجال القانون في تونس ورغم الأحكام الجائرة التي أصدرتها إلا أنها لم تلبّ كل رغبات الرئيس بورقيبة الذي كان متعطشًا للدّماء مما دفعه إلى طلب إعادة المحاكمة، إذ اكتفت بإصدار أحكام بالسجن المؤبّد على قيادات الاتجاه الإسلامي وذلك ما جعله يتفجّر غيضًا فأصدر أمره إلى البرلمان بتشديد القوانين وأمر بتشكيل هيئة أخرى للمحكمة وكان مقررًا أن تنعقد المحاكمة مجددًا في يوم 9 نوفمبر 1987 لتصدر أحكامًا بالإعدام وتنفّذ حالا، لولا أن انقلابا أطاح به يوم 7 نوفمبر مستبقًا انقلابًا آخر خطّط له عدد من الضبّاط الوطنيين الشبان إلاّ أنهم بادروا -لما رأوا المهمة قد أنجزت حسب ما صرحوا به أمام حاكم التحقيق العسكري- بإلغاء مشروعهم الذي كان يستهدف فقط إبعاد رئيس قد خرّف ودفع البلاد إلى الكارثة" على حدّ قوله (انظر الصفحة 112).

ويتابع الغنّوشي تفصيل "السياق التاريخي" الذي جاءت فيه انتخابات أفريل 1989، بالحديث عن نجاح "الرئيس الجديد [بن علي] بسرعة فائقة في إشاعة مناخ من الأمل" وعن كيف "عمّت الفرحة كل أرجاء البلاد، وذبحت الذبائح في استقبال أكثر من عشرة آلاف سجين أغلبهم من الإسلاميين". ومستعرضًا ما بادر إليه الرئيس الجديد من "الإعلان عن إلغاء محكمة أمن الدّولة" و"إلغاء الرئاسة مدى الحياة" و"إمضائه على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان" كما أعلن أيضًا عن "تكوين مجلس إسلامي أعلى ستعرض عليه القوانين للتحقّق من مطابقتها للشريعة الإسلاميّة".  مؤكّدًا أنّه وفي "الذكرى الثانية لتسلّمه السلطة استقبل ابن علي رئيس حركة الاتجاه الإسلامي ووعد بالاعتراف بالحركة". مضيفًا في ذات السياق أنّه "قام بمبادر أخرى في اتجاهها تمثّلت في الاعتراف بحركة طلابية قريبة منها". (انظر الصفحة 113).

ويشير الغنوشي إلى أنّ ذلك كلّه قد سبق "الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحركة أفضت إلى الاتفاق على طيّ كلّ الملفات التي لا تزال عالقة واستعادة حقوق المسرّحين من السجن والاعتراف بالحركة نهاية في إطار القوانين القائمة ومنها قانون الأحزاب الذي سنّ في العهد الجديد والذي يحظر تكوين الأحزاب الإسلاميّة، إلى جانب قوانين الجمعيات والصحافة والمساجد وكلها ذات طبيعة زجرية سلّحت الدّولة فتاكة وهيأتها ماديًا ومعنويًا لمواجهة خصومها، خصوصًا الإسلاميين مواجهة أكثر فعاليّة مما سبق بما تعتبره كسرًا للعمود الفقري للمعارضة" (انظر الصفحة 114).

ثمّ ينتقل رئيس الحركة، بعد تفصيل "السياق التاريخي" للحديث عن "الإعداد المباشر للانتخابات" قائلاً بأنّ بن علي قد "بدا حريصًا على احتواء برنامج المعارضة الذي أرهق بورقيبة والذي يتمحور حول الديمقراطية والهوية العربية الاسلامية". مضيفًا أنّه لم يبق بعد ذلك "غير الترتيبات الجزئيّة والضروريّة وكان من بينها: طرح مشروع الميثاق الوطني في إطار الجبهة الانتخابية".

  • النّهضة و"محنة الميثاق الوطني":  

يتابع راشد الغنّوشي متحدثًا عن الميثاق الوطني قائلاً أنّ بن علي "كان شديد الحرص على ضبط كل شيء سلفًا بما لا يبقى معه مجال للمغامرة والمفاجأة فعمد إلى اقتراح ميثاق وطني على أحزاب المعارضة شاركت في مناقشته هيئات من المجتمع المدني مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد النقابات".

مضيفًا أنّ هذا الميثاق قد "وضع إطارًا عامًا مشتركًا لتلقي حوله الأحزاب". مشيرًا إلى أنّ "واضعي الميثاق كانوا من غلاة العلمانيين الذي هالهم خروج الحركة الإسلاميّة منتصرة من معركتها مع بورقيبة" بحسب تعبيره. معلّقًا على ذلك في الهامش بالقول أنّ "واضع مسوّدة الميثاق الوطني محمد الشرفي علماني فرنكفوني متطرف وشيوعي، قاد الحرب في مجال التعليم ضد الإسلام والإسلاميين والثقافة العربية عامة عندما شغل خطة وزير للتربية وله كتاب تحت عنوان الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" (انظر الصفحة 114 وهامشها).

ويؤكّد الغنوشي أنّ المضمون الثقافي للميثاق قد "جاء موغلاً في العلمنة الإقصائية للإسلاميين" على حدّ وصفه. أمّا ما يتعلّق بالمضمون الدّيمقراطي، فإنّ الميثاق "جاء خاليًا من أي حديث عن جوهر الديمقراطية وهو تداول السلطة عبر انتخابات نزيهة". ليؤكّد الغنوشي -نتيجةً لذلك-أنّ هذا الميثاق قد "مثّل محنة حقيقية للحركة الإسلاميّة". وأنّها قد أمضت عليه "تأسيسًا على فقه المصالح والضرورات"، حيث أنّ الميثاق قد نُصِبَ لها فخًا وذريعة للإشهاد عليها لاسيما والحركة لم بكن تمثيلها رسميًا بسبب عدم تمتعها بالاعتراف" بحسب قوله (انظر الصفحة 115). ويشير في ذات السياق، إلى أن "المطلب الرئيسي للحركة في تلك المرحلة ومنذ أعلنت عن نفسها حزبًا سياسيًا سنة 1981م طلب الاعتراف بها على أساس القوانين القائمة".

  • قبول النّهضة بتزوير الانتخابات واعتماد "الكُوتا":

وفي نفس الإطار، وفي سياق "الإعداد المباشر للانتخابات" يتابع الغنّوشي قائلاً أنّ السّلطة وحتى تتجنّب أي مفاجآت "حرصت متأثّرة على بعقليتها الأمنية الحذرة على ترتيب الأمور بأقصى ما يمكن من الضبط. ولقد بلغت هذا الحرص حد دعوة المشاركين إلى الاتفاق على النسبة التي ستسند لكل حزب". مؤكّدًا بصريح العبارة قائلاً: "وواضح أنّ ذلك سيفرغ العملية الانتخابية من كل محتوى ويجعلها تمثيلية هزيلة. ويزيد الأمر سوءًا أن العروض من طرف حزب السّلطة لم يكن ليصل في كل الأحوال إلى ثلاثين مقعدًا من بين مقاعد المجلس المائة وأربعين. وذلك حتى لا يفكّر نوّاب المعارضة مجتمعين في أن يرشّحوا أحدهم للرئاسة خلال الانتخابات القادمة، اذا يشترط الدستور على المترشح تزكية ثلاثين نائبًا برلمانيًا" (انظر الصفحة 116).

ويبرّر الغنّوشي قبول حركته بهذا المقترح الذي قدّمته السّلطة والحزب الحاكم بتزوير الانتخابات والاتفاق مسبقًا على عدد المقاعد التي سيحصل عليه كل حزب ما يجعلها بتعبيره هو "تمثيليّة هزيلة" بأنها "لم تكن مشغولة بعدد المقاعد التي ستحصلُ عليها في هذه الانتخابات وذلك بسبب تقديرها أنها انتخابات غير جادة وأنّ البرلمان حتى مع فرض الوصول إليه مفرغ من السلطة لصالح الرئاسة". مضيفًا أنّ همّ الحركة الأوّل كان "منصبًا على الظفر بالاعتراف بها وهو ما تلقت به وعدًا من الرئيس مباشرةً منذ أشهر فقط خلال اللقاء مع رئيس الحركة في 6 نوفمبر 1988م" (انظر الصفحة 116).

ويتابع الغنّوشي في ذات سياق التبرير أنّ الحركة "حسبها أن تمثّل في البرلمان ولو بأربعة أو خمسة مقاعد بما يعدّ نوعا من الاعتراف بها"، وأنّها "ترى أن الوضع في البلاد وما حول البلاد من قوى مؤثرة لا تسمح في كل الأحوال بحصولها على أكثر من بضعة مقاعد". ويؤكّد راشد الغنوشي أنّ قيادة الحركة قد "أرسلت رسالة بهذه المعاني إلى رئيس الدولة لطمأنته والتأكيد له على تفهّم الحركة للمازين القائمة، وأنها لا نيّة لديها في الإخلال بها، لأن وطنتينا تمنعنا من ذلك حتى وان بدا صالحًا لحزبنا" (انظر نفس الصفحة 116). ويعترف الغنّوشي صراحةً بقبول المقترح الذي قدّمته السّلطة والذي سيحوّل الانتخابات بحسب تعبيره السابقة إلى "تمثيليّة هزيلة"، حيث يقول بصريح العبارة: "وتأسيسًا على هذه الاعتبارات فقد أعلن مندوبنا في هيئة الميثاق الذي جاء تدخّله متأخّرا عن قبوله بخيار التوافق المسبق على تقسيم الأنصبة".

  • رفض أحمد المستيري واعتراف الغنّوشي المتأخّر:

وفي المقابل يتحدّث الغنّوشي عن موقف أحمد المستيري زعيم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين من مقترح السّلطة قائلاً: "كانت صدمة المستيري كبيرة وهو يستمع إلى عرض ممثل لحزب الحاكم خلال اجتماع لجنة الميثاق يقترح توزيع مقاعد البرلمان قبل حصول العملية الانتخابية نفسها. فلم يتردّد في رفض العرض السخيف المفعم بالروح الديكتاتورية" (انظر الصفحة 118). ويواصل الغنوشي الحديث عن عملية إجراء الانتخابات، التي قبِل فيها عرض السّلطة السخيف المفعم بروح الديكتاتورية والتي كان أيضًا قد قَبِل أن تكون محسومة النتائج من قبْل. ومتحدّثًا كذلك عن نتائجها ومشاركة حركته فيها وردود الأفعال حولها من مختلف الأطراف والاحتجاجات التي تلتها.

كما تحدّث عن تأثيرات الانتخابات ونتائجها على مختلف التيارات والأحزاب السياسيّة والشخصيات الوطنيّة وعلى رأسهم أحمد المستيري، حيث قال في هذا الصّدد: "لقد جاءت استقالة السيّد المستيري من الأمانة العامة لحزبه، في جويلية من نفس العام [1989] ثم استقالته من عضويّة الحركة جملة، تعبيرًا لا عن أزمة في النخبة القياديّة لحركته إثر الانتخابات التشريعيّة، بل أيضًا عن دخول البلاد في أزمة جرّاء إجهاض انتخابات أفريل 1989م للأمل في التغيير. لقد حمل السيّد المستيري من طرف نخبة قيادته مسؤولية تفويته على الحركة فرصة دخولها لأوّل مرّة البرلمان عبر الصفقة المضمونة التي اقترحها ابن علي على المعارضة وأفشلها المستيري" (انظر الصفحة 135).

وحين يفصّل الغنوشي "تقويم موقف السيّد أحمد المستيري" يتساءل قائلا "هل يكون بموقفه الحاسم في رفض عرض بن علي قد ارتكب خطأ استراتيجيا أجهض مشروعًا متدرجًا صوب التحوّل الديمقراطي؟ أم أنّه كان سبّاقا بحكم خبرته السياسيّة إلى إدراك الطبيعة الهيمنة البوليسية الفردية لمشروع ابن علي المناقض لكل معاني الديمقراطية واحترام رأي الشعب وقيم الأخلاق؟ وبالتالي، لا مجال لأن يلحقه لوم أو إدانة وحتى عتاب، بل هو جدير بكل إكبار وتقدير واستحقاق للوصف الديمقراطي وللأخلاق السياسية، وأن الحري بالملامة وحتى الإدانة والتشهير هم من سوّلت لهم أنفسهم طرح مثل المشروع السخيف المستهتر بكل خلق ومعنى للديمقراطيّة المستخف بالشعب وبالمعارضة، ثم أولئك الذي قبلوا المشروع ولم يقذفوا به في وجه من عرضه عليهم احتقارًا لهم؟".

ليعترف، رغم محاولة التبرير، بعد ذلك بالخطأ في قبول مقترح تزوير الانتخابات ونتائج ذلك الكارثية على الجميع، قائلاً: "ورغم أن الإسلاميين بالذات يمكن لمن يريد التماس العذر لهم أن ينبّه إلى أنهم لم يكن لهم من همّ يفوق مداواة جراحاتهم التي تغطي كل جسمهم وتثبيت شرعيتهم فكيف ينتظر منهم والحالة هذه أن ينتصبوا منذ البداية معارضين لمشاريع سلطة حذرة منهم، بينما هم يسعون لتطمينها على أمل الظفر منها بالشرعية كضامن لعدم العودة إلى المواجهة؟ نعم، ذلك ممكن إلاّ أن التنازل على المبادئ من مثل القبول بالتزييف المسبق لإرادة الشعب أو السكوت على التزييف تاليًا، وعدم الاحتجاج على ذلك بأقوى أدوات السياسة كالخروج إلى الشوارع يعد خطأ كبيرًا شنيعًا في مجال السياسة ولاسيما السياسة الإسلامية التي تقدّس قيمة الصدق" بحسب تعبيره (انظر الصفحة 139).

وسوم
شارك :