تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ماهي المهمة التي كلف بها سيد الفرجاني في وزارة البحيري؟

شارك :

عندما سئل، سيد الفرجاني، القيادي البارز في حركة النهضة وضابط الصف السابق في الجيش، وأحد رموز الجهاز الخاص منذ سبعينات القرن الماضي، في مقابلة مع راديو موزاييك، عن تصريحات القاضية كلثوم كنو وتساؤلها عن سبب تعيينه في وزارة العدل عام 2011 وتكليفه بمهمة دون تحديد طبيعتها خلال تولي نور الدين البحيري الوزارة، أوضح أنّ مهمته في الوزارة كانت واضحة وهو مستشار يهتم بسلامة البنايات من محاكم وأرشيف "والوزير له الحق في اختيار مستشاريه" وفق قوله.

لكن الفرجاني وكعادته، لم يقل الحقيقة، وجانب الصواب، مفضلاً عدم الكشف عن المهمة الحقيقة التي كلف بها من طرف رئيس الحركة راشد الغنوشي، رأساً، ولم يكن وزير العدل، نور الدين البحيري حينذاك، إلا موقعاً على القرار. وله الحق في ذلك، لأن المهام التي كلف بها ونفذها، ليست من الشرف، حتى يكشف عنها المرء، فالفرجاني كان مستشاراً مكلفاً بالمهام "السرية"، وهذه ألطف عبارة يمكن استعمالها، قياساً لما وقع بين 2011 و2012.

ببساطة، كان الفرجاني مكلفاً بابتزاز، كل من يأتي به القدر إلى سجن المرناقية، بحكم سيادة وزارة العدل على السجون. فقد كشف المحامي الفرنسي، الشهير، مرسيل سيكالدي، في مقابلة مع موقع "ميديا بارت" الاستقصائي في 2012، أن الفرجاني حاول ابتزاز موكله، البغدادي المحمودي في السجن من أجل الظفر بالأرقام السرية للحسابات الليبية في الخارج. وقال المحامي الفرنسي، إن مطعم "الفوكاتس" الشهير في باريس شهد يوم 5 ماي 2012، لقاء بينه وبين سالم الحاسي، رئيس المخابرات الليبية (التابع للمجموعات الإسلامية المسلحة) وكذلك سيد الفرجاني القيادي في حركة النهضة. وذكرت الصحيفة أن اللقاء تركز على مفاوضات حول الأرقام السرية لحسابات بنكية للنظام الليبي السابق والتي يحتفظ البغدادي المحمودي بأسرارها. ويضيف المقال أن سيد الفرجاني أكد لصحفي "ميديابارت" حصول هذا اللقاء لكنه أخفى عنه أنه المبعوث الخاص لراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة. وتوقف المقال عند فصول من السيرة الذاتية لسيد الفرجاني وقربه الشديد من الغنوشي ودوره الكبير في حركة الاتجاه الاسلامي سابقا وفي محاولة الانقلاب الذي كانت مقررة ليوم 8 نوفمبر 1987 على بورقيبة قبل أن يسبق بن علي الجميع ويطيح بالنظام يوم 7 نوفمبر. وزعمت "ميديابارت" أن راشد الغنوشي هو الذي أرسل الفرجاني للتفاوض في باريس حول امكانيات الحصول على مفاتيح الحسابات البنكية لنظام القذافي مقابل إطلاق سراح البغدادي المحمودي.

ويؤكد ما ورد في المقال، الرسالة التي بعث بها البغدادي المحمودي، إلى الرئيس منصف المرزوقي، قبل تسليمه بأيام وكشف فيها عن عمليات الابتزاز التي تعرض لها من طرف حكومة الترويكا ومن سيد الفرجاني شخصياً، ويقول المحمودي في رسالته:" يؤسفني أن أزعج فخامتكم بموضوع سجني في تونس، ولكن أردت إعلامكم بما جرى في الأيام الأخيرة. لقد قابلني مبعوث من وزارة العدل، الذي أفادني بأنه اجتمع مع محامي الفرنسي ومع شخص تونسي ومع آخر ليبي، وأعلمني أنه بعد بذل عديدًا من المجهودات توصّلنا إلى إقناع الجانب الليبي بضرورة تغيير إقامتي من السجن إلى إقامة جبرية خارج السجن. وقد طلب مني هذا المبعوث أنْ أقدّم دعوة للشخص الليبي للحضور إلى تونس لمقابلتي، وأن أدعو محامي الفرنسي من باريس، كما أبلغني أن هناك اتفاقًا على اقتسام المبالغ المالية التي أعرف مكان وجودها، وذلك بين الجهة الليبية التي ستحصل على حصة، قائلاً كذلك بالحرف الواحد (لا تنسوا نصيب الأطراف التونسية). وقد أكد لي أن هذا هو الحل الوحيد لخروجي من السجن، وأن قرار فخامتكم لا جدوى منه، وطلب مني الإسراع في التعاون معهم، ثم حذّرني من البوح بهذه التفاصيل لأي كان لا للمحامين التونسيين، ولا حتى للمحامي الفرنسي، وأن الجهة الليبية التي على الخط هي أكثر تشددًا من القذافي وليس لهم أية مشكلة في اتخاذ قرار تصفيتي حتى داخل السجن".

وتابع المحمودي: "لقد دامت هذه المقابلة أكثر من 40 دقيقة مع العلم أنّه سبق أنْ زارني المبعوث المُشار إليه صحبة أحد مستشاري وزارة العدل، وبيّن أنه قادر على معالجة الوضعية مع الجهة التي يعمل معها، وعليه فإن الصورة اتّضحت فبقائي في السجن مرتبط حسب هذه الجهة بإبرام صفقة مالية وكأن الأمر يتعلّق بقسمة مسروق، وهو ما جعلني أنهار وأحاول الانتحار لولا تدخُّل أعوان السجن لأنني والله حُمّلت ما لا طاقة لي به".

وزير المالية بحكومة الترويكا، حسين الديماسي، كشف بعد عملية التسليم، على قناة “حنبعل” أنّ تسليم البغدادي كان عبارة عن صفقة تمت بين الحكومة التونسية والسلطات الليبية باعتبار وعود ليبيا بمنح تونس 100 مليون دولار مؤكّدا أنّ تونس في حاجة لهذه الأموال لمجابهة المشاكل الحقيقية التي تعاني منها البلاد. كما صرّح الديماسي أنّ السياسة الحقيقية لا تبنى على الأخلاق والمبادئ بل تبنى على المصالح. وأعلن أنّه لم يساهم في هذه الصفقة بل في داخله كان رافضا لها لأنّها حسب تعبيره، ستخلق مشاكل تونس في غنى عنها.

قاد سيد الفرجاني، أيضا بوصفه مستشاراً في وزارة العدل، مفوضاً من الغنوشي، ملف التفاوض سراً مع الكثير من رجال الأعمال الذين تعلقت بهم شبهات فساد، بعد 2011. وقد نجح في استمالة بعضهم أشهرهم شفيق جراية، كما نجح في تقريب بعض أقطاب الإعلام إلى صف النهضة، لعل أبرزهم نبيل القروي، مؤسس مجموعة نسمة الإعلامية، الذي انقلب فجأة من أحد أشرس خصوم النهضة إلى أحد أصدقائها المخلصين، حتى أن الفرجاني وجراية مهدا الطريق، لعبد الحكيم بلحاج، أمير الجماعة الليبية المقاتلة، كي يظهر على شاشة قناة نسمة بوصفه أحد رموز الانتقال الديمقراطي في تونس.

هذه المهمات ليست غريبة عن الفرجاني، فالرجل كان أحد عناصر التنظيم الأمني والعسكري لحركة النهضة بين 1978 و1991، وأحد المسؤولين عن المجموعة الأمنية وانقلاب 1987 الفاشل، فقد عهد إليه بملف تهريب السلاح عبر البحر واستشارة القيادة في لندن والتنسيق مع التنظيم الدولي. ولعل السنوات القادمة كفيلة بالكشف، وبدقة، عن الدور الذي لعبه سيد الفرجاني، داخل وزارة العدل بين 2011 و2012.

الكلمات المفاتيح:
شارك :