تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

ماهي قصة المئتي مليون دولار التي منحها أمير قطر السابق لراشد الغنوشي؟

0
شارك :

أحمد المناعي

نشرت هذه المقالة لأحمد المناعي على مدونته الشخصية بعنوان "عبد الفتاح مورو كما عرفته". وهي مقطع صغير من مذكرات شخصية يعتزم، المناعي، مدير المعهد التونسي للعلاقات الدولية والخبير الأممي السابق وأحد المعارضين البارزين ضد نظام بن علي، نشرها في المدة القادمة. ولعل تجربة المناعي الثرية والطويلة داخل تونس وخارجها، ستجعل من هذه المذكرات، مادة هامة ومثيرة للجدل، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الحركة الإسلامية التونسية، الغامض والمجهول، خلال سنوات المهجر.

                                                                        ***

لا أذكر جيدا متى كان لقائي الأول بعبد الفتاح مورو. ربما كان في نهاية 1969 أو بداية سنة 1970 أما كيف فإنني أذكر أن أحد أصدقائي دعاني لصلاة الجمعة وراء إمام شاب برز في تلك الفترة في أحد جوامع العاصمة وكان ذلك. صليت الجمعة وراء عبد الفتاح مورو ولكن خطبته لم تعجبني فبقدر ما كان الإمام شابا كانت خطبته قديمة وتقليدية وحتى رجعية مع تركيز كبير على النواحي السلبية في الحياة الاجتماعية وما نسميه اليوم بالشعبوي. ولم أعاودها قط وبصراحة أزعجني صوته كثيرا.

أذكر جيدا أنني استضفته هو وراشد الغنوشي ذات يوم من أيام ربيع 1970 في مسقط راسي الوردانين وقضينا الساعات الطوال في بستان أخي محمد الكائن بالمندرة تحت مراقبة خفية لوالدي الذي كان ظاهريا منشغلا عنا بأعماله الزراعية بينما في الحقيقة لا شاردة ولا واردة من حديثنا كانت تفلت منه وهو ما أكده لي بعد توديعي لضيفي ورجوعي إلى الدار عندما باغتني بقوله أبمثل هؤلاء سيقع إحياء الإسلام؟

والدي الطاهر المناعي رحمه الله لم يكن فقيها ولا عالما ولا مثقفا ولا مفكرا بل كان فلاحا شبه أمي لم يفتح كتابا في حياته سوى القرآن الكريم في جزء عم الذي يقرأ آياته بصوت عال ليغطي على تعثر تلاوته ولكن كانت له فراسة وحدس أهل الأرض والحدس عند بعض علماء النفس هو أعلى مستويات الذكاء. لقد تفطن والدي يومها الى ما لم أكتشفه إلا بعد ثلاثة عقود.

في الأثناء علمت بعض الشيء عن خلاف مورو مع الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله والذي كنت عرفته صدفة عند باب جامع باريس في نوفمبر 1968 وتواصلت معه سنوات عديدة وشرفنا ذات يوم بإلقاء محاضرة على منبر اللجنة الثقافية بالوردانين سنة 1971. وعلمت أن سبب الخلاف هو محاولة مورو ومن ورائه زمرته، الاندساس في جمعية المحافظة على القرآن الكريم والتحكم فيها. وهو ما أثار ثائرة الشيخ المستاوي أمينها العام وطرده لمورو بصفعة على الوجه.

وثمة من يقول بأن الأمر أخطر من ذلك بكثير حيث صرح مورو بتكفير كل المجتمع وينسبون له هذا القول: إنّ خطّنا السياسي هو خط الرفض لكل ما هو قائم بدءًا بالمجتمع الذي نعتبره كافرًا وإن صلّى وصام وحجّ، وكذلك الحزب الحاكم، فهو دائرة من دوائر هذا الكفر ومن دخل فيه يصبح كافرا».

لا أذكر أني التقيت بمورو بعد ذلك إلا في مؤتمر حزب الوحدة الشعبية في أكتوبر1988 فقد فوجئت يومها بالاستقبال الحار الذي خص به الحضور وصول الغنوشي ومورو الى قاعة المؤتمر وهو ما أثار جدلا كبيرا في الصحافة في الأيام التالية والتقينا في نفس اليوم عند المرحوم محمد المصمودي في داره بمنوبة.ثم زرته في مكتبه في نهج بومنديل (الكومسيون) في جانفي 1989 لأسلمه نسخة من الرسالة التي بعثت بها إلى الرئيس بن علي أحثه فيها على الاعتراف القانوني بالنهضة. وانقطع الاتصال

في الحقيقة كدت سألتقيه في شهر أفريل 1991 لأبلغه رسالة الغنوشي بأن يتراجع عن تجميد عضويته في النهضة بعد جريمة باب سويقة ولكن إيقافي في تلك الفترة منعني من إبلاغه الرسالة وكذلك رسالة أخرى خاصة جدا جدا الى كمال لطيف.

كنت أتابع أخبار مورو من المنفى وفوجئت يوما بتصريح لجون أفريك (العدد 1589 ليوم 18 جوان 1991). يقول فيه «أن راشد الغنوشي قد اختار اللجوء الى العنف وأنه هو عبد الفتاح مورو من أنصار الحوار» وتصورت أن بداية انفراج قد يحدث قريبا في تونس إن هو أبدى شيئا من الشجاعة وقطع نهائيا مع شيخه الذي دفعهم الى الجحيم ولاذ بالفرار…. ولكن الشجاعة شيء نادر لدى السياسيين في تونس. لم يحدث شيء من ذلك فقد اختار مورو السلامة الشخصية والعائلية وأدار ظهره للعمل السياسي وغاب كليا عن الساحة ولم يشارك حتى في الدفاع عن أتباعه في المحاكمات الكثيرة التي عرفتها التسعينات واختص كمحام في القضايا المدنية.

  • قطرة الدم

حاولت أن أعرف عنه وعن شخصيته من خلال بعض أعضاء النهضة في المنفى ولم أتوصل الى شيء يذكر فالمواقف منه رهينة الموقف من راشد الغنوشي والتنظيم. في يوم من الأيام شاهدت فيديو وهو يخطب في اجتماع طلابي في بريطانيا في سنة 1987 تحدث فيه عن رواد الدعوة الإسلامية في تونس راشد ومورو ويقول فيه ما معناه أنه عند إعدام سيد قطب سقطت قطرتان من دمه في تونس: الأولى راشد الغنوشي والثانية هو، وقد عبر على ذلك بإشارة تمثيلية برأسه فصفق الحضور للباقته في الإشارة كما يقول صديق لي لا زال يستحضر الصورة.

واتصلت به هاتفيا مرة في 2005 لأطلب منه التوقيع على رسالة الى الرئيس بن علي لإطلاق سراح بقية مساجين النهضة. فقد وردت الى الخارج رسالة استغاثة من حمادي الجبالي «أن أخرجونا من هذا القبر» وتحركت بعض الأشخاص على الرغم من اعتراض الغنوشي. ووقع مورو الرسالة. في أواخر سنة 2005 وعلى إثر انتهاء مؤتمر المعلومات الذي انعقد بتونس أخطرني د. الصحبي العامري أن عبد الفتاح مورو قد اعتقل وأهين لدى الشرطة فكتبت ورقة لأعبر عن تضامني معه.

في سنة 2009 اتصل بي الصديق يونس عثمان الرجل الطيب والناشط السياسي المقيم في فرنسا أحد مؤسسي «تونس الدمقراطية الآن» والذي تقلد رئاستها، وطلب مني أن أراجع الأستاذ مورو في قضية كلفه بها منذ نهاية التسعينات. وتتمثل القضية في أن يونس عثمان قد اشترى ارضا في العاصمة وتأخر في تسجيلها وفي الأثناء باع مالك الأرض الأول الأرض ثانية لعلمه بان المشتري لا يرجع الى تونس. ولكن مورو تهاون في القيام بواجبه فقد اعتبر أن يونس لا يرجع الى تونس وأضاع الملف وخسر صاحبنا القضية أي ما يساوي مليون دينارا اعتبارا للقيمة الحالية لتلك الأرض والحقيقة أن من يعرف مكتب المحامي مورو والفوضى الذي عليه، يمكن له أن يتصور بأن جملا أو فيلا يستطيع أن يضيع فيه فما بالك بملف.

المعجزة

صباح يوم 23 أكتوبر 2011 رن هاتفي فاذا به مورو على الخط. مرحبا سي عبد الفتاح آه لا بأس؟ والله قلت «هانكلم أوخي احمد». «عديها على غيري»، هذه أول مرة في حياتك تكلمني فيها. الحقيقة أن عبد الفتاح لم يجد مكانه في النهضة المنتشية بالانتصار في انتفاضة لا علاقة لها بها فأزاحت كل الذين خرجوا عن خط الانقلاب بداية التسعينات ومنهم مورو الذي دخل الانتخابات في قائمة مستقلة وفهم أن حظه منها سيكون الصفر. في ذلك الصباح لم يجد من يواسيه فطرق بابي.

يوم السبت 18 فيفري 2012 كنت عند الصديق علوان صفر في بيته في العاصمة وقد كان من أعز رفاقي في المعهد الثانوي للذكور بسوسة حتى سنة 1962 وفرقت بيننا الأيام لأكثر من خمسة عقود واستأنفنا العلاقة عن طريق ف.ب. كنا نتحدث عن الأوضاع السياسية والشخصيات الجديدة التي ظهرت بعد 14 جانفي وفجأة سألني إن كنت أعرف الشيخ مورو؟ ولما أجبته بنعم طلب مني أن أعرفه به. في الحين اتصلت بمورو فرحب ونعتني عن عنوانه وتوصلنا اليه بشق الأنفس.

رحب بنا مورو وسقانا شايا أخضَرَ لذيذ، وتحدثنا عن شؤون الساعة ولا أدري كيف وصلنا إلى بعثة المراقبين العرب الى سوريا التي رجعت منها قبل أسبوع. واغتنمت الفرصة لإعلامه بأن راشد الغنوشي قد توصل بمئتي مليون دولار من أمير قطر. للحظة حسبت أن الرجل سيغمى عليه فقد استقام على كرسيه وشغر فاه وجحظت عيناه وطلب مزيدا من الإيضاح. حكيت له القصة كما سمعتها من غسان بن جدو مدير الميادين وهي كالتالي.

في يوم 8 فيفري 2012 وكان آخر يوم للبعثة في دمشق هاتفني بن جدو من بيروت وطلب مني حديثا لقناته وكانت وقتها تبث تجريبيا محدودا. بعد حوالي الساعتين جاءني سائقه وأخذني إلى مقر القناة واستقبلني صاحبها بحفاوة وكنا نتجاذب الحديث عن تونس وتجربة حكم النهضة بينما كان الطاقم الفني يجهز «الأستوديو». سألني بن جدو عن تفسيري لفشل النهضة في تجربتها وذكرت له أن هذه الحركة لا تملك ثقافة الدولة….الخ. وما إن أعلن أن الطاقم جاهز مشينا نحو «الأستوديو» ودون أن أساله عن شيء ذكر لي بن جدو أن الشيخ راشد قد توصل بمئتي مليون دولار من أمير قطر على مرتين: الأولى عن طريق الشيخ القرضاوي قبل الانتخابات والثانية بعد الانتخابات بلا وسيط. لم أسأل عن شيء ولم أطلب توضيحا ولا مزيدا….

لم تطل الجلسة مع مورو فقد فسد مزاجه واستأذنا للانصراف. كان صديقي علوان في منتهى السعادة وكأني به قد اكتشف لدى مورو ضالته. غير أنه هاتفني في نفس الليلة ليعبر لي عن استغرابه مما سمعه من الرجل في حديث على قناة نسمة بث ليلتها وانتهى إلى أن شخصية مورو زئبقية وأنه كذاب لا يستثاق بها. وعبر لي عن خيبة أمله فيه فقد تصور أن أخلاق الإسلام تفرض عليه شيئا من الصدق فاذا به أكثر السياسيين تلونا ومراوغة وقدرة على تغيير مواقفه ومواقعه.

من الغد أي يوم الإثنين 20 فيفري 2015 على الساعة الثانية وأربعين دقيقة مساء جاءتني رسالة من ابنتي بشرى التي كانت تحضر رسالة دكتوراه في كندا والتي أسست مع بعض زملائها مهرجانا سنويا تحت عنوان «أيام تونس الجديدة» تطلب مني فيها إن كنت أعرف مورو لأنهم يريدون استدعاءه لمهرجان تلك السنة. وأعطتني فكرة موجزة عن المهرجان الذي يدوم أربعة أيام من 18 الى 21 أفريل ويشتمل على عروض سنيمائية تونسية وحفل موسيقي تحييه فنانة تونسية ملتزمة ومحاضرات الخ.

وكان ردي بأني أعرفه وقد كنت عنده البارحة. فكانت فرحتها عارمة بأن وجدت من يذلل لها الصعاب للوصول اليه. واتصلت في الحال بمورو وأبلغته رغبة الشباب التونسي في مونتريال في دعوته ورحب ووافق على المشاركة في هذه التظاهرة. وانطلقت من يومها التحضيرات والإجراءات العملية لإنجاز المشروع. فبعد أيام وصلني ملف كامل يشتمل على الوثائق المطلوبة لاستخراج التأشيرة وأخرى عن تظاهرة السنة الفارطة فأوصلته له إلى مكتبه.

وبينما كان الشباب في كندا يهيؤون أنفسهم ويجمعون التبرعات لتمويل مشروعهم مركزين بالخصوص على مورو «الشخصية الأكثر تمثيلا للإسلام التونسي المسالم والمعتدل» كان الأخير يعمل على التنصّل من وعده واختار الطريقة الأكثر جبنا وهي رفض الرد على رسائل مستضيفيه وهواتفهم. وهو ما حيرهم كثيرا إلى أن بعثوا لي واحدا منهم.

كنت أتصل به باستمرار ولم يعد مورو يرد علي في الهاتف…إلى أن علمت أنه في الوردانين مسقط رأسي التي استضفته فيها مع شيخه قبل ذلك بنحو أربعين سنة. فاتصلت بأحد معارفي هناك وطلبت منه أن يبلغ مورو بأني في انتظاره.

فأعلمني بأن مورو بينهم وأنه يعدني بالمرور علي في سوسة بعد نصف ساعة. وانتظرت ساعة واتصلت به فرد على رفيقه بأنهم الآن في طريقهم الى تونس لموعد هام…لم أشعر في حياتي بإهانة أكبر من تلك التي وجهها لي مورو يومها. وأخبرت مبعوث شباب كندا وكان معي يتابع اتصالاتي بألا يعولوا على الرجل فقد أثبت أنه سفيه.

التقيت بمورو بعد ذلك مرتين وبمحض الصدفة:

الأولى كانت في قناة نسمة عند مريم بالقاضي يوم 13 أكتوبر 2013 فعلى إثر تدخلي عن الازمة الليبية وعند خروجي وجدت مورو في قاعة الاستقبال ينتظر دوره في التدخل وما إن رآني حتى اتجه نحوي يريد أن يسلم عليّ فنهرته وشهرت به أمام الجميع وحذرتهم بأن يتجنبوا هذا الشخص المنافق الجبان.

والمرة الثانية في بيروت يوم 10 أوت 2016 وكنا في نفس الفندق ولكن كل واحد منا لغايته الخاصة. وحدث أن رأيت مورو يدخل المصعد فركضت لألحق به وقد قدمت ساقي بين فردتي باب المصعد لأعطل حركته. وما إن رآني حتى أصابه الرعب وغرس وجهه في الأرض وأدرت له ظهري لأراقبه من مرآة المصعد. كان العرق يتصبب من وجهه رغم برودة جو المصعد. ساعتها شعرت بالراحة الكاملة وبأني انتقمت لشرفي.

وإذ أكتب هذا عن شخص مترشح للانتخابات الرئاسية التونسية فللتذكير بأن قيمة الإنسان عظيمة ومتواضعة أو على العكس دنيئة، لا تظهر بالأعمال الكبرى والانجازات العظمى إن وجدت، وإنما أيضا بالسلوك اليومي البسيط.

أحمد المناعي.

الوردانين في 27 أوت 2019

وسوم
شارك :