تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«مأساة الإسلام السياسي»: قرن من التجارب مع «الحداثة»

0
شارك :

نشرت هذه المقالة الطويلة، في مجلة (The Cairo Review) الصادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة، للكاتب والباحث طارق عثمان، مؤلف كتاب (Islamism: A History of Political Islam from the Fall of the Ottoman Empire to the Rise of ISIS). «الإسلاموية: تاريخ الإسلام السياسي من سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى صعود داعش» وترجمة أحمد الخطيب.

 

طارق عثمان

إن الإسلام السياسي في مأزق؛ فالإخوان المسلمون في مصر – أقدم وأكبر منظمة إسلامية تعمل في العالم العربي – قد أصبحت محظورة وصُنِّفت منظمةّ إرهابية في عددٍ من الدول العربية الأكثر نفوذًا. وخسرت حركة النهضة التونسية، التي يمكن القول إنَّها الحركة الاسلامية الأكثر تطورًا في الفكر السياسي في المنطقة، خسرت الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2014؛ واضطرت مرارًا وتكرارًا أن تنأى بنفسها عن المتشددين الاسلاميين الذين يهددون تونس الآن. وبالنظر إلى المغرب، نجد أنَّ حزب العدالة والتنمية هو أوَّل حزب إسلامي يقود ائتلافًا حاكمًا في البلاد، ولكن قادة الحزب يدركون جيدًا المكانة الرفيعة التي تتمتَّع بها المَلَكية في النظام السياسي في المملكة المغربية.

تحتَل الجماعات الإسلامية الأشد عنفًا صدارة المشهد الآن؛ فالتنظيمات الجهادية في العراق وسوريا تسيطر على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية. إنَّهم يحاولون إحياء دولة تنتمي إلى القرن السابع الميلادي بينما نعيش في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولكن دون الملامح الأخلاقية، والتاريخية، والثقافية التي جعلت الدولة التي تحاول تلك التنظيمات إحياءها بذرةَ لحضارة غنية. يرى الكثيرون إن مثل تلك الجماعات ظاهرةٌ عجيبة، لكن آخرون يرونها نتيجةً حتمية لعقود من الخمول، والتدنِّي الفكري، وفشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، خصوصًا في المنطقة العربية.

وفي خضم تطوُّر تسييس الدين، أصبح الإسلام نفسه في موضع الاشتباه؛ مما دفع قطاعات واسعة من المراقبين ذوي العلاقات النافذة، خصوصًا في الغرب، إلى النظر إلى الإسلام باعتباره دينًا يتساهل مع العنف – وفي نظر البعض يُجسِّده. وبطرح جانبًا المشاكل الاقتصادية التي تمر بها اوروبا، نجد أنَّ الخوف من المسلمين هو صميمُ الموجة المعادية للمهاجرين التي تجتاح القارة. ثمَّة شعورٌ قويٌ في أوساطٍ كثيرةٍ أنَّ الإسلام ما هو إلَّا خصمٌ فكريٌ للإنسانية والليبرالية.

وقد فشلت المؤسسات الإسلامية – التي تحظى بتوقيرٍ وافرٍ لتعليمها الفقهي – في معالجة هذه التحديات حتى الآن. ومما يزيد الأمر تعقيدًا هو أنَّ الفكر السائد في هذه المؤسَّسات قد تشكَّل من تراث القرون العشرة الماضية، وهي الفترة التي غابت فيها أيَّة ضغوط اجتماعية تدفع نحو التغيير مثل تلك التي واجهتها المؤسسات الدينية الغربية. فما النتيجة؟ ما زالت أكبر المؤسَّسات الإسلامية، وأغناها، وأبرزها تدور في مجالٍ فكريٍ لم يتغيَّر كثيرًا في الأعوام الثلاثمائة الماضية.

  • الدين العقلاني

ينشأ ذاك الفشل المعاصر للإسلام السياسي من صراعٍ امتد لمئةٍ وخمسين عامًا لإيجاد أرضية مشتركة بين الإسلام والحداثة، ليس على مستوى مبادئ الإيمان، أو الطقوس، أو القيم المرتبطة بالدين، وإنما على مستوى الأدوار السياسية، والاجتماعية، والتشريعية التي نهض بها الإسلام في المجتمع، تلك الأدوار التي يعتقد الكثيرون أنَّها جزءٌ لا يتجزأ من جوهر الدين.

في القرون العشرة الماضية، ظهر الإسلام باعتباره المُحدد الاجتماعي الأشد تأثيرًا في «الأراضي الإسلامية» التي أضحت حدودها تضم شبه الجزيرة العربية، وبلاد فارس، وشرق البحر الأبيض المتوسط، وشمال أفريقيا، وأجزاء من جنوب أوروبا وآسيا الصغرى. وعلى الرغم من أنَّ فهمًا مختلفًا للإسلام قد ظهر في كلٍ من هذه المناطق؛ ممَّا ساهم في تشكيل ثقافات شديدة الاختلاف، فإنَّ الإسلام – أو بالأحرى تأويلاته المختلفة في كل منطقةٍ على حدة – كان العامل الحاسم في إضفاء الشرعية على الحكم السياسي، وتنظيم المجتمع، وسن القوانين، وتعريف أيَّة دولة باعتبارها دولة «إسلامية».

 

تغيَّرت هذه القاعدة في الفترة بين أوائل إلى منتصف القرن التاسع عشر؛ فقد كشف وصول القوى الاستعمارية الأوروبية إلى الشرق الأوسط التفاوت المذهل بين معارف العرب والمسلمين وأدوات السلطة التي يملكونها وبين تلك التي لدى الغربيين. كان هذا الإدراك دافعًا قويًا – على الأقل في بعض دوائر النخبة – إلى الخلاص من ذلك الخمول واللحاق بركب الغرب. خلال القرن التاسع عشر، أخذ العديد من حُكَّام العالم الإسلامي على عاتقهم تحديث جيوشهم، وإصلاح نظم توزيع الأراضي الزراعية، وإدخال التصنيع الحديث، ودعم التغيُّرات في القواعد الاجتماعية المتعارف عليها، بدايةً من سلالة محمد علي في مصر، والعديد من السلاطين العثمانيين مثل محمود الثالث، وأباطرة الفرس مثل الشاه نصر الدين، وحُكَّام شمال أفريقيا مثل حسين باي في تونس.

أضعفت هذه الإصلاحات – التي شملت إدخال أسس التربية الحديثة على النمط الأوروبي – دور المؤسَّسات الدينية السياسي والاجتماعي، وكذلك التأثير الاقتصادي للأوقاف؛ ممَّا أسفر عن استبدال السلطات الدينية بمتخصصين علمانيين في البلاط الملكي، والدوائر السياسية، والسلطة القضائية. كانت الحداثة تقتطع بشكلٍ لا لبس فيه من دور الإسلام في المجتمع.

لم يكن من المُستغرب أن أدانت العديد من المؤسسات الإسلامية الكبرى هذه الحداثة؛ فقد عارضوا إدخال التعليم العلماني، والاختلاط بين الجنسين، وطرق التمويل الغربية، وكذلك ترجمة الأعمال الفنية الغربية، واستيراد الظواهر الثقافية مثل المسرح، والابتعاد عن نظم الحكم والإدارة التقليدية. كانت تلك الإجراءات بمثابة بِدَع يجب رفضها، ومحاربتها إن لزم الأمر.

لكن بعض علماء الدين أدركوا أنَّ موجة الحداثة لم تكُن فقط ضرورية لتطوير مجتمعاتهم، وإنَّما أيضًا لا يُمكن وقفها؛ فدفعوا بأنَّ الحداثة لا تنفي الإسلام. كان الإسلام، بالنسبة إليهم، دينًا عقلانيًا أنقذ العرب من الجاهلية – ومن الجهل. ومن وجهة نظرهم، كانت المظاهر الاجتماعية التي فُرضَت على الإسلام في القرون السابقة من صنع الثقافات المحلية، والتأويلات الضيقة لقواعد الدين وتعاليمه، وانحرافات الفِكر. وكان لجمال الدين الأفغاني ومن بعده تلميذه محمد عبده أبلغ الأثر في هذا الاتجاه الفكري؛ فتولَّيا الدعوة إلى الإسلام باعتباره «رسالة» ألهمت حضارةً غنيةً، وأضافت إلى التراكم المعرفي للبشر ومخزون ثقافتهم، وجمعت شعوبًا من خلفيات مختلفة تمامًا، واستلهمت الكثير من الحضارات الأخرى، مثل اليونانية والفارسية، واحتضنت فلسفات متسامحة كانت، في أغلبها، غير قائمة على الدين مثل فلسفات الرازي وابن سينا. لقد وضعت هذه المدرسة الإسلام في إطار «المرجعية» التي من شأنها توجيه المجتمعات الإسلامية في طريقها المحتوم إلى الحداثة، ذاك الطريق الذي رآه أصحاب هذه المدرسة ضروريًا. كان الهدف هو الاحتفاء في المجتمعات المسلمة بالأدوات، بما ذلك طريقة التفكير، التي مكَّنت الغرب من التقدم، دون أن تفقد السمات الدينية والثقافية التي تحدد الهوية الإسلامية.

أصبح الأفغاني وعبده من مشاهير المثقَّفين في أنحاء العالم الإسلامي. ولكن أفكارهم لم تكتسب قط انتشارًا واسعًا، أو زخمًا كبيرًا في أكبر قطاعات المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. وبرغم أن الأفغاني أصبح مستشارا مقرَّبا من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لفترة وجيزة في أواخر القرن التاسع عشر، لم تحصل هذه المدرسة الفكرية على أي دعمٍ جادٍ من الدولة. ونتيجةً لذلك، مكثت أفكار الأفغاني وعبده وأتباعهم محتجبةً في أبراج عاجية. وبكونها منفصلة عن حياة الغالبية العظمى من المسلمين، كان تأثير تلك الأفكار محدودًا للغاية. فشلت هذه المدرسة في الوصول إلى كتلة حرجة من المسلمين وتحويلها إلى وجهة نظرها بشأن موقع الإسلام في مجتمع الحداثة (أو الذي في طريقه إليها) ناهيك عن إقناعهم بوجهة النظر تلك.

لكن مشروعًا آخر للتحديث لم يخصص مكانًا للإسلام في المجتمع على الإطلاق. سعى كمال أتاتورك في تركيا إلى إخراج كل مظاهر الإسلام السياسية والاجتماعية من الدولة الجديدة التي خلقها في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي على أنقاض الخلافة العثمانية. بالنسبة لأتاتورك وأتباعه، كان الإسلام، في أفضل الأحوال، دينًا يمكن للأفراد احترامه وممارسته في حياتهم الخاصة، طالما أنَّ نفوذه لا يمتد إلى الدولة ولا يظهر جليًا في أيٍ من جوانب المجتمع؛ وفي أسوأ الأحوال، كان تراث الإسلام بالنسبة إليهم عقبةً أمام التقدم. وبعد ثلاثة عقود في تونس، طرح الحبيب بورقيبة فكرًا مماثلًا في ستينات القرن الماضي، ولكنَّه كان مُعدَّلًا قليلًا؛ فلم يطرح بورقيبة برنامجه للتحديث معارضًا للإسلام. وقال إنَّه لا يرى أنَّ المجتمع يجب أن يقطع صلته بالتراث الإسلامي تمامًا. وبدلًا من ذلك، أكَّد أنَّ الإسلام – في صلبه – عقيدةٌ ومجموعةٌ من القيم؛ وأنَّ المجتمعات الإسلامية بحاجة إلى إلهامٍ من هذه القيم للفكاك من خمول القرون الماضية، ولكن هذا لا يعني أن تتسامح مع مظاهر الدين السياسية والاجتماعية. كان «الجهاد الأكبر»، بالنسبة إليه، يكمُن في تبني الوسائل التي من شأنها أن تسمح للمسلمين باللحاق بركب العالم. كان بورقيبة يعرف أنَّ النتيجة الحتمية لهذا الاتجاه لها ثمن – ثمنٌ رآه هو مقبولًا إن لزم الأمر – التضحية بالأمور التي تُحدد وجود الإسلام في المجتمع كما تعارف عليها معظم المسلمين، من الشريعة إلى الصلاة وصيام رمضان.

استمرَّت دولة أتاتورك ونظام بورقيبة لعقود، ولكن نقصًا بالغًا قد ظهر في بنيتهما السياسية. أثبتت النجاحات الانتخابية التي حقَّقتها الأحزاب الإسلامية في تركيا منذ أوائل تسعينات القرن الماضي وحتَّى الوقت الراهن أنَّ دولة أتاتورك ونخبتها العلمانية قد فرضت النظام على المجتمع من أعلى دون النظر إلى أنَّ قطاعات واسعة منه كانت تتوق إلى التعبير عن تديُّنها وربط تراثها الإسلامي الممتد عبر قرون بالحداثة التي كانوا مستعدين لتبنِّيها.

وكشف صعود حركة النهضة الاسلامية في تونس عقب انتفاضة عام 2010 التعفُّن الذي قد ضرب الدولة العلمانية في البلاد؛ وأظهر انَّ قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والتونسيين الفقراء لطالما رغبت في أن يكون للإسلام دور رئيسي في حياتهم، ومجتمعهم، ودولتهم. إنَّ درس تركيا وتونس واضحٌ لا لبس فيه: من المستحيل اقتلاع مظاهر الإسلام السياسية والاجتماعية في مجتمع ذو أغلبية مسلمة.

سعى بعض القوميين العرب إلى تحقيق مقاربة بين مدرسة الأفغاني وعبده وتجربة أتاتورك. كان المشروع القومي العربي، وخاصة في أوجه في ظل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، متمركزًا حول فكرة تحقيق نهضة اشتراكية علمانية من شأنها أن «تُحرر العالم العربي»، وتُحقق المساواة الاجتماعية للجماهير العربية الفقيرة، و«إحياء الإرادة العربية». لا يكاد الإسلام يجد له مكانًا في هذه الصورة، ولكن العقيدة الإسلامية وتراثها ظلَّتا بمثابة «مظلة حضارية» تضم القومية العربية تحتها. وعن عمدٍ قد تُركت التفاصيل في الخطاب القومي مبهمة، تارةً يُمجِّد القادة القوميون – أو أبواقهم – الإسلام ودوره في المجتمع وتارةً يُهمِّشونه حسبما تُملي عليهم رغباتهم. ومع ذلك، كان النهج القومي العربي محاولةَ لدفع عجلة التحديث دون نبذ ارتباط المجتمع بالإسلام. اتخذ المشروع القومي العربي طريقًا وَسَطًا بين نموذج أتاتورك، ونموذج الأفغاني وعبده؛ فلم يعتبر القوميون العرب الإسلام خصمًا فكريًا للتحديث أو عقبةً في طريق التقدُّم، ولم يعتبروه أيضًا الهوية الرئيسية التي يتعيَّن الحفاظ عليها أو المرجعية التي تقاس عليها الأفكار الجديدة.

كان الفشل نصيب هذا النهج أيضًا. وبصرف النظر عن الهزائم العسكرية وضعف الأداء الاقتصادي، وقعت نماذج القومية العربية، مثل الناصرية وغيرها، في فخِ الوعود الهائلة التي عجزت عن الوفاء بها. لقد أضعف انكسار الحلم فكرة العروبة؛ فخلق فراغًا هائلًا في النفسية العربية، فراغًا كان مؤلمًا بالنسبة إلى الكثيرين. لم يكُن شيءٌ ليملًا هذا الفراغ سوى العودة الى ما اعتبره الكثيرون الهوية الحقيقية: الإسلام.

وقد ساعدت عدة عوامل في ذلك. أدَّت الزيادة الهائلة في أسعار النفط في سبعينات القرن الماضي إلى موجة ضخمة من الهجرة من الدول العربية غير المصدرة للنفط إلى دول الخليج. سافر ملايين المصريين، والأردنيين، والمغاربة، والفلسطينيين، والسوريين، والسودانيون إلى المملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة في وقتٍ كانت فيه هذه الدول أكثر محافظةً بكثير ممَّا هي عليه اليوم. وتزامن ذلك مع تغيير تدريجي لا يُمكن تجاهله في دور الدولة في الدول العربية الفقيرة. كانت قدرة هذه الدول على الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي تتراجع باستمرار. التزامات مثل التعليم المجاني والرعاية الصحية، والمواد الغذائية والطاقة المدعومة بشدة أصبحت خارج حدود قدراتها.

وفي غضون عقدين من الزمن، تسبَّبت هذه التطوُّرات في إحداث تغيير جذري في تركيبة الطبقات المتوسطة في عدة دول عربية كبيرة مثل مصر وسوريا. كانت الفئات الاجتماعية المحافظة التقليدية تتسلَّق السلم الاجتماعي؛ وجرى تصدير قيم ومذاهب دينية متشددة – مثل الوهابية المدعومة من السعودية – من الخليج إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا. كانت المجتمعات العربية تتغيَّر قلبًا وقالبًا، من الارتفاع الكبير في نسبة النساء المحجبات، إلى التغيرات التي لا تُخطئها العين (يراها البعض تدهورًا) في الثقافة العربية، والفن، والترفيه. راهنت بعض الأنظمة العربية، وأبرزها نظام الرئيس أنور السادات في مصر، على التيَّار الديني المحافظ لإضعاف الموروثات القومية من أسلافهم وخصومهم وتعزيز شرعيتها؛ فأطلقوا يد الجماعات الإسلامية في الجامعات، والنقابات المهنية، ووسائل الإعلام على حساب القوميين العرب العلمانيين.

غُرست بذور حلم المسلمين المتشددين في إيران بنبذ الأنظمة السياسية العلمانية والعودة بالمجتمع إلى «الصراط المستقيم» بعد أن جاء عام 1979 بسقوط الشاه الذي تبنَّى بشدة النموذج الغربي. لم يكُن هذا كل ما حدث في عام 1979، فقد كان أيضًا العام الذي شهد الغزو السوفيتي لأفغانستان، ذاك الغزو الذي قدَّم للحركة الإسلامية عشرات الآلاف من المقاتلين الذين أنضجتهم ساحات المعارك. بذلت العديد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، جهودها لتحويل مغامرة الاتحاد السوفيتي إلى صراعٍ يخوضه المقاتلون الإسلاميون لطرد «الاتحاد السوفيتي المُلحد من أفغانستان الإسلامية». وبعد مرور عقد على انسحاب السوفييت، عاد هؤلاء المقاتلين منتصرين إلى بلادهم ليستخدموا طريقتهم في الجهاد – حرب العصابات – ضد «الأنظمة الكافرة التي تُلوِّث الأراضي الإسلامية».

هذا كله أعطى زخمًا قويًا للجماعات السياسية الإسلامية القائمة منذ فترة طويلة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، فضلًا عن المُنظَّمات المُسلَّحة والميليشيات التي ظهرت في العالم العربي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. لم يهتم أيٌ من هذه الجماعات بطرح منهج يُعالج تحدي التوفيق بين مظاهر الإسلام الاجتماعية والسياسية وبين الحداثة العلمانية. وعلى العكس من ذلك، يبدو أنَّ تلك الجماعات كانت تُمثِّل اتجاهات مختلفة من الإسلام السياسي قد لا يربط بينها رابطٌ إلا شطب قرنٍ من الزمان قضاه العرب والمسلمون في محاولة التكيُّف مع الحداثة.

تمكَّن الإسلاميون الذين اختاروا العمل من خلال النظم السياسية القائمة من بناء دوائر تأييد قوية، وإنشاء شبكات موسَّعة للدعم والخدمات الموجهة إلى الفقراء والطبقة الوسطى، ووصلوا في بعض الأحيان إلى تأسيس إمبراطوريات اقتصادية ومالية ضخمة ومُعقَّدة، بالإضافة إلى منصات إعلامية واسعة الانتشار. ولكن الطابع الذي كان يميِّز هذه الفئة هو عنايتهم بالمظاهر الاجتماعية في المقام الأول، مثل إنشاء المساجد والحد من الاختلاط بين الجنسين، والتشريع، بتعزيز نفوذ الفقه الإسلامي على القوانين المدنية والجنائية، ومهاجمة النظم المالية الحديثة، ومقاومة الإصلاحات الاجتماعية في مجال حقوق المرأة على سبيل المثال.

أمَّا الجهاديون المتشددون فقد وجَّهوا جهودهم إلى الإطاحة بالأنظمة العربية. وقد سعوا أيضًا إلى تأجيج الثورات الاجتماعية لأسلمة مجتمعاتهم (بالطريقة التي يُعرِّفون بها الإسلام ومظاهره السياسية والاجتماعية). كانت الحداثة بالنسبة إليهم إهانةً لتراثهم الإسلامي، بل للإسلام نفسه. تألَّفت تشكيلات المُسلَّحين في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي من جماعات الجهاديين التي تخوض حروب عصابات مُتفرِّقة في أنحاءٍ مختلفة من العالم العربي. برَّروا أفعالهم، التي اتَّسمت بالعنف الشديد في كثيرٍ من الأحيان، بالفكرة التي تقول إن قطاعات المجتمع التي ترفض تبنِّي قواعد الإسلام، وتنفيذها، والامتثال لها (كما يُحدِّدها المسلَّحون) هي في الحقيقة ترفض الإسلام نفسه وتكون في حُكم المُرتدِّين. كان المصري سيد قطب – عرَّاب التشدُّد الإسلامي المُعاصر كما يحلو للبعض وصفه – يرى هؤلاء المسلمين وكأنَّهم يعيشون في جاهلية كتلك التي عاش فيها العالم كله حتَّى حمل النبي محمد رسالة الهيه إلى البشرية. أصبحت أفكار قطب إطارًا فكريًا للجماعات التي عزمت على محاربة الأنظمة الحاكمة والشعوب التي رأتها ـ «رافضة لحكم الله».

كان الفشل نصيب الإسلاميين، سواء تصالحوا مع الأنظمة القائمة أو استخدموا العنف للإطاحة بها؛ فلم ينجح أيٌ من النهجين في السيطرة على بلدٍ عربيٍ واحدٍ. بدت كافة الدول العربية في مطلع القرن الواحد والعشرين مستقرَّة تحت حُكم الأنظمة الملكية الوراثية أو الأنظمة الجمهورية العلمانية. أيقنت معظم الجماعات الإسلامية العربية أنَّ ثمن أي وجود حقيقي لها في السياسة – ولو على الهامش – هو طمأنة الأنظمة الحاكمة أنَّها لا تُمثِّل أي تهديد، وأنَّها مستعدةٌ للعمل وفقًا للقواعد مثل غيرها من جماعات المعارضة ذات الصفة القانونية أو التي تقبلها الأنظمة. بدأ الإسلاميون خوض الانتخابات بحذرٍ من تعبئة أنصارهم بطريقة مبالغ بها أو التباهي بمواردهم المالية خشية أن تتبع ذلك حملة مضادة للإسلاميين. كان الوضع مختلفًا بالنسبة إلى الجهاديين؛ فقد أنهكتهم مواجهاتهم المتكررة مع الأنظمة العلمانية – وعلى الأخص في مصر والجزائر في تسعينات القرن الماضي– وجعلتهم غير قادرين على ممارسة نشاطهم. هاجر بعضهم إلى أوروبا حيث احتموا بالحرية السياسية هناك لإطلاق حملات إعلامية ضد حُكَّام أوطانهم، بينما انتقل آخرون إلى معاقل صديقة للمتشددين مثل أفغانستان وباكستان حيث تجمَّعوا داخل هياكل جديدة مثل تنظيم القاعدة.

  • الانتفاضة العربية

ضربت الفوضى، والفساد، والركود الاقتصادي الأنظمة العلمانية في العالم العربي؛ فاجتاحتها الانتفاضات التي بدأت في تونس في أواخر عام 2010 وانتشرت في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط. أحدث ما يسمى «الربيع العربي» تحوُّلًا سياسيًا واستراتيجيًا حاسمًا في المنطقة؛ فجاءت الجماعات الإسلامية إلى المستويات العليا من السلطة بنجاح الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية في مصر، والكويت، والمغرب، وتونس، وليبيا بدرجةٍ أقل. أمَّا الإسلاميون في مصر فقد تجاوزوا البرلمان إلى الرئاسة.

لقد تغيَّرت مواقف هذه الجماعات وخطابها إلى حد كبير؛ فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، كانت الجماعات الإسلامية قد بدأت في طرح الإسلام كإطارٍ مرجعيٍ لمجتمعاتهم؛ وهذا يعني اتباع نهجٍ أكثر اعتدالًا في تكييف التفسيرات التقليدية للشريعة الإسلامية مع السياسة، والتشريع، والاقتصاد. وأكَّد العديد من العلماء الإسلاميين البارزين، أشهرهم راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس، توافق الفقه الإسلامي مع مبادئ الديمقراطية حسبما يفهمها الغرب. ولم يبدُ أنَّ أحدًا استطاع حسم معضلة ازدواجية الولاء بين الأمَّة – مجتمع المسلمين العالمي – وبين الدولة القومية إلَّا بقبول بعض العلماء المسلمين فكرة الدول العلمانية التي تحكمها القوانين الوضعية. طرحت جماعة الإخوان المسلمين مبادرات اجتماعية واقتصادية مُستلهمة من تجارب البرازيل، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وتركيا. كان الإسلاميون يُقدِّمون أنفسهم إلى شعوبهم باعتبارهم أصحاب شبكات الدعم الاجتماعي التي تخدم الفقراء والمحتاجين؛ ممَّا مكَّنهم من تمرير فكرة قدرتهم على إدارة الدول بمهارةٍ. أصبح قادة هذه الجماعات أكثر تطلُّعًا على نحو متزايد؛ فقد حلَّت القيادات الشابة الصاعدة من شبكات التجارة والخدمات الاجتماعية التي يديرها الإسلاميون محل علماء الدين التقليديين؛ واختارت عدة جماعات إسلامية عربية شابات ليتحدَّثن باسمها – مثالًا على التطور الفكري والشكلي. كما استطاعت العديد من الحركات الإسلاميون استخدام شبكة الإنترنت وثورة تكنولوجيا الاتصالات لتقدم نفسها كقوى قادرة على التكيُّف مع التغيُّرات الاجتماعية الهائلة التي شهدها العقد الماضي.

ساهمت كل هذه الخطوات في تحسين صورة ومكانة الإسلاميين في الداخل والخارج. بدا الإسلاميون عازمين على تجاوز الفجوة بين الإسلام والحداثة العلمانية التي عانت منها مجتمعاتهم في الأعوام المائة والخمسين السابقة. كان صعودهم إلى الحكم عبر انتخابات حرة بعد الانتفاضات العربية إيذانًا ببدء محاولة جديدة واعدة في حل معضلة الحداثة بين الإسلام والعلمانية.

لكن الوعد لم يدُم طويلًا؛ فتولِّي زمام الحُكم كان يتطلَّب خبرةً وكفاءة أثبت معظم الإسلاميين أنَّهم يفتقرون إليهما. وجد الإسلاميون أنفسهم مضطرين للتعامل مع المشكلات الاجتماعية الحادة والتحديات الاقتصادية بعد عقودٍ من سوء الإدارة، والعجز، والفساد أنتجتها الأنظمة المخلوعة. لم يكُن تغيير الأنظمة السياسية جزءًا من تصوُّر بعض الإسلاميين، مثل حزب العدالة والتنمية في المغرب والحركة الدستورية الإسلامية في الكويت. أمَّا في تونس فكان حزب حركة النهضة أكثر طموحًا؛ فقد وصل إلى السلطة عبر انتخاباتٍ يُمكن وصفها بأنَّها الأكثر حريةً في العالم العربي في الخمسين عامًا الماضية؛ ممَّا أثار طموحات النهضة في محاولة دمج الفكر الإسلامي مع التراث العلماني في البلاد بعد تطوَّر الأوَّل عبر 20 عامًا من العمل الفكري فضلًا عن عقودٍ من النفي في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا. وذهبت جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى أبعد من هذا بسعيها للسيطرة على مؤسسات الدولة الرئيسة، وتوسيع نفوذها الاقتصادي في القطاعات الأعلى ربحًا في البلاد، وإضفاء نبرة ودلالات إسلامية صارمة على التشريعات والحياة العامة في مصر. كان صعود الجماعة مقترنًا بظروفٍ جعلت الأمر يبدو وكأنَّه الوصول إلى السلطة بعد عقودٍ في صحراء القمع السياسي والمنفى.

لكن صعود الإسلاميين إلى السلطة أدَّى إلى استقطابٍ اجتماعيٍ عميقٍ في العالم العربي؛ فصار لدى قطاعات واسعة من المجتمع تخوُّف من مشروع ٍيُنظر إليه باعتباره مشروع أسلمة. خشي الكثيرون – خصوصًا في الدول ذات التراث العلماني الكبير مثل مصر، والمغرب، وتونس – أنَّ ما سيُحدِثه صعود الإسلاميين ليس تغييرات تدريجية في الهياكل السياسية والاقتصادية فحسب، بل تحوُّلًا تامًا في الهويات، والديناميات الاجتماعية؛ أي، باختصار، انقلابًا في شكل المجتمعات وجوهرها. وتصاعدت المخاوف بظهور جماعات متشددة ومهمَّشة لم تُمارس السياسة من قبل، مثل السلفيين، باعتبارها قوةً اجتماعية وسياسية لا يُستهان بها.

ومن المؤكَّد أن الكثير من العلمانيين العرب قد عزَّزوا حالة الاستقطاب؛ فصعود الإسلاميين كان تجربةً مؤلمةً رأتها الأجيال الأكبر سنًا من العلمانيين ضربةً قاضيةً في سلسلةٍ من الإخفاقات في نصف القرن الماضي الذي شهد استغلالهم وسوء معاملتهم من قِبَل الأنظمة المَلَكية، والقومية، والعسكرية. أمَّا النشطاء العلمانيون الشباب فقد شعروا بأنَّهم قاموا بدورٍ كبيرٍ في إشعال الثورات العربية ليجدوا أنفسهم في مواجهة مع الجماعات الإسلامية التي كانت أكثر مالًا، وأفضل تنظيمًا، وأكثر توغُلًا في دوائر اجتماعية أكبر. تلقَّى العلمانيون هزيمةً انتخابيةً تلو الأخرى؛ مما أدى للشعور– للعديد منهم– أنَّهم في لعبة غير عادلة.

وقد تفاقم الاستقطاب الاجتماعي، بطبيعة الحال، نتيجةً لمخاوف الأقليات الدينية. كان العرب المسيحيون والأقليات الأخرى تراقب الاتجاهات الناشئة بفزعٍ حتى قبل صعود الإسلاميين بعدة سنوات: تعزيز دور الشريعة في القوانين المدنية والجزائية، وجعل الدساتير أكثر تماشيًا مع الشريعة الإسلامية، وظهور مسلحين إسلاميين معروفين في المشهد السياسي، وخطاب إسلامي قوي في الحوار الداخلي والسياسة الخارجية، وشعور واضح بأنَّ التنوع وأنماط الحياة «غير الإسلامية» أصبحت أمورًا غير مرغوب فيها.

ولم تزِد المخاوف إلَّا تأجُّجًا بعد الانتشار الصادم للجماعات الجهادية العنيفة في المنطقة، جماعات تُذكرنا بتنظيم القاعدة، مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام. تبنَّت هذه الجماعات أيديولوجية الجهاديين المتشددين في العقود القليلة الماضية، ولكن مواردها أصبحت أكبر بكثير في وقتٍ ينهار فيه النظام العربي الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية. سمح زوال الحكم المركزي في العراق وسوريا بتقويض الدولة القومية في شرق البحر المتوسط، وأعطى مساحةً للطائفية أن تزدهر (أو أن تعود بقوة)، وسمح للجهات الفاعلة غير الحكومية – وخصوصًا الجماعات الإسلامية المتشددة – بترسيخ أقدامها في أجزاء من المنطقة.

أقنعت تلك الفوضى أجهزة الأمن القومي في العالم العربي أنَّ الإسلاميين كانوا جزءًا من جهدٍ أكبر (أو «مؤامرة» كما يراها البعض) لإعادة تصميم المنطقة: تقسيم بعض الدول، وإعادة رسم حدود أخرى، والأهم من ذلك تقويض الدولة القومية العربية العلمانية. كانت محاربة مشروع الأسلمة في جميع أشكاله، سواء في السياسة أو في ساحات المعارك، بالنسبة إلى تلك الأجهزة مهمةً وطنيةً «لإنقاذ» بلدانهم.

بعد خمسة أعوام من الربيع العربي، عاد الإسلام السياسي في المنطقة كما بدأ: مُهمَّشًا، ومُضطهدًا، ومُلاحقًا، ولا يحظى بالثقة، على الرغم من نشوة امتلاك السُلطة التي لم تستمر طويلًا. ومن ثمَّ فقد ضاعت فرصة أخري – ثمينة – لتحقيق مصالحة بين الإسلام والحداثة العلمانية.

في تونس، أجبرت عدة أمور – الاستقطاب الاجتماعي، وانتشار السلفية، وتحالف القوى العلمانية من نظام بورقيبة القديم ضد الاسلام السياسي – حزب النهضة على تسليم السلطة لحكومة تكنوقراطية. شكَّل معارضو النهضة كتلةً سياسيةً قوية تلقت دعمًا ماليًا كبيرا من داخل وخارج تونس ضمن لها الفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في البلاد في عام 2014؛ فتراجعت النهضة عن طموحها في طرح وجهات نظر تقدمية تتناول الإسلام باعتباره إطارًا مرجعيًا لمجتمع يتجه نحو الحداثة لتصبح في موقف الدفاع عن أيديولوجيتها وإيضاح الفرق بينها وبين التيار الإسلامي المُتشدد الذي انتشر في تونس. أمَّا في مصر، فقد تطوَّرت الفجوة بين الإسلام والعلمانية إلى مواجهة بين الفهم التقليدي للهوية المصرية على النحو الذي تحمله الطبقات الوسطى والعليا المتوسطة، وبين ما رأته شرائح اجتماعية كبيرة مشروع أسلمة عدواني تقوده جماعة الإخوان المسلمين؛ حتى حملت تظاهرات كبيرة في صيف عام 2013 العسكريين على الأعناق ليقودوا التدخُّل الذي طرد جماعة الإخوان المسلمين من السلطة.

  • «الإسلام هو الحل»

جعلت تجربة الأعوام الخمسة الماضية المُصالحة بين مظاهر الإسلام الاجتماعية والسياسية وبين الحداثة العلمانية أصعب بكثيرٍ ممَّا مضى. أصبحت هذه المظاهر بالنسبة إلى كثير من العرب الآن مرتبطة بالإسلاميين وفكرة الإسلام السياسي التي وصلت مستويات الثقة بهم – لدى الكثيرين – إلى حد متدنٍ. أمَّا من وجهة نظر الكثير من الإسلاميين، فقد أيقنوا أنَّ قطاعات واسعة من المجتمع (بما في ذلك الذين يصفون أنفسهم بالليبراليين) كانوا على استعداد للتضحية بالديمقراطية ليحرموهم من السلطة. إنَّ الرغبة في الانتقام تتصاعد داخل بعض الجماعات الإسلامية، وخصوصًا بين كوادرها الشابة. إنَّ الكثيرين من شباب هذه الجماعات بدأوا يصلون إلى استنتاجٍ خطير بأنَّ قطاعات واسعة من المجتمعات العربية لا تعارض الإسلاميين فقط، بل الإسلام نفسه.

يدفع هذا الرأي العديد من الإسلاميين إلى استخلاص الدروس الخاطئة من الربيع العربي؛ فبعض الإسلاميين المؤثرين الآن يختزلون تاريخ المائة والخمسين عامًا الماضية في مواجهة الإسلاميين مع العلمانيين. كانت الانتفاضات العربية، بالنسبة إليهم، إشارة بفشل الليبراليين والاشتراكيين العرب وببداية عهد الإسلاميين. إنهم يقولون: لقد حكم العلمانيون العالم العربي، بالإضافة إلى تركيا وإيران، منذ أن عرفت المنطقة الحداثة للمرة الأولى في القرن التاسع عشر؛ وقد فشلوا.  ان هؤلاء من الاسلاميون يقولون: إنَّها لإهانةٌ لحُكم الله أن نُنحي الإسلام جانبًا باعتباره أساسًا للشرعية السياسية؛ لنختزله في مجرَّد مُكوِّن من مُكوِّنات النسيج الاجتماعي الغني. من وجهة نظرهم كان الوقت المناسب قد حان للإسلاميين لتولِّي السلطة ووضع الأمور في نصابها. وفي هذا التفكير كان صعودهم إلى السلطة بمثابة بزوغ فجر عصر جديد للإسلام. وحين وجد الإسلاميون أنفسهم مطرودين من السلطة بدلًا من ذلك، نظروا إلى الأمر باعتباره ضربةً للحكم الإسلامي ورفضًا للإسلام. لم يهتم إلا قليلٌ من قادة الإسلاميين بالتفكير في السبب الذي دفع قطاعات واسعة من الجمهور العربي للانقلاب عليهم بهذه السرعة. ركَّز خطابهم على مواجهة الإسلاميين مع المؤسسات القومية القوية التي تحاربهم. في حين غفلوا عن دواعي القلق المشروعة التي رافقت صعود الإسلاميين، مثل الاستقطاب الاجتماعي العميق، وإضعاف الأمن القومي، وعدم الاستعداد لمواجهة التحديات الاقتصادية الحرجة.

وممَّا زاد الشك والقلق، لا سيَّما بعد ما بدا وكأنَّه تطوًّر جادٌ في التفكير الإسلامي قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة، هو أنَّ الإسلاميين لم يُقدِّموا في طريق صعودهم إلى السلطة أيَّة إجابات على بعضٍ من أصعب الأسئلة التي تسبَّب الإسلام السياسي دائمًا في إثارتها. لدى الإسلاميين دائما حلقات مُقدَّسة في التاريخ الإسلامي يرونها أزمانًا مثالية. تُعد العقود الثلاثة الأولى في نظر معظم المسلمين أنقى عهود الُحكم في التاريخ الإسلامي. بينما تذهب أنظار إسلاميين آخرين إلى القرن التاسع («العصر الذهبي للحضارة الإسلامية») حين كانت الخلافة العباسية هي الدولة الأقوى، والأكثر ثراء في العالم، ومركزًا بارزًا للعلوم والفنون. أمَّا الإسلاميون الذين يُبشرون بقبول الإسلاميين «للآخرين» – المسيحيين واليهود بخاصة – فإنَّهم يستشهدون بالحكم الإسلامي في الأندلس مثالًا على قدرة الأنظمة الإسلامية على الحفاظ على مجتمع شامل ومتناغم ووجوب ذلك عليها. ويستأنس الكثير من المفكرين الإسلاميين بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر حين طرح الإصلاحيون الإسلاميون، مثل الأفغاني وعبده، الأفكار التي أدخلت الحداثة إلى أذهان المسلمين دون التضحية «بطبيعة الدولة الإسلامية» و«هوية المجتمع الإسلامية».

تكمُن المشكلة في المنظور الرجعي الذي يتبنَّاه الإسلاميون. وبصرف النظر عن الرومانسية في النظر لهذه العصور – التي لم تكُن فالواقع أمثلة على التناغم الاجتماعي – فإنَّها جميعًا نتاج الظروف الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك التي شكَّلت منطقة الشرق الأوسط اليوم. يُمكن لاستدعاء تلك الحقب التاريخية «المثالية» أن يكون مصدر إلهام، في أحسن الأحوال، ولكنَّه قد يتحوَّل، في أسوأها، إلى تضليل. إنَّ تلك الحقب لا تتناسب على الإطلاق مع الحاضر. ستظل، مع حلقات أخرى من التاريخ الإسلامي، جزءًا لا يتجزَّأ من التراث الإسلامي؛ ستكون دائمًا مراسي مهمة للثقافات في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة؛ ستستمر في إثراء هوية أي شخص يربط نفسه بالإسلام – باعتباره دينًا أو خلفية ثقافية – لكن تلك «الحقب المثالية» لن توجِّه الأنظمة السياسية والاقتصادية في عالم اليوم.

بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الإسلاميين يظهرون الآن ضعفًا فكريًا لا يتفق مع خبرتهم الطويلة الثرية. يحاول كثيرٌ من الإسلاميين استدعاء فكرة الإمام العادل، والمدينة الفاضلة، وأنَّ «الإسلام هو الحل»؛ فتستخدم عدة جماعات إسلامية هذه الشعارات لتعبئة الجمهور، وخاصةً وقت الانتخابات. في أوائل القرن العشرين، استلهم بعض الآباء المؤسسين للإسلام السياسي هذه العبارات من مدارس الفلسفة الإسلامية في القرون الوسطى وحاولوا أن يغرسوا فيها من المعاني التي تتصِّل بالمجتمعات العربية في القرن العشرين. ربَّما أتت هذه المحاولات ثمارها في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي؛ وربَّما كانت مقبولةً في السبعينات حين كان الإسلام السياسي يتعافى من التهميش والاضطهاد في ظل القومية العربية، أو في التسعينات حين كان الإسلام السياسي في طور إعادة تشكيل أفكاره. ولكن بعد تجربة طويلة خاضها الإسلاميون في العقود الثمانية الماضية، وخصوصًا في الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة التي تورَّطوا فيها مؤخرًا، أصبحت هذه الشعارات العاطفية بلا معنى، وأحيانًا محض وهم. إنَّها شعارات للاستهلاك الإعلامي، لكن لا هي ولا الفِكر الذي يدعمها يملكان ما يُمكن تقديمه للمجتمعات التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية خطيرة تحتاج إلى حلول ملموسة وقابلة للتنفيذ. اليوم، يفتقر الإسلاميون، ناهيك عن الجهاديين، إلى الأدوات الفكرية اللازمة للبدء في محاولة أخرى لحل المعضلة الإسلامية العلمانية، أو ربَّما ليس لديهم رغبةٌ في ذلك.

وبالتالي، يبدو أنَّ الإسلام السياسي في العصر الحديث قد أنهى دورةً كاملةً؛ فعاد إلى ما كان عليه في القرن التاسع عشر. بعض الإسلاميين ينظرون إلى الوراء باحثين عن «تعاليم الدين الرشيد» ليحاولوا دمجها مع الحداثة والانفتاح على التغيير، وتفسيرات على درجةٍ عاليةٍ من المرونة لتحديد معنى الإطار المرجعي الإسلامي. البعض الآخر ينظر إلى الماضي في غضب؛ فيرفض الحداثة، وينظر إلى العلمانية باعتبارها تهديدًا بتدمير التراث الإسلامي، ويُصرُّ على عقيدة الإسلام القتالي التي ترفض المضي قدمًا، ويرفض «الآخر».

يخوض العالم العربي اليوم، وهو قلب العالم الإسلامي، تحوُّلًا سياسيًا واجتماعيًا هائلًا، كما كان قبل مائة وخمسين عامًا. الفرق هو أنَّ تحوُّلات اليوم أكثر دمويةً؛ وبالتالي أكثر كثافةً وإيلامًا. يُكِن العلمانيون العرب اليوم احترامًا أقل بكثيرٍ لليبرالية الحقيقية من أسلافهم الفكريين قبل قرنٍ من الزمان. وفي هذا السياق، فمن المفهوم – والمحزن – أنَّ الجهاد المسلح هو تجلِّي الإسلام السياسي الأكثر فعالية في عالمنا اليوم.

ونتيجة لذلك، لا تلوح في الأفق أيَّة محاولة جادة لحل معضلة الإسلام مع الحداثة. إنَّ المشاعر ملتهبة؛ والمجتمعات مُستقطَبة بشدة؛ والشباب العربي والإسلامي الواعد يصابون بخيبة أمل؛ وتتسع الهوة بين قطاعات واسعة من العلمانيين والإسلاميين في المجتمعات العربية والإسلامية بينما ينظرون إلى بعضهم البعض بالكثير من الشك وبعضٍ من الازدراء. سينقضي بعض الوقت حتى تندمل الجراح التي فُتحت في الأعوام الخمسة الماضية. يجب أن نأمُل في أنَّ العلمانيين سيعترفون – أخيرًا – باستحالة إخماد الإسلام كإطارٍ مجتمعيٍ في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة مهما استخدموا من قوةٍ أو قمعٍ. يجب أن نأمل، أيضًا، في أنَّ قادة جدد سيظهرون داخل المعسكر الإسلامي ليحملوا أفكارًا مبتكرةً من شأنها أن تستوعب أخطاء الإسلاميين المتعددة.

وسوم
شارك :