تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

منصف بن سالم: «هكذا خططنا «للانقلاب عسكرياً» على بورقيبة

0
شارك :

تمهيد

أعتقد أنه وبرحيل المنصف بن سالم، القيادي في حركة النهضة ووزير التعليم العالي الأسبق، خسرنا شاهداً وفاعلاً أساسياً فيما عُرف لاحقاً بــ «المجموعة الأمنية» و«انقلاب 8 نوفمبر 1987» الذي كانت تخطط له الحركة الإسلامية التونسية، كسبيل لافتكاك السلطة من الزعيم الهرم. بالرغم من أن العشرات من قادة الحركة الذين شاركوا وخططوا للانقلاب مازالوا على قيد الحياة ومازالوا في المشهد السياسي والحزبي. غير أن بن سالم كان الشاهد الأهم من بين الجميع، لعدة اعتبارات. أولها أنه القائد المدني للمجموعة وعنصر الاتصال الوحيد بين المجموعة المدنية والعسكرية داخل «التنظيم»، وثانياً أنه كان، رفقة الطبيب الصحبي العمري، يقودان المفاوضات مع السلطة من داخل السجن المدني 9 أفريل بعد فشل المشروع، وثالثاً والأهم هو أن الرجل كان الأول والوحيد بين قادة الحركة الذي اعترف بوجود المشروع وبسط بعضاً من تفاصيله في وثيقة تاريخية، كتبها بخط يده في العام 2002، كان قد أرسلها الى أحمد المناعي، رئيس «المعهد التونسي للعلاقات الدولية». وبمقارنة بسيطة بين ما كشفه بن سالم عن المجموعة الأمنية في مذكراته وبين ما قاله في الرسالة نجد تطابقاً شبه كلي باستثناء بعض الأمور الأكثر تفصيلاً في الكتاب، ويبدو كذلك أن بن سالم بدأ تحرير كتابه منذ العام 2002.

وقصة الرسالة كما يرويها المناعي: «سمعت باسم الدكتور منصف بن سالم لأول مرة في شهر جويلية 1991 عندما سلمني مهاجر تونسي مجموعة وثائق تخص المنصف بن سالم وتشتمل على نسخ من تقارير منظمات حقوقية وهيئات وشخصيات علمية ورسائل تطلب من رئيس الجمهورية التونسية إطلاق سراح بن سالم. وطلب مني أن أعمل شيئاً في الموضوع مع المنظمات الحقوقية الأوروبية. لم أعمل شيئاً يذكر إلى حد شهر جوان 2002 عندما جاءتني رسالة من أحد أعضاء لجنة مساندة المنصف بن سالم في الخارج، يطلب مني تحريك الملف. فكتبت رسالة للمعني بالأمر أطلب منه مزيداً من المعلومات عن شخصه وطبيعة نشاطه، خاصة وقد علمت خلال تلك السنوات أنه كان قائد المجموعة الأمنية، ولا يمكن في هذه الحالة تقديمه كعالم وناشط حقوقي مقموع لعلمه ونشاطه الحقوقي. وقد تعهدت له في الرسالة بأني سأنشر له كتيباً عن وضعه إن هو بعث لي بالمادة المطلوبة في الموعد. وتحركت مع ذلك على مستوى اليونسكو. في 26 مارس 2003 وصلتني وثيقة في خمسين صفحة، منها ثلاث صفحات عن المجموعة الأمنية التي قال فيها السيد راشد الغنوشي، «أنها لا تلزمنا» والبقية تخص سيرته الذاتية».

لكن الدكتور بن سالم يشير بوضوح، في مذكراته، إلى أن وثائق المجموعة الأمنية المقدرة بحوالي 500 صفحة قد تم تهريبها إلى الخارج، والمرجح عندي أن تكون في العاصمة البريطانية لندن، كونها كانت لفترة طويلة مقراً للقيادة وهرب إليها كثير من أعضاء التنظيم السري في أعقاب الانكشاف. فعندما وقع الانكشاف الأمني، يشير بن سالم إلى لقاءً جمعه بعضو المجموعة الأمنية، سيد الفرجاني في إحدى ضواحي العاصمة بعد 7 نوفمبر 1987، وأعطاه خلاله تعليمات بالهروب إلى الخارج وتهريب أعضاء المجموعة الذين لم يقع كشفهم والأرشيف الثمين. والأمل مازال قائماً أن تكشف الأيام عن الــ 500 صفحة لسد ثغرة في تاريخ الحركة الإسلامية المليء بالمراحل الغائمة والثقوب السوداء.

أحمد نظيف

 

  • الرسالة

د. منصف بن سالم

بعد صدور حكم محكمة أمن الدولة وبعد الممارسات الوحشية للبوليس وصدور ألاف الأحكام الأخرى من المحاكم الجهوية وكانت كلها مجحفة ولا تستند إلى أي قانون أو أخلاق قضائية علمنا أن بورقيبة استدعى وزيره الصياح، وطلب منه تحضير محاكمة أخرى يتم بموجبها حصد 30 رأسا من كبار الإسلاميين، عندما جاءت فكرة التصدي بالقوة للجنون البورقيبي وزبانيته، فكانت المجموعة الأمنية، التي سميناها مجموعة الإنقاذ الوطني، تفاصيل تكوينها لم يحن الوقت لنشرها بعد.

المجموعة تكونت بسرعة خيالية وهي تضم عددا من العسكريين من شتى الرتب ومن رجال الأمن بكل أصنافهم ومن المدنيين. وضعت المجموعة لنفسها هدفا واحدا هو إزاحة بورقيبة ومن سار في دربه عن الحكم أما وسائلها فهي سلمية إلى أبعد حد ممكن ولذلك تم جلب 5000 مسدس غازي من الخارج قمنا بتجربته على أنفسنا للتأكد من عدم إلحاق الضرر بالمستهدف. دور المسدس هو تحييد المستهدف لمدة نصف ساعة، وسائل الدفاع الأخرى من الأسلحة النارية والدبابات والطائرات العسكرية تكون بيد رجال المجموعة.

وما لم يكن يتم تحييده قبل بدء العملية بساعات محسوبة ومدققة. اخترنا أن تكون العملية أفقية أي تعتمد على العنصر القاعدي أكثر منه على القيادات. كما خططنا لدمج المدد المدني في الساعة الثانية والثالثة من البدء. فقد عرفت العاصمة هيجانا شعبيا لم يسبق له مثيل في المظاهرات، واستطاعت الحركة أن تُخرِج للشارع مسيرات يصل عدد المشاركين فيها عشرات الآلاف رغم البطش البوليسي. اجتمعت قيادة المجموعة يوم 15/ 10/1987 وبعد مسح لإمكانياتنا ومواقعنا قررنا أن يكون يوم 7/11/1987 آخر أيام بورقيبة في الحكم وهو ما تم بالفعل.

في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر علمنا أن بورقيبة استدعى الصياح وطلب منه تحضير أمر بتسميته وزيرا أول عوضا عن بن علي مقابل ذلك أن يقطع 30 رأسا من الإسلاميين وكان رد الصياح أن يؤخر التسمية هذه ليوم الاثنين الموافق ل 9/11/1987. من جهة أخرى علمنا من أوساط مقربة من الصياح أن خلفيته في تأخير التسمية هو تنفيذ خطة القضاء على بن علي والإسلاميين معا. يوم11/7 هو عيد الشجرة ومن المفترض أن يقوم بن علي نيابة عن بورقيبة بالإشراف على هذا العيد في إحدى منتزهات المنار بضاحية العاصمة، يتم اغتياله وإلصاق تهمة الاغتيال بالإسلاميين فتعاد محاكمتهم ويحقق غرض بورقيبة إلا أن ما تم لم يكن كذلك. لئن كان معظم عناصر المجموعة الأمنية من الإسلاميين فهي لم تخل من عناصر لم تكن لها تلك الميولات وإنما اتصفت بالشهامة والثقة وحب الوطن والكراهية لنظام بورقيبة،

كان وقتها كلام الناس ألا يوجد رجل في هذا البلد يزيح بورقيبة ويريح الأمة من هستيريته؟

يوم 5/11/1987 أحد أعضاء المجموعة من الدائرة الثالثة وهو عون من النظام العام كتب ورقة فيها ما له وما عليه من الديون وسلمها لخاله للاحتفاظ بها. هذا الأخير قرأ الورقة فبعثت في عقله شكوك كثيرة. الجو العام يبعث على ذلك. ألح على ابن أخته أن يصارحه بالأمر ووعد بكتمان السر وأقسم على ذلك. العون لم يكن يعلم الكثير فهو في الدائرة الثالثة سوى أنه سيقوم صحبة 3 من رفاقه بتعطيل بعض الآليات في ثكنة النظام العام يوم 7/ 11/1987.

الخال هذا أخلف وعده وسارع بإعلام وزير الداخلية حيث كان يعمل وكيلا أول في الشرطة مكلفا بالتمريض في المصحة. الوزير الأول هو نفسه وزير الداخلية أي بن علي. أمر بإيقاف العون والرفاق الثلاثة يومها. الأعوان الأربعة لا يعلمون كثيرا عما سيجري يوم 7/11/1987. إذن لم تتمكن السلطة من التصدي إلى العملية. فالسلطة تعلم حجم الإسلاميين كما أن المخابرات الغربية وعلى رأسها الأمريكية لم تكن قد علمت شيئا رغم قوتها واختراقها لكل أجهزة الدولة فالأمر جد خطير بالنسبة للنظام العام.

يوم 6/11/1987، انعقد اجتماعان: الأول في وزارة الداخلية برئاسة بن علي، تم فيه جلب جل الوزراء وكنا على علم بذلك والثاني في منزل بباردو برئاستي وضم عددا من قيادات الأجهزة المختلفة التابعة للمجموعة ولم تكن السلطة على علم به.

رجال المجموعة كانوا في المواقع الحساسة في انتظار أوامر البدء أو ساعة الصفر المحددة لكل عمل. عندما بدأ بن علي وجماعته التغيير ليلتها كانت عناصر المجموعة في المقدمة أذكر على سبيل المثال مجموعة الكمندو التي اقتحمت قصر قرطاج كانت بقيادة الصادق غضبان وهو من المجموعة. وسجن معنا فيما بعد، بعد توسيمه وترقيته من قبل بن علي.

طائرة الهليكوبتر بقائديها التي حملت بورقيبة من قرطاج إلى مرناق هي نفسها التي خصصناها نحن لنفس الصنيع. قائد قاعة العمليات بالعوينة المشرفة على أمن تونس الشرقية أين توجد قرطاج ومعظم النقاط الحساسة، كان الرائد محمد المنصوري الذي قتل تحت التعذيب يوم 1/12/1987. الحارسان لبن علي كانا من المجموعة وقد سجنا معنا بعد التوسيم.

  • الإيقاف الأول

بعد التغيير بحوالي أسبوعين أعيد بحث الموقوفين الأربعة ونظراً لجو الانشراح السائد بعد إزاحة بورقيبة فقد وقعت هفوات كثيرة مردها إلى إن الإخوة اطمأنوا للخطاب الجديد الذي جاء فيه أن آخر أيام بورقيبة لا تحتمل ولا تطاق ضنا منهم أن بن علي سيفتح صفحة جديدة وأن انكشاف المجموعة الأمنية ليس فيه أي خطر. فالمفروض أن يجازي بن علي من أعانه على التغيير وكان بإمكانه التصدي له. إذن وقعت هفوات وثغرات مكنت أجهزة أمن الدولة من إلقاء القبض على 157 عنصرا كنت تقريبا آخر من أوقف يوم 26/11/1987 مساء.

في زنزانات أمن الدولة كان التعذيب رهيبا وصل إلى حد القتل والشلل وقطع جلدة الرأس والتهديد باستعمال الزوجات، كنت في زنزانة 16 بالدور الرابع لم تكن فيها دورة مياه ولا يحق لي الذهاب إلى المرحاض إلا مرة في اليوم ولمدة لا تزيد عن دقيقة واحدة مما حدا بي إلى الإحجام عن الأكل حتى لا أصاب بكارثة صحية.

كان الطعام يقدم لنا في علب الطماطم القديمة والصدئة وكان طعامنا لا تأكله الكلاب. كنت أسمع صياح المعذبين ليلا نهارا. وكنت أقول لنفسي أين التغيير؟ أين بيان 7/11؟ أين الوعود؟ أين صدق المسؤولين؟

دام التحقيق حتى بداية كانون الثاني/يناير 1988. تمت بعد ذلك إحالتنا على حاكم التحقيق العسكري. كنت آخر من بقي في الداخلية بمعية العون الذي كشف المجموعة. انقلب أثناء الإيقاف وصار مخبراً للبوليس. علمت فيما بعد أنه تمت ترقيته ثم أرسل إلى إحدى السفارات التونسية بالخارج والله أعلم. المؤكد أنه لم يلتحق بنا في السجن ولم يدرج اسمه في تقرير ختم البحث لدى حاكم التحقيق العسكري. حاولت السلطة في البداية عزلنا عن العالم بقينا حوالي سنة دون وسائل إعلام من تلفزة وجرائد ورسائل. وصل بنا الحال إلى اشتراء جريدة الصباح بمقابل عشرة دنانير أي خمسين مرة ضعف ثمنها من سجين حق عام خلسة من الحراس.

لا يكفي ذلك حاولت السلطة أن تظهرنا للرأي العام على أننا مجموعة مفسدين لا غير. لكن والحمد لله لم تفلح في ذلك فقد نشرت بعض الصحف مقالات تحدثت فيها عن أعضاء المجموعة وتاريخهم بشيء من المصداقية وهو ما جلب لنا الاحترام والتعاطف من الشارع.

قلت مرة في مقابلة مع رئيس القضاء العسكري: سوف لن نحاكم. قال لي ولماذا وكيف؟ قلت له نحن قمنا بعمل ضد بورقيبة مثلنا مثل رئيسك بن علي. فإن كان ولابد أن نحاكم فيجب أن نعيد بورقيبة للسلطة وندمج بن علي وجماعته معنا لنتحاكم جميعا. هذا هو المنطق.

قال لي: أنتم الآن في قارورة مغلقة يمكن أن نفعل بكم ما نشاء دون علم أحد؟

قلت له هذا خطأ. أنت تعلم أن عددا كبيرا من قيادة المجموعة فرت إلى الخارج ومعها كل وثائق المجموعة المقدرة بحوالي 500 صفحة وهؤلاء العناصر ينتظرون نتيجة التحقيق لنشر ما يمكن نشره.

فوجئ مخاطبي بما قلت ولم يجد ما يقول. القول بأننا عصابة مفسدين كما تريد السلطة أن تمرره عبر وسائل الإعلام قوبل بالسخرية من الشارع التونسي وأعاد لأذهان الناس ما كانت عليه تلك الوسائل زمن حكم بورقيبة.

في صائفة 1988 بدأت السلطة بفتح قنوات للتفاوض معنا وقام المرحوم أحمد الكتاري بالدور الرئيسي في هذه المفاوضات. السيد أحمد الكتاري من المقربين جدا لبن علي ويشغل مديرا عاما للسجون. كنت أنا والدكتور ألصحبي العمري من جانب المجموعة في السجن.

طلبت منا السلطة اقتراح حل للمجموعة يحفظ ماء الوجه للسلطة التي تورطت في شتمنا وتشويهنا ظلما وعدوانا. بعد أخذ ورد اتفقنا على حل يرضي الجميع: يقع إطلاق سراح المجموعة على 3 أفواج: الفوج الأول في نوفمبر 1988 والثاني في مارس 1989 والثالث في أفريل نيسان 1989 أكون أنا ضمن الفوج الأخير. قبل خروج كل فوج يتم صرف مرتبات عناصره كاملة منذ توقيف الأجور. يكون السراح مقرونا بقرار وقف التتبع. وقد رفضت كما لازلت أرفض قبول عفو أيا كان شكله. فالعفو منطقيا من الله أو من المظلوم للظالم لا العكس.

كما اتفقنا على تكوين لجنة مناصفة منا ومن وزارة الداخلية والدفاع بعد خروج الجميع من السجن تكون مهمتها إعادة عناصر المجموعة لسالف شغلهم أو منحهم مناصب أخرى موازية لمهنتهم تم بالفعل ما اتفقنا عليه سوى أن أجور المدنيين من عناصر المجموعة لم تصرف وبقيت مجمدة إلى الآن. غادرت السجن يوم 4 /5/1989 وكنت فعلا آخر من يخرج من المجموعة.

وسوم
شارك :