تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مقابلة مع الباحث غفران الحسايني حول «السياسات الدينية للدولة»

شارك :

رامي التلغّ

في أعقاب الاستقلال (1956) توجه الرئيس  الحبيب بورقيبة إلى إجراء تغيرات جذرية على بنية   الفاعلين الدينيين في البلاد وأدوارهم. وفجأة سقطت البنى القديمة. فبعد إقرار مجلة الأحوال الشخصية وتوحيد التعليم وتوحيد القضاء وتأميم الأوقاف، وجدت طبقة الفاعلين الدينيين نفسها بلا أدوار ولا نفوذ. لكن بورقيبة لم يتجه إلى الفصل التام بين الدولة والدين، على الشاكلة التركية ، بل سلك مسلك احتواء الفاعل الديني داخل مؤسسات الدولة وضبط نشاطه ،وفقاً لمشروع الدولة الحديثة الجديد. هذا المثال أنتج ما يسميه  الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن «الدولة المشتبهة» ، وهي «الدولة التي تمارس نوعاً من «تسييس الدين» يتميّز بالجمع بين المقتضيات العلمانيّة للحداثة والمتطلبات الإيمانيّة».

اليوم، وبعد عقود من هذا الخلط، جرت مياه كثيرة تحت الجسور. فقد ظهرت حركات إسلامية، وتحولت طبيعة النظام السياسي من الحزب الواحد إلى التعدد، إلى جانب   ما يجري حولنا في العالم من صعود خطاب الهويات المتناحرة. كل هذه التغيرات لم يقابلها أي تحول في سياسات الدولة الدينية، وبقي الجدل عالقاً بين أنصار المحافظة على الوضع القائم وبين دعاة المضي في عملية الفصل التام وإخراج الدولة، كجهاز، من كل هذا الجدل. لكن يبقى السؤال دائماً : من سيعوضها في إدارة الشأن الديني؟

في هذه المقابلة مع الباحث في الحضارة، غفران الحسايني، نحاول أن نفتح النقاش حول هذه المسألة الغائبة وسط جدل السياسة وغبارها...وغفران الحسايني  شغل سابقاً خطة الناطق الرسمي لديوان الإفتاء ، فضلا عن أنه أصدر مؤلفا سنة 2018 بعنوان «جذور الخوف بين الإسلام والغرب»، وقد تابع دراساته العليا بجامعة منوبة.

 

  • هل يمكن اعتبار طرح مسألة المساواة في الميراث وعيا بتطوّر المجتمع أم مجرد ورقة انتخابية لخدمة هذا الطرف أو ذاك؟

هذا الموضوع خاضع لتقديرات مختلفة من الناحية الفكرية والسياسيّة والمجتمعية، لكنّه لم يعد خافيا على المتابع أنّ قضيّة المرأة في تونس لم تعد مجرّد نضال حقوقي وفكري تحرري، مع تحوّل المرأة إلى خزّان انتخابي حسم عديد المعارك السياسة، خاصّة في انتخابات 2014، وأصبح لها الدور المحوري في توجيه نتائج الانتخابات وتحديد الفائزين. وهذا ما أخرج قضايا المرأة من حيزها الطبيعي كقضيّة حقوقيّة عادلة إلى ملف سياسي يدفع به إلى محور الاهتمام العام عند الحاجة، ومع اقتراب المواعيد الانتخابيّة.

وهذا الوضع أثّر سلبا على قضيّة المرأة بشكل عام، حيث لم تعد تطرح ككل متجانس يغفل عمدا عن ملفات أخرى حارقة تتعلّق بالمرأة، وهو ما تكشفه الأحداث المتتابعة كقضايا المرأة الريفية والعاملات في قطاع الفلاحة، والعاملات في المصانع، والعاملات في البيوت المعرّضات للعنف المادي والمعنوي والاستغلال الاقتصادي وغيره... المرأة في تونس اليوم تسحل في حوادث الطرقات في اتجاه الحقول والمزارع دون أي احترام لكرامتها كإنسان، وفق ما ورد في المواثيق والأعراف الدوليّة وما نصّه الدستور التونسي.

فتطوّر المجتمعات يجب أن يكون منسجما مع متطلبات الواقع وأولوياته، وأرجو ألا تكون قضيّة المساواة في المواريث شجرة تخفي وراءها القضايا الحارقة للمرأة في الأرياف وفي الأوساط المهمّشة اجتماعيا، دون أن تكون ملفّا على طاولة المسؤولين.

 

  • بشكل أكثر عموميّة، هل فعلا التشريعات اليوم في تونس تستجيب لمقتضيات الدولة المدنية؟ وفضلا عن مسألة المواريث، يمكننا أن نتحدث كذلك عن الجدل الذي أحدثة منشور 1981 القاضي بحظر فتح المقاهي في شهر رمضان، فهل يتطابق فعلا مع أحكام الدستور الذي ينص على حرية الضمير؟

أكيد أنّها تستجيب لمقتضيات الدولة المدنيّة، فتونس لا يمكن توصيفها إلا كونها دولة مدنيّة، وهذا ما نصّ عليه الدستور في فصله الثاني، لكن يبقى   اختلاف مفاهيمي واصطلاحي في معنى المدنيّة. ففي حين يوجد إجماع وطني على كونها الفصل بين الدين والدولة، يوجد في المقابل اختلاف حاد في تحديد مدى علاقة الدين بالمجتمع من ناحية السلوك العام والنواميس الدينية التي يعبّر بها المجتمع التونسي عن هويته وانتمائه الديني. ومن هنا لم يعد الاختلاف في تونس حول قضيّة شكل الحكم وعلاقته بالدين، كما كان الجدل قائما في البلاد العربية والإسلاميّة منذ كتاب علي عبد الرازق أوائل القرن العشرين، " الإسلام وأصول الحكم".

فتونس حددت اخيارها بشكل قطعي منذ دستور 1956، وتكرّس ذلك في دستور 2014، وبقيت قضيّة مظاهر التدين في المجتمع وعلاقته بالحريات الفرديّة والتوجهات العامة وعادات المجتمع وتقاليده. وهنا يكمن الإشكال ويتفاقم الاختلاف حول تأويل فصول الدستور، ومن ثمّ توظيف باقي التشريعات واتخاذها سندا لدعم قراءة محددة للمسألة.

وهذا إشكال عميق من الناحية الفكرية والفلسفية حتى قبل أن يكون مشكلا تشريعيا وإجرائيا، إذ يطرح علينا الموضوع السؤال التالي: عندما تتقاطع الحريّة الفردية وحريّة الضمير مع الحريات العامّة والضمير العام للمجتمع، فأيهما مقدّم على الآخر؟

من جانبي،أرى أنّ القضية يقع تهويلها في كل عام وتوظيفها لخلق الصراعات.فالحريات الفردية يجب أن تكون مضمونة للمفطر والصائم على حدّ سواء ، مع واجب احترام الهويّة العامّة للبلاد والشعب. وهذا موضوع أصبح يتخوّف من طرحه كثيرون، لأنّه دخل بدوره حيّز التوظيف السياسي والإيديولوجي، لكن في المقابل يتمّ طرح موضوع ثقافة الشعوب وهويّة الدولة وتقاليدها في كل بلدان العالم، ويقع ضبط هذه الأمور بتشريعات واضحة تعطي لكل فرد حريته وتحفظ في نفس الوقت الهويّة العامّة للبلاد وتحميها من الذوبان زمن العولمة.

 

  • كيف ترون تفاعل حركة النهضة مع هذا المعطى، خاصة وأنها بين مطرقة قواعدها الانتخابية المحافظة وسندان صورتها أمام المجتمع الدولي؟ كيف تفسر تفشي ظاهرة المدارس القرآنية بعد سنة 2011؟ هل هي خطة ممنهجة لأفغنة المجتمع، كما يقول البعض، وهو ما يمثل خطورة على النموذج المجتمعي التونسي؟

حركة النهضة حزب سياسي يجب ألا تتحوّل ولا أن تحوّلها قواعدها إلى دار إفتاء، وهذا هو الذي يحصل في تقديري. فالقواعد المحافظة تنتظر من النهضة في كل مسألة لها علاقة بالدين موقفا، وكأنّها هي الراعية للدين في البلاد والحامية له، وهذا أصبح غير مقبول. وقد استمعت إلى بعض التصريحات في النهضة تعبّر عن هذا الخط، لأنّهم أيقنوا أنّ فيه إبعادا للحزب عن دوره الحقيقي، وله في الوقت نفسه تبعات سياسيّة وفاتورة ثقيلة في تحميل الحزب مسؤوليّة أكبر منه، سياسيا، في الداخل والخارج.

ثمّ إن الدين أكبر من الأحزاب وأدوم حتى من الدول والإمبراطوريات، ولا يمكن أن ندفع أي جهة إلى احتكار التكلّم باسم الدين أو أن نسمح بذلك. فالأحزاب لها دورها السياسي والثقافي والاجتماعي الذي يجب أن تمارسه بحريّة التفكير وإبداء المواقف، بعيدا عن جبّة الشيخ أو عمامة المفتي التي تقيدها الضوابط الشرعية وثنائية "يجوز ولا يجوز". أمّا الفعل السياسي المدني والمعاصرفهو يعبّر عن توجهات فكرية وثقافية واقتصادية واجتماعية لمجموعة من الأفراد التي انضوت تحت مشروع حزب وتريد أن تساهم في الشأن العام، بما في ذلك المسألة الدينية، وفق مقاربة ثقافية مجتمعيّة وليس وفق مقاربة شرعية، وهذا هو الفرق.

أما تفشي ظاهرة المدارس القرآنيّة بعد سنة 2011 فهو لا يبتعد ،من حيث الوضع الاجتماعي،عن تفشي كثير من المظاهر الأخرى، وكان في ذلك تفريغ  لشحنات من الفقد الروحي الذي عاشه المجتمع قبل الثورة من جهة، وهو أيضا محاولة من البعض الركوب على هذه الظاهرة وحمل أجندة سياسيّة أو إيديولوجيّة جعلت من المدارس القرآنية مطيّة لتمرير أفكار غريبة عن المجتمع وناشئة في سياقات ثقافيّة أخرى ، أفغانيّة أو وهابيّة ،وهو ما يوجب تدخّل الدولة للتنظيم والمراقبة ووضع الضوابط . فالتونسيون لا يختلفون في مبدأ تعليم القرآن الكريم للصغار والكبار، لكنّ هذا   يجب ألا يكون مظّلّة تغطيّ مشاريع أخرى قد تمثّل خطرا على المجتمع من الناحية الثقافيّة.

 

  • حسب رأيك، ما هي الخطة الأنجع للتعامل مع هذه الظاهرة، إذ هناك من يرى بضرورة المعالجة الأمنية وثمة من يرى أن المعالجة الأمنية ستكون لها نتائج عكسية؟

الظواهر المجتمعية والثقافية لا يمكن معالجتها فقط أمنيا، بل كذلك على المدى المتوسّط والبعيد. لذلك أنا مع وضع منهج للتعليم الديني في المدارس القرآنيّة تضعه وزارة الشؤون الدينية ووزارة التربيّة ويشارك فيه جامعيون مختصّون لحماية تحفيظ القرآن الكريم من أي توظيف. فالدول لها الحق في توجيه ذلك وفق ما تراه صالحا لمستقبل البلاد وللمجتمع ، كما أن الدين ، والقرآن بشكل محدد،  يمثّل شحنة قيمية وأخلاقيّة ومجتمعيّة ومواطنيّة يجب حسن توجيهها لخلق مواطنين يقدّسون العمل ويؤمنون بالقيم والبذل، ويحترمون العلاقات الاجتماعيّة، ويؤمنون بالأسرة. وهذا كفيل بتقليص نسب الجريمة والتكاسل والعنف والتفكك الأسري في المجتمع، وهذا هو الرصيد الذي تحتاجه تونس مستقبلا.

 

  • هل للدولة التونسية سياسة واضحة لتأطير الشأن الديني أم حضورها فقط شكلي في المناسبات الدينية؟

في الحقيقة لا توجد سياسة واضحة للدولة، توجد فقط توجهات ومبادرات لمسؤولين، مع تعطّل مؤسسات دينية رسمية كالمجلس الإسلامي الأعلى، واقتصار دور ديوان الإفتاء على الإعلام عن دخول الأشهر القمرية وتحديد الأعياد والصوم ، أما عن سياسة واضحة المعالم على الأقل فلم أر  أي وثيقة في ذلك تتبناها الدولة.هذا مع تثميني لمبادرات وزارة الشؤون الدينية في توعية الأئمّة بمبادئ حقوق الإنسان واحترام الحريات والدولة المدنية ،إلا أنّ هذا غير كاف في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للإطارات المسجدية التي يعيش أغلبها حالة خصاصة مادية، وهذا جانب آخر من المشاكل القائمة.

 

  • هذا الموضوع يقودنا للتطرق إلى استغلال منابر الجوامع لأهداف سياسية، هل هناك فعلا تقدّم في مسألة تحييد الجوامع أم أن الإرادة السياسية غائبة في هذا الصدد؟

نعم، ما ألاحظه هو وجود تقدّم، وقد ظهر ذلك في الانتخابات البلدية حين تدخلت الوزارة لدعوة المترشحين من الأئمّة إلى تقديم استقالاتهم من الخطابة، ودعت الجميع إلى تحييد المساجد عن التوظيف الحزبي، وقامت بعزل من ارتكب فعل الدعاية، وهذا أمر جعل غالبية مساجد البلاد بعيدة كل البعد عن أي توظيف حزبي. وأعتقد أن هذا سيتدعّم مع إعلان ميثاق شرف الإمام ،والذي يضبط مهامه ويحدد أخلاقيات عمله. وهذه الأمور يجب أن تلقى الاستحسان وطنيا لأنها أمور إيجابية.


 

الكلمات المفاتيح:
شارك :