تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

نحو فكّ «أسرار» مالية الإخوان: الشبكة الأخطبوطية نحو أسلمة ناعمة

0
شارك :

أشرنا في مقالنا السابق إلى أنّ للإخوان أذرعا مالية متشابكة ومعقدة، كما نبّهنا إلى طبيعة الانتشار في سياستهم المالية. ويجوز لنا الحديث في هذا المقال عن الصرح الاقتصادي العملاق الذي يمتلكه الإخوان، والذي كان بمثابة المظلّة التي تقيهم من الهزّات السياسية التي وقعوا فيها. بل يمكن القول اليوم إنّ ما يمروّن به من صدامات لم تكن سوى بمثابة المحن العابرة؛ والفضل في ذلك راجع إلى هذا " المعبد الاقتصادي" الذي بدأوا في بنائه منذ ما يزيد عن نصف قرن. وعلى هذا الأساس فإنّ الإطاحة بالإخوان ليست بالعملية المتيسّرة اليوم إن لم نقل بالمستحيلة. والسبب في نظرنا يعود إلى مقاربتهم في المالية الإخوانية وهي مالية تغري، لأنّها تقدّم حلولا في كيفية الربح بالطرق الملتوية ولا تخضع لمراقبة اقتصادية، وفي هذا السياق نذكر المصارف المالية وأسندوا إليها صفة الإسلامية، وشركات الأوف شور وما تنبني عليه من مراوغات وطرق يصعب تتبعها في غسيل الأموال.

وإن بلغ الإخوان هذا المستوى من الرفاه المالي فلأنّهم بنوا مشروعهم بطريقة محكمة: طريقة تقوم على ما يمكن تسميته " بالعقيدة الإخوانية في التصرّف المالي" وعلى "سياستهم في التصرّف المالي".

العقيدة المالية الإخوانية:

ونلخّصها في عبارة الصحوة الإسلاموية، فقد قامت الفكرة الأولى في نشأة البنوك الإسلامية على مفهوم التقوى ووجوب الرجوع إلى النصّ الفقهي في المعاملات المالية. وتجمع الدراسات في تاريخ المالية الإسلامية على أنّ أوّل من بعث بنكا إسلاميا هو أحمد النجّار سنة 1963، وذلك بميت غمر "في إقليم الدقهلية في مصر وعرف ببنك الادخار، حيث كان بمثابة صندوق ادخار لصغار الفلاحين". وكانت مقاربة النجار ومن عاصره تتمثّل في وجوب التعامل مع الأموال من منظور إسلامي بحت، ومنبّها إلى مخاطر " البنوك الربوية" على حدّ تعبيره على العمل الصالح، سيما وأنّ الربا رجس. لكن، المعروف عن أحمد النجار انتماءه الإخواني، ويفيدنا كمال النجّار في سياق مقاله عن البنوك الإسلامية بمعلومات هامّة في هذا السياق، منها أنّ أحمد النجّار كلّف جمال البنّا، شقيق حسن البنّا بكتابة مقدّمة منشورات البنك؛ وجاء في المقدمة أن الهدف من إنشاء البنك الإسلامي هو الحفاظ على الهوية الإسلامية التي بدأت تضمحل في مجتمعاتنا. ثمّ يضيف "وقد أسهم الكثيرون من الإخوان المسلمين في ذلك البنك. وبنهاية عام 1967 أصبح واضحاً للجميع أن جماعة الإخوان المسلمين قد استولوا على ذلك البنك مما جعل جمال عبد الناصر يأمر بإغلاقه. هرب أحمد النجار إلى السودان في حماية الإخوان المسلمين هناك، وعندما استولى الجنرال جعفر نميري على الحكم في الخرطوم هرب أحمد النجار إلى ألمانيا، ثم الكويت والإمارات وماليزيا، ليبشر بالبنوك الإسلامية".

استنادا إلى هذه المواقف، وغيرها كثير في الحقيقة، نفهم أنّ الفكرة الأولى ولدت من رحم الفكر الإخواني، وأنّهم كانوا الأصل في بعث بنوك صفتها " الإيمان الصادق، والدعوة إلى التوبة عن طريق الرجوع إلى العمل الصالح والابتعاد عن مغريات الحياة الدنيا التي تؤول بالمسلم إلى البدعة والغواية". ومنذ الستينات وفّق الإخوان في بناء أرضية إسلاموية صلبة عليها سيكتمل الصرح الإخوانيّ. فكانت قصّة المالية الإسلامية، وعاشت نجاحا كبيرا سواء في الخليج أو في أوربا، وتوسّع هذا العملاق واستقام صرحا، ومنه ولدت بنوك كثيرة تحرص على أن تلقّب بالإسلامية، ولكنّها في الحقيقة " إسلاموية".

ترجم هذا الحرص على أن تتلازم التقوى مع صفة العمل المالي، فصرنا نجد بنوكا تسمّى: ببنك التقوى أو البركة، أو بنك الزيتونة أو التكافل، بل بعثت في عصرنا الحاضر بيوت المال.

وحتى تكتمل الصورة، كان من المفروض أن يكون لكلّ بنك إسلامي دماغ إخواني يفكّر، ويختزل في لجان شرعية أغلبهم من رجال الأزهر والإخوان المسلمين وتتحدّد مسؤوليتها في تمرير الصفقات التي لا تتعارض مع الشريعة. فكان أن ازدهرت سوق الفتاوى في محاورتها مع القوانين الضابطة للبنوك التقليدية، ونفقت سوق الإنتاج الفقهي، لتُستنبط أحكام في فقه المعاملات، لو قارنتها بما كتب الماوردي أو القاسم بن سلاّم في الأموال لما وجدت لها أثرا ولا حتى في كتب الفقه الأربعة. وإنّما هي فتاوى عبارة عن تمارين رياضية ذهنية صفتها السفسطة وهمّها الوحيد إقناع المسلم العادي بأنّها رابط النجاة الذي يقرّبه من الله؛ وجميع ذلك في سبيل انتشار " تجارة لا تبور" غايتها الأصلية أن تدرّ بالنفع للإخوان ومن حالفهم. وذاك هو " التمكين الاقتصادي". ويمكن أن نقول إنّه استفحل فينا وتمكّن واستقرّ، ومهما ذكرنا من محاولات في إقصاء الإخوان اليوم فإنّها ظلّت محاولات ظرفية لا غير، بما أنّ صرح الاخطبوط قائم لا يزعزعه ظرف أو سحاب. ولا نجاة لأية منطقة في ذلك بما فيها أوربا أو أمريكا. ونتيجة لهذه الملحوظة نقول إنّ الإخوان قد بلغوا " أستاذية العالم اقتصاديا"، ولن تقدر قوّة أن تهزمهم.

يمكن أن نستشهد ببنك دبي للاستدلال على أنّ هذه البنوك المسمّاة بالإسلامية يسيّرها الفكر الإخواني لا غير: فقد كان من أعضائه المؤسسين أحمد بزيع الياسين : وهو أمين سر الجماعة" بالكويت، ورجل أعمال أسس بيت التمويل الكويتي، وترأس العديد من الهيئات الشرعية في مختلف البنوك والمؤسسات الإسلامية داخل الكويت وخارجها ويعدّ " رأسمال الجماعة" .وفي وقتنا الحاضر نفاجأ بتعيين علي محي الدين القرا داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورجل القرضاوي كما يحلو له أن ينعت، مشرفا على صندوق الزكاة بهذا البنك.

لكن، كيف أمكنهم بلوغ هدفهم؟

وببساطة نجيب: عن طريق المنهج الذي التزموا به، ثمّ ألزموا الناس به، ويتمثّل في المسالة الثانية وهي:

"سياسة الإخوان في التصرّف المالي"

هي سياسة تتمظهر في نقاط كثيرة، ونكتفي بذكر بعض منها:

الحرص على أن تبعث هذه المصارف والبنوك خارج الأراضي العربية، وقد سبق أن ذكرنا نماذج من تلك البنوك، مثل اختيار جزر البهاما أو قبرص أو نيجيريا أو البرازيل والأرجنتين وباراجواي...

أن تبعث هذه المصارف وسط "محاضن"، وتنشط هذه المحاضن في تناغم تامّ مع القانون التأسيسي لهذه المصارف. وهذه المحاضن هي عبارة عن جمعيات خيرية وثقافية أو مراكز بحوث، وهي مكلّفة بمهمّة محدّدة وتتمثّل في استقطاب المسلمين المهاجرين في أوروبا وأمريكا؛ وفي هذا السياق لا نقدر سوى على الاعتراف بأنّ الإخوان وفّقوا فيما رسموه من منهج للوصول إلى هدفهم القائم على الدعوة والاستقطاب بآلية المال. وليس أدلّ على ذلك من انجازاتهم في أوربا. فقد وفّقوا في استقطاب المهاجرين المسلمين لإدخالهم الملّة الإخوانية، ودون وعي منهم في أحيان كثيرة، وذلك عن طريق تأسيس مجالس: مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تأسس سنة 98، أو المنتدى الأوروبي للمرأة المسلمة، أو عبر منتدى الشباب المسلم الأوربي ويضم في عضويته اتحادات الشباب الموجودة في مختلف دول أوروبا، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، والرابطة الإسلامية في بريطانيا، أو اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية بإيطاليا.

ويمكن القول إنّ سويسرة كانت البلد المختار عند الإخوان لتركيز أنشطتها ذات الطابع السياسي الاجتماعي وبغطاء ديني، وجميع ذلك في سبيل نشر الدعوة الإخوانية. فزوريخ لوحدها تضمّ رابطة المنظمات الإسلامية، تأسست عام 1996، ومؤسسة الجماعة الإسلامية"، تأسست عام 1994. وفي مدينة لوزان تأسّس "مركز الثقافة الاجتماعية للمسلمين"، وتأسس عام 2002م. وفي مدينة جنيف انتصبت " الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية"...

ولسائل أن يسأل: ماهي وظيفة هذه المؤسسات التي بعثت على تخوم البنوك والمصارف الإخوانية؟

إن الهدف الأساسي لهذه المراكز يتلخّص فيما يلي: الترويج الثقافي والاجتماعي والديني، وتجهيز المسلمين بالمعرفة اللازمة والأدوات لمواجهة المشاكل اليومية، والتنسيق بين المنظمات الإسلامية. كما تهدف إلى مساعدة المحتاجين من المرضى والأيتام وضحايا الكوارث والمجاعات، حسب رؤيتهم التعريفية لها، وهذه المؤسسة لها فروع في عدد من الدول العربية. وجميع هذه المؤسسات تعمل " وفق الرؤية الإخوانية التي وضعها التنظيم الدولي إلى الدفاع عن الحقوق النقابية والمهنية."

والملاحظ أنّ هذه المؤسسات تموّلها بنوك الإخوان عن طريق الاشتراكات والتبرعات والهبات؛ وعلى وجه الخصوص من الجمعيات التي أسست لجمع التبرعات ضدّ الكوارث

وضع الإخوان استراتيجية عملية، نفّذها الأئمة والناطقون باسم تلك الجمعيات، فأحكموا بها قبضتهم على الجاليات المسلمة من خلال السيطرة على المساجد والمراكز الإسلامية، وأمكنهم عن طريق الشبكة العنكبوتية التي نسجوها أن يستأثروا بالدورات التدريبية لأطفال الجاليات المسلمة، خاصّة أنهم كانوا يحرصون على تقديم أنفسهم لوسائل الإعلام والسياسيين السويسريين باعتبارهم رسل الإسلام المعتدل، وأعداء التطرف والإرهاب الإسلاميين.

وهكذا تحوّلت أوربا وأمريكا أيضا إلى رهينة في السياسة الاستراتيجية الإخوانية عن طريق استقطاب المهاجرين المسلمين، لتحويلهم إلى أداة تبني أستاذيتهم التي ستمكّنهم من العالم. وتلك هي الأسلمة الناعمة التي تتخذ الاقتصاد بابا لاستعباد العقول والعقائد. ونشير في نفس الوقت إلى أنّ هذا المخطّط ليس بمنعزل عن مخطّطهم داخل الأراضي العربية. لأنّهم اعتبروا نجاح أسلمة الاقتصاد الناعم بأوروبا بابا مفتوحا على مصراعيه لاستقطابٍ سَلِسٍ بالبلدان العربية، بل قد يكون مطلبا سياسيا ملحّا من طرف الحكومات العربية نفسها.

لذلك استقامت رؤيتهم في أن يستثمروا خارج بلدانهم، وأن يكتفوا بسيولة مالية داخل بلدانهم لتغطية مصاريفهم العقارية أو رواتب العمّال.

أطنبنا الحديث عن الأسلمة الناعمة في مقاربة التنظيم الدولي للاقتصاد، وذلك حتى نبيّن أنّ الأرضية المالية التي أسسها الإخوان تجمع بين كلّ الشُعَبِ الإخوانية، ولا فرق في ذلك بين إخوان مصر أو السودان، وبين إخوان الخليج أو سوريا أو الكويت، وبين إخوان تونس أو الجزائر أو المغرب أو موريتانيا... فالدماغ المدبّر واحد، والرأس واحد، وعلى جميعهم الالتزام والائتمار لصالح التنظيم، خاصّة بعد أن تبيّن نجاح التجربة في أرض تونس التي قد تتحوّل إلى مثال يهتدي به بقية الإخوان مهما اختلفت بهم الدار.

لذلك كان لزاما أن تنفرد تونس باستراتيجية مخصوصة، لأنّها تخرج عن بقية الدول العربية في تركيبة مؤسساتها، ولعمري هي تركيبة تقتضي من إخوان تونس مجهودا إضافيا حتى يلحقوا المؤسسات التونسية بغيرها. فكان لزاما أن يعملوا على إدخال تغييرات في بنيتها لتستجيب أكثر لمقومات المشروع الإخواني الناعم اقتصاديا.

فليس بالخفيّ أنّ بنية المؤسسات التونسية هي قريبة من البنية المؤسساتية الحديثة، وتحاكي المؤسسات العلمانية. وإعادة إدراج بنى من دولة الخلافة أمر ضروريّ حتى يستقيم حال الإخوان بتونس للانطلاق في مشروعهم الاجتماعي: وهنا نصل إلى مسألة الأحباس والنظر في كيفية بعثها من جديد، وقانون المساجد وكيفية النظر في تمريره، وصندوق الزكاة ووجوب إدراجه باعتباره حلاّ حيويا لمشاكلنا الاقتصادية، ومن دونه يكون مآل الاقتصاد التونسي الضياع.

ترون إذن أنّ محاولات النهضة في تحويل وجهة الحديث عن الأزمات الاقتصادية بتونس نحو الجدل في بعث جديد لمؤسسات مالية إنّما هو لغاية الالتحاق بركب المالية الإخوانية حتى تتهيّأ مثل " العروس" لقبول أعمال الإخوان في المال، وتصير طيّعة لما سيطرأ عليها من تحوّلات سياسية واجتماعية.

وذاك هو مشغلنا في المقال القادم.

وسوم
شارك :