تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

نحو فكّ «أسرار» مالية الإخوان: الصرح المالي للجماعة؟

0
شارك :

نائلة السليني

ستظلّ ثروات جماعة الاخوان المسلمين نقطة استفهام تشغل الخبراء والعامّة على حدّ سواء. وإن كان هناك إجماع على أنّ الجماعة وفّقوا في إنشاء امبراطورية مالية واقتصادية قبل الشروع فعليا في إنشاء امبراطورية الخلافة الإخوانية.

سبق أن بينّا في سابق ما كتبنا أنّ لهذه الإمبراطورية الاقتصادية يد طولى في السيطرة على اقتصاد كثير من الدول الإسلامية ، إلى يومنا هذا. لكن تظلّ مثل هذه الملاحظات عامّة إذا لم تستند إلى حجج وقرائن.

لعلّ أهمّ ما بلغنا من تقارير في هذا الموضوع هو ما كتبه فرح دوجلاس في مقاله المشهور 'اكتشاف جزء صغير من إمبراطورية شركات الأوفشور لجماعة الإخوان المسلمين الدولية'، نشره الواشنطن بوست ؛ ونشير إلى أنّ فرح دوجلاس، عمل في السابق مديرا لمكتب صحيفة 'واشنطن بوست' في غرب إفريقيا.

يكشف التقرير استنادا إلى مسؤول أمريكي أنّ ثروة الجماعة تقدر ما بين 5-10 مليارات دولار مع ذكر لأسماء أعضاء في الجماعة يملكون ثروات ضخمة والعشرات من الشركات سواء الحقيقية أو الاوفشور OFF SHORE.

أكّد دوقلاس أن ما يظهر من ثروات الجماعة  سواء في مصر أو في باقي دول العالم، لا يزيد على كونه الجزء الظاهر من 'جبل الثلج يختفي معظمه تحت الماء" على حدّ تعبيره . وقد يرجع سبب هذا الإحباط إلى أسباب عديدة، يذكر منها:

  • أن الاخوان نجحوا مع بدايات ظهور البنوك الاسلامية التي ظهرت فى الثمانينيات في بناء هيكل متين من شركات الأوفشور، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قدرتها على إخفاء ونقل الأموال حول العالم.
  • أنّها شركات تأسست في غير البلدان التي ينشط فيها الإخوان ، وتتصف بالسريّة التي أحاطتها بغموض كبير، وهو ما " يجعلها بعيدة عن الرقابة، وهو ما جعلها تنجح حتى الآن في لفت أنظار أجهزة المخابرات والمنظمات القانونية التي تطارد هياكل تمويل الإرهاب، في كل أنحاء العالم."
  • أنّ الدافع للجوء الإخوان المسلمين لشركات الأوفشور "هي الحاجة لبناء شبكة في الخفاء بعيداً عن أنظار الذين لا يتفقون معها في الأهداف الرئيسية، وعلى رأسها السعي لتأسيس الخلافة الإسلامية". وأنّ لتحقيق هذه الغاية -حسبما يقول دوجلاس- اعتمدت استراتيجية الجماعة في قيامها على السرية والخداع والخفاء والعنف والانتهازية.
  • وتعود قيادة تمويل الإخوان المسلمين، حسب هذا التقرير إلى إبراهيم كامل مؤسس بنك دار المال الإسلامي «دي إم إي»، وشركات الأوفشور التابعة له في ناسو بجزر البهاما.
  • وإن كان من العسير تحديد القيمة الدقيقة لثروة الإخوان فإنّ التقرير يميل إلى اعتبار أن مجموع أصول الجماعة دولياً يتراوح ما بين 5 و10 مليارات دولار . والسبب يعود إلى أن بعض الرؤوس مثل يوسف ندا ، يملك ثروات ضخمة من شركات، سواء كانت حقيقية أو أوف شور ونفس الأمر بالنسبة لـ«غالب همت»، وغيرهم من الإخوان المسلمين في مصر والأردن واليمن ودول أخرى.
  • ينبّه التقرير إلى أنّه من الصعب إن لم نقل من المستحيل التمييز بين الثروات الشخصية من ناحية، وبين ثروة الإخوان المسلمين العامّة من ناحية أخرى.
  • الواضح أنّ جزءا هامّا من عيون تمويل الإخوان والمختزل في بنوك الأوفشور خضعت لتحقيقات وشكوك بعد أحداث 11 سبتمبر: ونذكر على سبيل المثال البنوك التي في جزر البهاما، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن بنكي التقوى وأكيدا الدولي " متورطان في تمويل عدد من الجماعات الأصولية من بينها حركة حماس وجبهة الخلاص الإسلامية والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر وجماعة النهضة التونسية بالإضافة إلى تنظيم القاعدة".
  • تؤكّد الوثائق التي اعتمد عليها دوجلاس في تقريره، أن الشبكة المالية للإخوان المسلمين تحرص على أن تكون منتشرة في جلّ دول العالم، فهي مرتكزة في : بنما وليبيريا، جزر فيرجن البريطانية وجزر كايمان، وسويسرا وقبرص ونيجيريا والبرازيل والأرجنتين وباراجواي. مثلما تحرص على أن تكون مسجّلة بأسماء قياديين من التنظيم ، مثل ندا ونصر الدين والقرضاوي ..

نعتقد أنّ هذه الملاحظات كافية لتهدينا إلى مشروع إجابة عن تمويلات الجماعة، ولا فرق في رأينا إن كانوا جماعة من تونس أو مصر، أو جماعة من المغرب أو الأردن، ولا فرق أيضا بين جماعة من السودان أو الإمارات أو البحرين أو السعودية... رغم يقظة هذه الدول وقدرتها على مصادرتهم.

ونعترف مرّة أخرى أنّ المعلومات التي تتوفّر لدينا عن الإخوان بمصر هي أوفر من تلك التي نبحث عنها عن جماعة تونس أو المغرب. وقد يعود ذلك إلى قدرة الإعلام المصري وقدم تجربته مع الجماعة على اختراقهم، وخاصّة مساعدة الخارجين عنهم في كشف أسرارهم. وهو ما نفتقده في بلدان أخرى، فحتى الخارج عنهم في تونس أو المغرب يظلّ حبيس القيود والضوابط النفسية التي دَرّبوه عليها وألزموه بالقسم على التكتّم عليها. ولعلّ أقصى درجة يبلغها الخارج هو إعلان خروجه عنهم، ولكن دون أن يفشي سرّا.

 ماهي المعلومات التي نمتلكها، نحن التونسيين، فيما يخصّ تمويل الجماعة بتونس؟

تتوفّر لنا معلومات يمكن وصفها بالمنشورة على الطريق، وهي:

  • الثراء الفاحش الذي نقرأه في زعيم النهضة وقيادييها. وهذا ليس بالخفيّ، وإنّما من أبجديات ظهورهم( سيّارات من آخر طراز، وطائرة خاصّة بزعيمهم ، ومقرّ لحركتهم من أفخم البنايات، اختيار أفخم النزل لاجتماعاتهم، وثراء فجئي لكثير من القياديين..)
  • مصادر تمويل ناتجة عن امتلاك جماعة الإخوان الحكم بتونس منذ 2011: وفي هذه المسألة يكفي أن نقف عند قضية العفو التشريعي العامّ وما يليها من استتباعات مالية كالتعويضات. فقد أصدر حمادي الجبالي أمرا لتقنين أحكام للانتداب الاستثنائي، وهو الأمر عدد 833 لسنة 2012 المؤرخ في 20 جويلية 2012 المتعلق بضبط كيفية تطبيق أحكام القانون عدد 4 لسنة 2012 المؤرخ في 22 جوان 2012 المتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي

ولم تمض فترة حتى أصدرت حكومة علي العريض أمرا بالتعويض المالي للمنتفعين بالعفو العام وهو الأمر عدد 2799 لسنة 2013 مؤرخ في 9 جويلية 2013.  ونشير في هذه المسألة بالذات إلى انفراد إخوان تونس بهذا المصدر من التمويل، لما توفّر لهم من الوقت الكافي للحكم وامتلاك دواليب الدولة. ولعمري، فإنّ هذا المصدر يعتبر مرجعا هامّا في تمويل شريان الإخوان لأنّ الدولة هي التي تتكفّل بشريحة هامّة من المنتمين إلى الحركة، والعاجزين عن تمويل صندوق الجماعة. ولا يفوتنا التنبيه في هذا السياق إلى العجز المالي الذي أنهك الصناديق الاجتماعية إثر القوانين التي أصدرتها حكومة الإخوان في التعويضات، وانعكاسها على مستوى المعيشة بالنسبة إلى الفرد التونسي إلى يومنا هذا.

  • "استغلال الإدارة العمومية في أنشطة الحركة": عبارة استعملتها دائرة المحاسبات في تقريرها الرقابي عدد 31 لسنة 2018 للانتخابات البلدية. وفي هذه النقطة نشير إلى الحلول التي اتخذتها الجماعة لمواجهة حملاتها الانتخابية، دون الالتجاء إلى النفقة من مال الجماعة. فكان المال العام كفيلا بتغطية الحملة الانتخابية، وتجاوزت بذلك جميع القوانين المانعة من استغلال موارد الدولة في الحملات الانتخابية. وقد لاحظت منظمة " أنا يقظ"، على سبيل المثال أنّ قائمة الإخوان بتونس1 تجاوزت في الانتخابات التشريعيّة 2019 السقف الانتخابي بنسبة 40 بالمائة، بعد أن أنفقت 117 ألف دينار و297 مليما". هذا نموذج من قائمة واحدة، ويكفي أن نستحضر في أذهاننا ما يمكن أن تكون قد تجاوزتها بقية قائمات الجماعة في كامل البلاد التونسية حتى نفهم حجم المخزون المالي الذي تمتلكه النهضة.

وفي جميع ما نذكر يؤكّد أنّ التمويلات في الانتخابات هي العملية المصرفية الصريحة التي تنطق بمستوى البذخ الذي يعيشه الإخوان، لأنّ التمويل في الانتخابات يعتبر مسألة هامّة لضمان بقائهم في المشهد السياسي، ولم لا اقتناص الحكم كما هو الحال في تونس. وأشار الإخوان بمصر صراحة إلى أنّهم حدّدوا لكلّ "كرسي" في البرلمان ميزانية مصروفات في حدود خمسة ملايين جنيه، وتباهى المرشد العام مهدي عاكف في 2004 عقب توليه منصبه بقدرته على جمع 15 مليون جنيه بالتليفون خلال ساعات. والمعروف أنّ حملة مرسي في انتخابات الرئاسة تكلفت 650 مليون جنيه، فقد قال الشاطر مخاطبا مرسي: "أنت كلفتنا 650 مليون جنيها لنأتي بك إلى هذا الكرسي" إشارة من الشاطر لمرسي بعدم مخالفة أوامر الجماعة.

أمّا المعلومات الكامنة، أو السريّة التي تغذّي تمويل الجماعة بتونس فتلك التي نقرأها في القوانين الضابطة للشركات المالية التي بنت امبراطورية الإخوان.

وتلك مسألة دقيقة نبيّنها في مقالنا القادم.

وسوم
شارك :