تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

نحو فكّ «أسرار» مالية الإخوان: «رصد للواقع»

0
شارك :

نائلة السليني

بعض من النقاط يجب الوقوف عندها، حتى نستطيع فكّ أسرار "مالية التنظيم الإخواني"، وذلك لاقتناعنا أنّ فكّ لغز قوّة هذا التنظيم إنّما مصدره أساسا المحرّك الاقتصادي الذي يسند مبادئهم. لا ننكر أنّ الدراسات كثيرة، ولا سيما منها المصرية التي تمكّنت من تجاوز عقدة الإخوان، وحطّمت هذا التمثال الهلامي الذي يختفون وراءه، ولا ننكر أنّ المنشقّين عن المعبد كان لهم دور في تجلية هذا الغموض. ولعمري، فإنّ هذه الجرأة لم تبلغها بعد الدراسات عن الإخوان في بقية الدول عربية كانت أو غربية.

سؤال بسيط ننطلق منه: ما هي مصادر التمويل الإخواني؟

وبما أنّ الأجوبة عنه متنوّعة في مسألة التجربة المصرية، سنعتمد هذا النموذج باعتباره القاعدة التي بني عليها هذا المعبد، والقاعدة التي فرضت هذا التصوّر لهذا التنظيم.

أدركنا ونحن في خضمّ بحثنا أنّ هذا السؤال مقترن عضويا بغيره من التساؤلات: لأنّ قضية التمويل الإخواني معقّدة حتى بالنسبة إلى الأنظمة الحاكمة، فأنشطة الجماعة كثيرة، ومشاريعهم متعدّدة، يكاد الإنسان يصطدم بهم في جلّ المجالات، بل تبعث فينا الحيرة عندما نشاهد ذلك البذخ في حملاتهم الانتخابية، ومع ذلك ظلّ جانب التمويل محفوفا بالسرية المطلقة. سريّة توحي بأنّ السعي لفكّ هذا اللغز قد يؤول إلى ما يشبه المحظورات. ولذلك ليس بالغريب أن يتناقل الناس فيما بينهم هذا السؤال: من أين تأتي الجماعة بكل هذه الأموال؟ ومن أين ينفقون على حملاتهم الانتخابية؟ ولماذا كل هذا الحرص على التكتّم؟ والنأي عن الجواب. فهل لذلك صلة بحجم فساد مالي يغذّي التنظيم في حراكه؟

إن ألقينا هذه الأسئلة فلأنّنا لاحظنا تشابها كاملا بين ما حدث بمصر وما نعيشه بتونس، خاصّة في الحملات الانتخابية ، أو في اختيار قاعات اجتماعاتهم بأفخم النزل، بل صرنا على يقين بأنّ نزلا معيّنة صارت مختصّة في تنظيم اجتماعات الإخوان، وفي تغطية أنشطتهم سيما من الناحية الأمنية، وهي أنشطة مكلفة لا تقدر عليها أغنى الأحزاب: وإن كان الإخوان بمصر يتميّزون عن إخوانهم بتونس في أنّهم لا يخفون حقيقة ما قاموا به من نفقات، مثلا، في حملاتهم الانتخابية فإنّنا نواجه بصمت إخواني بتونس، بل بتجاهل حتى فيما أوردته دائرة المحاسبات من تقارير تؤكّد على غموض التمويل الإخواني، وعلى تجاوز السقف الانتخابي بالنسبة إلى مرشّحي النهضة.

واتهمت محكمة المحاسبات في تقرير نشرته الأربعاء 24 افريل النهضة بالحصول على تبرعات من أشخاص متوفين خلال الانتخابات البلدية 2018 على مدى سنوات 2016 و2017 و2018 بلغت قيمتها حوالي 12 مليون دينار تونسي (5 مليون دولار).

وقال التقرير أن 68 تونسي من المتعاطفين مع الحركة تبرعوا للنهضة ثمّ اتضح بعد البحث والتدقيق أنهم متوفون حسب سجل الحالة المدنية لمدة 11 سنة على الأكثر و3 سنوات على الأقل. وأحصت دائرة المحاسبات مجموع التبرعات فكانت 135569 عملية تبرع خلال ثلاث سنوات فقط إضافة الى أن 138 قائمة مترشحة للانتخابات البلدية حساباتها ما تزال مجهولة. وتحدث التقرير عن وجود أكثر من 13 ألف عملية تبّرع في وصولات المتبرعين للحركة الإسلامية.

وحسب التقرير فان النهضة سعت إلى فتح أكثر من سبعة حسابات مالية وهو ما يعارضه القانون حيث ينص الفصل 22 من المرسوم المنظم للأحزاب السياسية الذي ينصّ على أن "يفتح الحزب السياسي حسابا بريديا أو بنكيا وحيدا يخصص لكل معاملاته البنكية".

وفي ديسمبر2014، أصدرت منظمة أنا يقظ تقريرها المتعلق بمراقبة تمويل الحملات الانتخابية الخاصة بالتشريعية، فكان من أبرز نتائجه: تجاوز حركة النهضة للسقف الانتخابي في دائرة سوسة بنسبة فاقت 75مما يستوجب إسقاط القائمتين بهذه الدائرة.

تجاوز حركة النهضة للسقف الانتخابي في كل من الدوائر الانتخابية في قفصة، صفاقس 1، صفاقس 2 وتونس 1 بنسب تتراوح بين 6 و56مما يستوجب دفع خطية مالية اجمالية تصل إلى أكثر من مليون و300 ألف دينار." ومع ذلك لم يحدث شيئا، ولم تتحرّك الجهات القضائية، رغم دستورية هذه الطعون. وهو أمر يدفع بالملاحظ إلى أنّ للإخوان بتونس السلطة الكفيلة بالتحكّم في قوانين اللعبة " الديمقراطية" بحسب ما يتناسب مع رؤية الإخوان، لأنّهم هم من يملكون القيادة.

لا يمكن البتّة أن يتجاوز الملاحظ مثل هذه التقارير الرسمية، وخاصّة عندما يستحضر أنّ مرشّحي الإخوان لا ينتمون إلى أصول اجتماعية ثرية تسمح لهم بأن يخوضوا معارك انتخابية بنفقات جسيمة.

واستنادا إلى هذين التقريرين، ندرك أنّ مصادر التمويل الإخواني، مهما نأت به الأرض أو اختلفت، تقوم أساسا على مصدرين اثنين: التبرعات، والاشتراكات.

يعتبر الإخوان أنّ هذين المصدرين أساسيان ومنطلق قاعدي في تمويل التنظيم. وبالرجوع إلى أوّل قانون لجمعية الإخوان المسلمين سنة 1930 نجد في الباب السابع "مالية الجمعية" المادة (17): تنص على: أن تتكون مالية الجماعة من الاشتراكات والتبرعات والوصايا والوقفيات والإعانات من أبوابها الشرعية". وتعد التبرعات واحدة من أهم مصادر تمويل الجماعة، ويلاحظ القارئ ورود هذه اللفظة عامّة حتى يمكن توظيفها ستارا لإخفاء حجم الأموال المتدفقة على التنظيم: إذ يفسّر هذا الباب المقصود من التبرعات وما يمكن أن يندرج ضمنها، مثل الصدقات وزكاة المال، باعتبار أن أحد أوجه الزكاة ينفق في سبيل الله، وأن الجماعة تحتلّ أعلى درجات الجهاد. ويصبح للزكاة دلالة كبرى إذا تعلّق الأمر بالأثرياء أو رجال الأعمال.

طبعا، واستنادا إلى تقريري دائرة المحاسبات ومنظمة " أنا يقظ" نلاحظ في يسر اكتفاء أصحاب المعبد بتونس بالتبرّعات والاشتراكات، وذلك لدواعي أخرى، سنعنى بتحليلها في عملنا القادم.

لكن، حادثة بسيطة عشتها أيّام الحملات الانتخابية للبلديات، وأحرص على روايتها لما تحمله من معاني كثيرة: دخلت دكّانا بسيطا، ووجدت أمامي رجلا يحمل " قفّة" يتحدّث إلى البائع الشيخ بحماس مفرط، وفهمت من كلامه أنّه مكلّف بمأمورية ذلك اليوم، مع الإشارة إلى أنّ ذلك اليوم هو السابق مباشرة للانتخابات البلدية 2018، أي هو يوم صمت انتخابي، يوم تسكن فيه جميع الحركات. وإذا به يتوقّف فجأة عن الكلام، وكأنّه لا يحاور الرجل وإنّما كان في حوار مع نفسه، ويخرج من الدكّان. لم أعر في البداية المسألة اهتماما لولا تدخّل الشيخ البائع، وفي شيء من الاشمئزاز سألني: هل تعلمين ماذا يحمل في قفته؟ إنّه يحمل 60 ألف دينارا. سحب هذه القيمة من البنك ليوزّعها على من اتفق معهم التنظيم بالمنطقة للتصويت لمرشّحي الحركة. أقسم بالله لا أدري كيف وصل إليه هذا المال، بل وكيف تمكّن هذا الرجل من فتح حساب بنكي شخصي، لأنّي أعرفه جيدّا ومنذ التسعينات. ولست أدري كيف يتصرّف هؤلاء مع هذه السيولة المالية دون رقيب أو حسيب. أنا اشتغل كامل اليوم ولا أحصل سوى على ما يكفيني ويكفي " عجوزتي" مؤونة العيش." خرجت من دكّان هذا الشيخ وأنا أردّد أسئلته لأنّها كانت عميقة في عبارتها رغم بساطتها.

لذا، وحتى لا نتجنّى على التاريخ، ارتأيت الرجوع إلى بداية القصّة، وتحديدا إلى الثلاثينات مع مرشد الإخوان الأوّل مؤسس التنظيم ونبيّهم " حسن البنّا" في علاقته بالتمويل؛ وإحداثه لهذا الشريان الاقتصادي الذي ظلّ حيّا، بل يافعا إلى يومنا هذا، ومنه يستمدّ التنظيم قوّته لتأسيس امبراطورية الإخوان.

وذاك مشغلنا في المقال القادم.

وسوم
شارك :