تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«نصر بطعم الهزيمة»: الإسلاميون وتجربة الحكم والديمقراطيّة في تونس

0
شارك :

عبيد خليفي*

لئن أفرزت ثورات الربيع العربي صعود الحركات الإسلاميّة بشقّيها السياسي والجهادي، فإنّ كمّ العنف المادي والمعنوي المُسلّط على المجتمعات الإسلاميّة جعلها تبحث عن تحصين ذاتها باللّجوء للمؤسّسة العسكريّة في مصر والمجتمع المدني في تونس والصندوق الانتخابي في تركيا، ولئن فشلت الحركات الجهاديّة في مواجهة الدّولة الوطنيّة وسقطت طموحاتها في تأسيس إمارات إسلاميّة، فإنّ حركات الإسلام السياسي عجزت عن إدارة شؤون الدّولة لأنّها حاولت أن تمارس أسلمة للدولة والمجتمع ففشلت، وفي النهاية تقلّص الإسلام تدريجيّا كلّما تمّ تجريبه في السياسة وممارسة الحكم.

في تونس لا تزال الحركة الإسلاميّة تمسك بخيوط اللعبة السياسيّة، فبعد ثلاثة محطّات انتخابية، حافظت حركة النهضة الإسلاميّة على تماسكها التنظيمي بمشروع شامل يمحو كل محاولة للخروج عن سيطرة الشيخ راشد الغنوشي ومساعديه بداية من حمّادي الجبالي الأمين العام للحركة سابقا وصولا لزبير الشهودي القيادي ومدير مكتب الغنوشي سابقا، ولعلّ تماسك الحركة سياسيّا يعود لضعف خصومها السياسيين الذين ظلّوا يرون مصيرهم في الحكم مرتبط بحزام حركة النهضة ضمن توافقات لتسيير دواليب الدّولة وتمكين الحركة من التمكّن من مفاصل الدولة كمشروع حكم وليس معارضة.

عجزت الدولة العميقة عن تجميع صفوفها لمواجهة الإسلام السياسي، كما عجزت البدائل اليسارية والتقدّمية عن التجذّر في الممارسة السياسيّة والانتخابية، فأفرزت انتخابات المجلس النيابي 2019 مشهدا سياسيّا مفتوح على كل الاحتمالات، لقد منحت النتائج الأسبقيّة لحركة النهضة الإسلامية بربع تركيبة المجلس (57 نائب من 217) ، لكنّها صنعت حزاما سياسيّا لها بكتلة جديدة هي كتلة "ائتلاف الكرامة" (20 نائبا)، ونعتقد أن هذه الكتلة هي الامتداد الحقيقي للإسلام العنيف وأحد وجوه حركة النهضة من خلال النظر لرموز هذا الائتلاف، وبذلك تدخل الحركة للمفاوضات بثلث المجلس النيابي، يبقى الفرق أنّها في انتخابات 2014 وجدت كتلة نيابية ضخمة توافقت معا على أبسط وأهم شرط: القبول بالقليل دون مغادرة الحكم، فإنّها اليوم ستفاوض عديد الأطراف لتشكيل الحكومة القادمة.

استفادت حركة النهضة من ثلاثة عناصر رئيسيّة لتصنع من ضمورها نجاحا نسبيّا: أوّلا نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات والذي جعلها تقفز من تقديرات 40 نائب إلى 57 نائب، ثانيا تشتّت ما يحسب على القوى الوسطية والقوى اليساريّة، وثالثا تصعيد كتلة نيابية من حزامها السياسي والعقائدي، ولعل المتابع لمجريات الانتخابات يدرك حجم الارتباك الذي عاشته الحركة أسبوعا قبل الانتخابات بتوقعات الفوز الساحق لحزب قلب تونس، وهو ما جعلها تنزل بكل ثقلها تنظيميا وسياسيا وماليا لقلب المعادلة السياسية، و تحقّق ذلك في النتائج الأولية وقفزت حركة النهضة من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى مستفيدة من سجن زعيم الحزب المنافس نبيل القروي وشبهات فساد، فهاجس الإسلاميين في تونس هو عدم ترك السلطة والتحوّل نحو المعارضة، لأن خروجهم من كونهم حزبا حاكما إلى حزب معارض يعني زوالهم وبقاءهم أقلية في المجتمع والحكم، فحركة النهضة قبلت في 2014 بوزير وكاتب دولة وهو ما لا يتناسب مع حجمها النيابي ب68 نائب حتى لا تخرج من الحكم، فالمسألة نفسيّة تتعلّق بالمزاج العام بعد الثورة في التصويت العقابي وتغيّر المشهد النيابي، وحركة النهضة تريد أن تقنع التونسي أن وجودها في الحكم مُسلّمة دائمة وحقيقة ثابنة.

تبدو المرحلة القادمة اجتماعية اقتصادية في ظل عالم يشهد ركودا اقتصاديا عالميّا، ولم تعد تونس تلك التجربة الديمقراطية المغرية للعالم الغربي مع التحوّلات التي يعرفها المشرق والجزائر والسودان، ولعل منظومة الحكم القادمة ستنشغل بالشأن السياسي أكثر من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ستذهب النهضة في اتجاه ثلاثة فرضيات: الأولى تشكيل حكومة سياسيّة عبر توليفة مع ائتلاف الكرامة وتحيا تونس وحركة الشعب وبعض المستقلين(التيار الديمقراطي رفض ووضع شروطا تعجيزية للنهضة)، والفرضيّة الثانية الدعوة لحكومة تكنوقراط تكون مسنودة من أغلب الكتل النيابيّة، والفرضيّة الأخيرة عقد صفقة سياسيّة مع حزب قلب تونس بقيادة القروي لتخفيف حدّة تعدّد الائتلاف الحكومي.. وكل هذه الفرضيات لن تمنح تونس استقرارا حكوميّا بل سنشهد تحويرات حكوميّة وتحالفات متواترة ومتوتّرة.

إنّ فرضيّة الفشل في تشكيل الحكومة تبدو ضعيفة الاحتمال لأن الفائزين في الانتخابات سيتمسّكون بالمكاسب التي حقّقوها وهم يدركون جيّدا تبدّل المزاج الانتخابي وعدم قدرتهم للحفاظ على ما تحقّق، لذلك سيتنازل الجميع لتطبيع الوضع، يبقى الإشكال قائما في البرنامج الحكومي القادر على الحكم دون تحقيق الوعود الانتخابية ليجد الشعب نفسه في مواجهة مع منظومة الحكم، ولكنّه سيحمّل حركة النهضة المسؤولية السياسيّة في جميع الملفّات، وهو ما سينهك الحركة أكثر في المحطّات الانتخابية القادمة.

لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ تجربة الحكم أنهكت التجارب الإسلامية في تونس ومصر وليبيا والسودان وحتى ذاك النموذج التركي الإسلامي الذي كانوا يفاخرون به، فتركيا زمن أردوغان استثمرت في الأزمات الإقليمية ليطيل من عمر حكمه متحالفا مع البورجوازية الوطنية التركيّة، ولم يستوعب مفاهيم الديمقراطية والتداول على السلطة فكانت انتخابات بلديّة إسطنبول نموذجا لنزواته التسلطية كونه سلطانا إسلاميّا، لكنّ حيويّة المعارضة التركيّة فرضت خيار النصر والتداول على السلطة تحضيرا للانتخابات الرئاسية القادمة يرافقها صراع الأجنحة في حزب العدالة والتنمية الذي يعيش صراعات الطرد والإقصاء لتوحيد السلطة في يد أردوغان.

كانت العشرية السابقة عشريّة التجارب الإسلاميّة في الحكم في أغلب الدول العربيّة فيها ما هو سابق لموجة الربيع العربي وفيها ما هو لاحق لها، وأغلب تلك التجارب كانت متماثلة في سياقاتها المحليّة والإقليميّة، هي تجارب حكم إسلامية لا تحمل رؤية اقتصادية اجتماعية، فحركة النهضة رفعت شعار صندوق الزكاة جوابا لمشاكل تونس الاقتصادية ووعودا بالتعمير والبناء والتشغيل دون أن تعطي المنوال التنموي الذي سيحقّق هذه الوعود، ولذلك سيكون التشكيل الحكومي هشّا كسابقه رهين الانفجارات الاجتماعية التي ستعرفها تونس في الخماسيّة القادمة.

لقد جاء الإسلاميون للحكم بأدوات ديمقراطيّة لم يؤمنوا بها في أدبياتهم التأسيسيّة العقائديّة، وسيفعلون المستحيل حتى لا يكونوا في المعارضة، لكنّ قوّتهم كانت دوما رهينة ضعف المنافسين، كما أنّ وجودهم في الحكم لم يكن يعني أنهم أصحاب مشروع اجتماعي واقتصادي بقدر ما هو توظيف لأدوات عقائدية من أجل السلطة تحت هواجس الخوف من تجارب الماضي، وفي اعتقادنا تشكّلت قوّة الإسلامين من ظهورهم في الهامش، هامش الدولة والمجتمع، ذاك الهامش الديني العقائدي لمحاكاة تجربة التغيير المحمّدي، ولعلّ تجربة الحكم التي أخرجتهم من مخيال الهامش التبجيلي الطهوري القائم على المظلوميّة هي التي ستنسف مقولاتهم الهلاميّة في تجارب الواقع الاجتماعي والاقتصادي...

أكاديمي تونسي

وسوم
شارك :