تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«قانون الزجر»: الطبقة الحاكمة تعزز أدواتها تحسباً للانفجار الاجتماعي

شارك :

أحمد نظيف
بين الشعب التونسي ووزارة الداخلية سوء تفاهم تاريخي، عمره عمر دولة الاستقلال. وهو ما يتمظهر بأشكال متعددة بين فترة وأخرى.
وأخيراً تفجر جدل واسع واحتجاجات شبابية، بسبب تقديم مشروع قانون داخل البرلمان يعزز إفلات قوات الأمن من العقاب، ويحميها من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية.
ويبدو المشروع في سياق الأحداث محاولة من الطبقة الحاكمة لتعزيز أدواتها القمعية استعداداً للانفجار الاجتماعي المتوقع بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد. واللافت أن "حركة النهضة" وعدوها التاريخي "الحزب الدستوري" تقاطعت مواقفهما في دعم هذا القانون، وفاءً منهما لجذورهما الشمولية.
البناية الرمادية الضخمة الجاثمة كالقدر في طرف شارع الحبيب بورقيبة إلى جهة البحر، ذات التفرعات الكثيرة والملاحق المتعددة، شكلت، على مدى أكثر من نصف قرن، رمزاً للخوف وسطوة النظام وشوكة الدولة القاسية. لا أحد من حكام البلاد شعر يوماً بأنه يحكم فعلاً، إن لم يكن مسيطراً عليها، أو واضعاً وزيرها في جيبه الصغير.
هذه الوزارة الاستثنائية، التي حيكت فيها دسائس السلطة وفي أروقتها أقيل الوزراء وفي أقبيتها سُلخ المعارضون، وعبرها تم عزل آخر ملوك تونس محمد الأمين باي (1956)، والانقلاب على مؤسسها الرئيس الحبيب بورقيبة (1987)، أراد لها هذا الأخير، منذ الاستقلال، أن تكون مركزاً للنفوذ، بعيداً من التجارب المشرقية العسكرية، التي منحت لوزارات الدفاع مكانةً عادت على بلدانها بالمآسي.
وتعود هذه المكانة التي حظيت بها وزارة الداخلية الى هيكلية النظام التونسي. فالجيش بقي خارج دائرة الضوء وبعيداً من أي مشاركة سياسية، وزادت عزلته بعد المحاولة الانقلابية عام 1962، باستثناء حالات الاستنجاد به لقمع حركات المعارضة الشعبية، كما حصل في جانفي 1978 في مواجهة الاتحاد العام التونسي للشغل وفي جانفي  1984 في مواجهة انتفاضة الخبز، أو لمواجهة حركات المعارضة المسلحة كما حصل في أحداث مدينة قفصة عام 1980.
 وتستمد وزارة الداخلية قوتها من سلطتها الواسعة على عدد كبير من الأجهزة الأمنية والاستخبارية وشبه العسكرية، خلافاً للسائد في العديد من الدول التي توزع هذه الأجهزة على وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الدولة.
 فالداخلية التونسية موضوع تحت تصرفها جهاز الشرطة وجهاز الاستخبارات والقوات الخاصة لمقاومة الإرهاب وجهاز شبه عسكري عالي التدريب والتسليح هو الحرس الوطني، وإلى وقت قريب كانت سلطتها تمتد إلى السجون، قبل أن تسند هذه الوظيفة إلى وزارة العدل. كما تشرف الوزارة على جهاز إداري ضخم يضم الولاة والمعتمدين والعمد والبلديات. وتعتبر من الوزارات ذات القوى العاملة الكبيرة، إذ يشتغل فيها آلاف الأعوان والضباط والموظفين والخبراء.
 لم تلعب الوزارة دوراً سياسياً مباشراً، لكنها كانت أقوى الأدوات الدولتية بيد النظام ورأسه. فقد جرت التقاليد مثلاً أن يرفع مدير الأمن الوطني، الرجل الثاني في الوزارة، تقاريرَ الى رئيس الجمهورية مباشرة من دون سلوك التراتبية الوظيفية عبر الوزير الذي هو يمثل رئيسه المباشر. كان بورقيبة يريد أن يسند صلاحيات واسعة للوزارة، لكنه لم يكن يريد للوزير أن يستفرد بها كلها. وفي عهد زين العابدين بن علي، كان جهاز الاستخبارات (المصالح المختصة) يرفع تقاريرَ للرئيس مباشرة متجاوزاً التراتبية، ويمكن أن يكون الوزير نفسه أو عائلته موضوعاً لأحد التقارير.
ومع وصول الجنرال السابق في الجيش ووزير الداخلية زين العابدين بن علي، إلى السلطة عام 1987، بدا واضحاً أن النظام أصبح أكثر اعتماداً على وزارة الداخلية، رغم أن بن علي جاء بالعديد من ضباط الجيش الكبار إلى وظائف سياسية وأمنية، وتم تعيين عدد من الضباط في مناصب وزارية، قاسمهم المشترك علاقة الصداقة مع بن علي.
 لكن هذه التعيينات لم تكن لتؤثر في مكانة الداخلية عند بن علي، بخاصة بعد عملية الاختراق المتتالية التي تعرض لها الجيش من طرف الإسلاميين بين 1987 و1991. وقد أعطى ذلك قوة إضافية للداخلية التي ظهرت بمظهر خط الدفاع الأول على مصالح النظام. وقد أدرك بن علي أن صراعه مع الحركة الإسلامية لا تحسمه الجيوش، فهو بحاجة إلى جهاز استخبارات نافذ وقوي وواسع الانتشار، وأجهزة أمنية صلبة قادرة على صد المد الإسلامي في الشوارع والجامعات. لذلك أغدق دعماً وفيراً لهذه الوزارة، اذ قفزت موازنة الداخلية، إلى 165 في المئة من موازنة الدفاع عام 1992.
 كان رهان بن علي على تقوية شوكة الداخلية ناجحاً إلى أبعد الحدود، فلم ينتهِ عام 1991 حتى نجحت الأجهزة الأمنية في اصطياد قيادات بارزة من "حركة النهضة" والسيطرة على الجامعات، ودشنت عقد التسعينات الكالح، عقد الصمت والخوف.
ثم تضخمت هذه الوزارة وتمددت أدوارها لتصل سلطتها حتى الى داخل المساحات الخاصة للمواطن، وتحولت الدولة مركزاً أمنياً كبيراً يخضع للرقابة الدائمة والضبط المستمر من خلال شبكات وشاية ورصد معقدة وممتدة ترصد لها الدولة اعتمادات سخية، همها الوحيد إخضاع المجتمع لرؤية "الرئيس القائد". وبالتالي منحت منتسبيها سلطات هائلة، ما لبثوا أن فقدوها بعد الثورة، لكنهم لم يسلموا يوماً بذلك، محاولين استعادة ما فقدوه من خلال الأحزاب ذات التوجهات الشمولية، التي كسبت مواقع متقدمة في الإنتخابات الماضية، خصوصاً حزبي "النهضة" الإسلاموي، و"الحزب الدستوري" المشكل من بقايا حزب زين العابدين بن علي.
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :