تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قراءة في المشهد السياسي التونسي أيام «الكارنتينا»

شارك :

نائلة السليني

كارنتينا سادت الأنهج والشوارع، وسادت الأفكار أيضا...كارنتينا قبضت على التونسيين فجمّدت أفكارهم، وعطّلت حركتهم...ولم يبق حيّا سوى غريزة التنفّس أو الأكل أو التلهية بثواني الأمور.

وفي الأثناء، وعندما اطمأنّت الحكومة على حجر الناس في بيوتهم خرج الفخفاخ يسعى بحثا عن حلول يواجه بها الانهيار الاقتصادي الذي تسلّمه من الشاهد، وأطلّ زعيم الإخوان من خدره بمجلس النواب ليعيد ترتيبه بكيفية تضمن راحته.. وفي أثناء ذلك أيضا استأنس قيس سعيد في نفسه أملا حتى يعيش عهدا طالما قرأه في كتب الرواة عن عدل الخلفاء، فاختار عمر بن الخطاب ليجلب روحه من العالم الغيبي ويحلّها في جسده.

هذه باختصار شديد تركيبة المشهد السياسي التونسي زمن وباء الكورونا... حياة تعجّ بالتدابير، انشغل فيها كلّ حاكم عن الآخر والاطمئنان يفيض من قلبه ...اطمئنان بأنّ أعين المراقبين مغطاة بحجب الجدران التي تحيط بالمنازل، وبأنّ الألسن مكبّلة بالعقد.. وأدعوكم إلى ما يشبه البرقيات الخاطفة التي تستعرض هذه المشاهد.

 ونبدأ بالرئيس السعيد وحاشيته:

لعلّكم تتذكّرون الإطلالة الأولى وخطبته العصماء التي عرض فيها الرئيس على التونسيين عقدا قوامه: الخلافة والرعية. وما يستتبع هذين المصطلحين من معاني العدل والطاعة.. ولعلّكم تتذكّرون أيضا روايته لقصّة عمر مع المرأة، وطريقته في اعتمادها ليعرّفنا بطبيعة حكمه التي يريد أن يطبّقها على الشعب: قيس الخليفة العمري والشعب التونسي رعيته الفقيرة والمريضة.. لعلّكم تتذكّرون أيضا ردود الفعل المختلفة من الناس وقد قاموا من خلف قضبان شبابيكهم صارخين حينا ومنبّهين حينا آخر.. ومتندّرين أحيانا أخرى: فقد نبّهوا إلى خطورة هذه المقاربة ونحن نعيش في القرن 21م لا في السنة 12 هجرية.. خطورة الحنين إلى عصر غابر بلغتنا أحداثه عن طريق الرواية والنقل وتجاهل قيم الجمهورية والمبادئ الحداثية التي يطمح إليها المجتمع وتضمّنها الدستور.. أصيب الجميع بصعقة لأنّ الحالم رئيس مختصّ في الدساتير، وقضّى عمره في تدريسها..

ثمّ نعيش ليلة الخميس قصّة أخرى يمكن أن نسمّيها " السعيد والبيضة الضائعة": فإذا بروح عمر تحلّ في جسد الرئيس ويقرّر الخروج إلى قرية بالقيروان يتفقّد أحوال الرعية، متأبّطا صندوقا به بيض، والله أعلم. خرج يبحث عن أحد أفراد رعيته لأنّه أرسل إليه بيضة دليلا على احتياجه.. حادثة تثير أسئلة عديدة: إذ كيف لرئيس دولة وفي نفس الوقت رئيس مجلس الأمن القومي أن يخرق قانون منع الجولان كان قد أعلنه منذ شهر؟ رئيس يدعو الناس إلى البحث معه عن " صاحب البيضة"؟ كيف لنا بعد هذه الحادثة أن نقنع الشخص العادي بأنّ الحجر أساسي في هذه المرحلة لتفادي انتشار العدوى؟ وهو الذي عاش مع عمر عصره لحظات احتكّ فيها بجميع الناس، وخاصّة الأمن الجمهوري الذي واجه الناس دون أغطية واقية ومعقّمات؟؟؟ أليس الأفضل البدء بتوعية الحاكم الأوّل؟ وإقناعه بأنّ ما قرأه عن عدل عمر ليس له وجود سوى فيما رواه المحدّثون؟ أليس من الأجدى تنبيه الرئيس إلى أنّ كتب التراث تتضمّن ذخيرة من الجدل والنقاش ولا تحتوي على حقائق؟ لأنّها وليدة مواجهات سياسية لا غير؟ من يدعو الرئيس إلى وجوب قراءة كتب الرجال والتاريخ حتى يقف على مختلف التناقضات التي جمعت بينها؟ وأنّ ما ذكِر في هذه الكتب من كيفيات قتل الخلفاء لهو أهمّ عنصر يدفع أهل النظر إلى التفكير والتحليل.

والنتيجة: أمكن للسعيد، وفي وقت وجيز أن يحوّل تونس من جمهورية مستقلّة ذات سيادة إلى.. ضيعة العم محروس.

أخشى أن تحدث فترة الكارنتينا التي نعيش نقلة نوعية في شخصية الرئيس الحالم فتتحوّل في إبداعها لترسم أحداثا من وحي الخيال، كان قد قرأها في كتب الخيال الشعبي ويعمل على تطبيقها في واقعنا المرّ..

أمّا الفخفاخ فهو حكاية أخرى، أسهم في إثراء المشهد السياسي بعد أن تجاذبته أيدي الإخوان من جهة وقد استفحلت الفاقة السياسية في نفوسهم، ومن جهة ثانية الأيدي السياسية العابثة لحكومة مغادرة اعتقدت للحظة أنّها الأذكى. ولعلّ أهمّ انطباع طغى على النفوس لحظة تنصيب الفخفاخ رئيسا للحكومة هو معرفة العوامل التي دفعت به إلى أن يلهث وراء كرسيّ اهترأ بالمشاكل الاقتصادية وتعفّن بالفساد. وتلك، في نظرنا، مسألة تطرح قضية:

الفخفاخ ومواجهة شبح الانهيار الاقتصادي:

أذكّركم بتاريخ قريب جدّا، عندما صودق على الفخفاخ وحكومته، وبتساؤل الناس عن سبب تشبّثه بهذا المنصب في فترة بدأت فيها الدولة تتلاشى، وعن كيفية خروجه من هذه الأزمة؟

في الحقيقة يمكن القول: إن الكرورنا هي حبيبة الفخفاخ، وأتت في وقت كان فيه الرجل تائها وصامتا.. سيناريو لم يكن له أن يحلم به البتّة، ولكم مشاهِدَهُ في اختصار:

أزمة عالمية تعيشها جميع دول العالم، وبالأخصّ الدول التي أقرضت تونس والتي ترفض اليوم الحوار معها في تداينات جديدة، سيما وأنّ ما سبق عطاؤه لم يثبت وجه تصريفه.. أضف إلى ذلك أزمات تخيّم على المشهد السياسي الداخلي: من ذلك اتساع الهوّة بين الطبقات الاجتماعية.. تفاقم البطالة.. وقبض الفساد على الشريان الاقتصادي.. المطالبة الملحّة في إيجاد حلول عاجلة لتحسين المعاش الحيوي لا الكمالي.. والضياع وراء البحث عن حلول لسداد المرتبات والجرايات.. جشع الأحزاب السياسية وطمعها المشطّ في التمتّع بامتيازات واقتناص وزارات تعتقد أنّ دورها مهمّ في الاستعداد للانتخابات القادمة...

وتحلّ الكرورنا لتتسلّط على الأذهان وعلى الجميع.. تحلّ لتفتح أبوابا ونوافذ من الحلول ما كان للفخفاخ أن يهتدي إليها فكان له أن : يتبع السياسة التي تطبقها الدول الأوربية في تهويل هذا الوباء في أعين الناس، وهو عذر شرعي لا نقاش فيه، لكن استتباعاته مختلفة من أوربا إلى تونس: ولا أقف عند الجزئيات، وإنّما أنبّه إلى سياسة جلّ الدول مع هذه القرارات بما فيها التي تعاني مثلنا من مشاكل اقتصادية، وكيف اتخذ الفخفاخ سبيلا أخرى: فالحجر شمل جميع الناس، لكن تميّزت تونس بقرارات تتعارض تماما مع ما يمكن تسميته بحوافز الحجر: فعوض أن تتكفّل الدولة بالتغطية الاجتماعية والصحية نقف على جملة من القرارات مثل التبرعات الشخصية ، ومثلنا في ذلك مثل الشعوب الهانئة، بينما لا يجد أكثر الناس ما يضمن حياتهم، مطالبة الفخفاخ بتحيين الفصل 70 من الدستور: فإذا بالاجتماع الأوّل يخصّص للنظر في الإجراءات الاستثنائية التي يجب اتخاذها في فترة الكورونا ، وأدعوكم إلى قراءة الفصول التالية حتى تدركوا السياسة التي يحلم الفخفاخ في تطبيقها في فترة رئاسته للحكومة:  " الفصل 2:تتمّ ملاءمة تطبيق قاعدة العمل المطلوب الواردة بالفصل 41 من مجلة المحاسبة العمومية مع مقتضى الإجراءات والتدابير المتعلقة بالحجر الصحي الشامل. الفصل 3: تتمّ ملاءمة تطبيق الأحكام المتعلقة بضبط عدد ساعات العمل السنوية بالقطاع العمومي مع مقتضى الإجراءات والتدابير المتعلقة بالحجر الصحي الشامل. الفصل 4: تتم ملاءمة إجراءات منح عطلة لبعث مؤسسة والإحالة على عدم المباشرة لظروف استثنائية للأعوان العموميين مع مقتضى الإجراءات والتدابير المتعلقة بالحجر الصحي الشامل.

وتسند العطلة لبعث مؤسسة والإحالة على عدم المباشرة لظروف استثنائية بمقتضى قرار من رئيس الإدارة." وننتظر كيف ستترجم هذه الفصول في رسوم حتى ندرك جيّدا مدى وعي الرجل بخطورة القرارات التي يعتزم اتخاذها مثل القرار الأوّل الذي صدر بالرائد الرسمي عدد5 لسنة 2020 ويتعلّق باقتطاع يوم عمل بعنوان شهر أفريل.. ولا ندري إن كان هذا القرار سيكتفي بشهر أفريل أم قد يليه آخر لشهر ماي؟

كانت الكورونا حقيقة صديقة الفخفاخ فقد فتحت أمامه أبوابا من التبرّعات الخارجية، وفتحت أمامه أيضا ما كان مغلقا من النوافذ للتداين، فإذا بها تأتيه الديون صاغرة:

فقد تلقّت تونس تمويلا بـ 158 مليار من إيطاليا، ومنحنا الاتحاد الأوربي هبة بـ 800مليار. وتلقينا من بنك الزيتونة تمويلا ب،809 مليار؛ ومن صندوق النقد الدولي منحة قدرها 2.2 مليار دينار. وأسهمت البنوك التونسية بما ينهاز112 مليار، وصندوق 1818 قرابة 85 مليار. هذا دون احتساب الاقتطاع بيوم من رواتبنا في القطاعين العمومي والخاص، ودون احتساب المساعدات العينية المباشرة للمستشفيات من تجهيزات وغيرها والطائرة المحمّلة بالمساعدات التي أرسلتها الصين.

نحن نخشى أن تضيع هذه الأموال مع الرياح مثلما راح غيرها في السنوات العشر الأخيرة، والأجدر أن تتكفّل مجموعة من الخبراء في الاقتصاد حتى يقدّموا لنا تحليلا علميا في القروض التي تنوي الحكومة أن تغطي بها عجزها المالي وقيمة الأموال التي تمّ تحويلها، حتى نفهم ما لنا وما علينا. وحتى نضمن ترشيد التصرّف في ماليتنا وشفافيته.

هذه قراءة في صفحة من المشهد السياسي التونسي، وننظر في الصفحة الثانية في مقال قادم، لأنّها صفحة ترصد ما أضافه الإخوان في تونس زمن الكارنتينا.. وهي لعمري مرحلة ثرية جديرة بالاهتمام.

الكلمات المفاتيح:
شارك :