تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«رئاسيات 2019»: حركة النهضة وتشظي «القاعدة الانتخابية»

0
شارك :

 صواب

يبدو أن الانقسام الأخير على مستوى مجلس الشورى بين الغنوشي وجماعته وبين التيار المعارض داخل الحركة، سينعكس على الخيارات الانتخابية للقاعدة الشعبية للحركة. فالقاعدة الانتخابية للنهضة ليست كتلة واحدة وبست بمعزل كذلك عن التأثيرات الدّاخلية والخارجية للحركة. كما لا يمكن بأي حال أيضًا، تصوّر أنّها ستخضع-في سياق التطوّر السياسي الحاصل-في كلّيتها لقرار القيادة المركزيّة بالتصويت لمرشّح الحركة عبد الفتاح مورو. فالقواعد الانتخابية للحركة وكما القيادات العليا تشقها عدّة تيارات وتصوّرات، وليست كلها كتلة متجانسة واحدة.

في الفترة الأخيرة يبدو جليًا أنّ الحركة بدأت تجني حصاد التراكمات الموروثة عن تجربة الحكم التي تعيشها منذ العام 2011. هذه التجربة التي رافقتها تحولات كبيرة في المواقف (من النقيض إلى النقيض أحيانا)، وهي تحولات كانت بدورها نتيجة إكراهات الواقع السياسي والوضع الإقليمي وحتى توازنات القوى المحليّة.

وهذا (وغيره) ما دفع حركة النهضة إلى محاولة تجديد خطابها (على الأقل) وإعادة تكييف علاقاتها بالفاعلين السياسيين والمنظمات الوطنية (مكرهة في غالب الأحيان) وهو ما كان يثير في كلّ مرّة ردود فعل داخليّة متنافرة في اتجاهين مختلفين، تيار دافع لمزيد من التحولات في الخطاب والمواقف المعلنة نحو مزيد من التوافقات، وتيار غاضب سياسيًا كانت تصل به الأمور في كلّ مرة إلى حدّ الانسحاب من الحركة (قيادات صف أوّل وثانٍ) احتجاجا على ما يعتبره "تنازلات" تقدّمها الحركة الحركة تحت عنوان "التوافق"، أو احتجاجا على مركزة القرار داخل الحركة بيد رئيسها وحده.

"تيار الغضب السياسي" هذا داخل الحركة، والذي كشف على أبرز رموزه في مؤتمر الحركة الأخير وأبرز انتقاداته، بدأ بالتململ العلني في أزمة القوائم الانتخابية الأخيرة، وبدأت تصريحات غاضبة وحادة تخرج من قياديين من الصف الأوّل منتقدة بشكل العلني رئيس الحركة وطريقته في فرض القرارات. غير أنّ الملاحظ هذه المرّة أنّ هذا التيّار لم يعد يرضى بأسلوب الانسحابات بل اتّجه إلى محاولة فرض أكثر ما يمكن من تصوراته في إطار ما تسمح به القوانين الداخليّة للحركة كسلاح في مواجهة السلطة الفعلية (بما فيها الماليّة) والرّمزيّة لراشد الغنّوشي.

وفي هذا الإطار من الصّراع الدّاخلي، ظهر اسم عبد الفتّاح مورو كمرشّح للحركة في الانتخابات الرئاسيّة. وقد بدا الأمر بالنسبة لكثير من المتابعين، كأنّه انتصار أوّل ضد الغنّوشي وأنّ الأخير بهذا القرار الخارج عن إرادته (حيث كان يفضّل دعم مرشّح من خارج الحركة) هو دليل عن فقدانه للسيطرة عن مجلس الشورى لصالح التيار المعارض.

  • قواعد الحركة في شبكة التيارات المتداخلة

في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" يذهب الغنّوشي إلى أنّ العناصر الفكريّة المكوّنة للحركة الإسلاميّة بتونس ثلاثة: عنصر ما يسمّيه بـ "التديّن التقليدي التونسي"، والعنصر الثاني هو ما يسمّيه "التديّن السلفي الإخواني" وثالث العناصر المكوّنة (في مرحلة التأسيس على الأقل) وهو ما يسميّه "التديّن العقلاني" وهو ما سيعبر عنه لاحق تيار مستقل ومستقيل من الحركة سيسمّى اليسار الإسلامي أو الإسلاميين التقدميين. (راجع الكتاب من ص 73 إلى ص 85).

هذه العناصر (باستثناء العنصر الثالث) مازالت تعتمل داخل الحركة وتشكّل جزءًا كبيرا من توجهات قاعدتها الشعبية والانتخابية. وهي بالإضافة إلى عناصر أخرى كثيرة، مؤثّرة جدًا في تحديد توجهاتها وأصواتها. وهي بالتالي ليست كلا موحدًا وكتلة متجانسة صلبة محدّدة الاهداف بشكل جماعي ودقيق.

فالغضب الواسع من إقصاء القوائم الانتخابية التي صعّدتها القواعد من المكاتب الجهوية والمحليّة واستبدالها بأخرى مفروضة من مكتب رئيس الحركة راشد الغنّوشي، سيكون مؤثرًا، هو الآخر، في تحديد التوجهات الانتخابية للناخبين النهضاوين بين الالتزام بقرار القيادة المركزية (التي رفضت اختياراتهم في تصعيد القوائم) وبين إرادتهم الشّخصية الخاضعة للعديد من العوامل والتصوّرات والتأثيرات الفكريّة والعقائديّة والطبقيّة والجهويّة.

إذن تتشابك التيارات داخل القاعدة الانتخابية للنهضة وتتنوّع، وهذه التيّارات التي تشق قواعد الحركة ترجع في اختلافاتها لعدّة عوامل، أهمها طبيعة التكوين الفكري لأفراد الجماعة، فهناك التيار الذي تربّى في أوروبا (هناك جيلين على الأقل من المنتمين الأوائل وأبنائهم أو الملتحقين الجدد بعد الثّورة) تحكمه في الغالب تصوّرات أكثر تقبلا للحداثة والليبيرالية الاقتصادية وأقرب لهضم قيم الدّيمقراطيّة والمدنيّة. بينما تحكم الجزء الأكبر من التيار الذي عاش وتربى في تونس وعايش سنوات المواجهة مع النظام، تحكمه أدبيات الفكر السلفي-القطبي والفكر الإخواني. ويغلب على هذا التيار تشبعه بفقه المحنة وعلاقته التاريخيّة المتوترة والثأريّة بالدّولة والمجتمع وتربيّه على المقولات القطبية حول جاهلية المجتمع والعُصبة المؤمنة والعزلة الشعورية والاستعلاء بالإيمان، وهم أقل قبولاً بقيم الدّيمقراطيّة والحداثة. وهذا التيار الثاني الذي تحرص النهضة على تغييبه إعلاميا وإزاحة رموزه إلى خارج دائرة الأضواء منذ العام 2014، تيّار مؤثّر وواسع داخل الحركة ويمثل غالبية قواعدها.  

هناك تيارات أخرى داخل الحلقة تحركها اعتبارات أخرى جهوية واقتصادية كما أنّ العلاقات الشخصية لها وزنها في تقدير المواقف داخل الحركة (علاقات القرابة، النسب ...الخ). وكل هذه العوامل (وغيرها) قد تجعل من أصوات القاعدة الانتخابية للنهضة شتاتا في مواجهة مجموعة من المرشحين الرئاسيين (من النهضة وخارجها) الذين يلامس بعضهم الاتجاهات العامة لجزء من (أو لكل) النهضاويين.

 

  • عبد الفتاح مورو: وهو مرشّح الحركة الرئيسي، ليس عليه اجماع داخلي على مستوى القيادة ولا على مستوى القاعدة الشعبيّة، ترفضه القوى المحافظة داخل الحركة والتياّر الذين يمثّل العنصر الفكري الإخواني القطبي السلفي في الحركة. بينما يميل له الشّق الذي يمثلّ ما سمّاه راشد الغنوشي بـ "التديّن التقليدي التونسي" داخل النهضة. فعبد الفتاح مورو المتصوف والمالكي بعقيدة أشعرية (مثل غالبية الشعب التونسي) يمثّل هذا القطاع "الفكري/العقائدي" داخل الحركة. كما يمثّل كذلك جهويا تيّار البلديّة المدينة تونس بثقافتها المميزة وصورتها التي يحسن مورو رسمها إعلاميًا وخطابيًا.
  • حمّادي الجبالي: المترشّح من خارج حركة، بعد انسحابه منها. يحمل تجربة تاريخيّة كبيرة داخل الحركة في المعارضة والحكم. أوّل رئيس حكومة لها بعد وصولها للسلطة. ولا تبدو توجهاته الفكريّة (ولا حتى السياسية أيضًا) واضحة، حيث لا يمكن أن تلامس أي مواطن اختلاف مع النّهضة بخلاف خروجه التنظيمي عنها. قد يراهن على ورق جهويّة في علاقة بانتمائه لمنطقة السّاحل. ربّما هذا الرّهان المناطقي الجهوي قد يجعل جزءًا من القاعدة الانتخابية للنهضة يتحوّل بفعل هذا العامل الى حمّادي الجبالي.
  • المنصف المرزوقي: المرشّح الرئاسي الذي كان منافسًا للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في الانتخابات الماضية. والتي لا ينكر دور أصوات قاعدة النهضة الانتخابية في بلوغه الى ذلك الدّور واقترابه كثيرا من الفوز. المرزوقي نفسه يراهن على جزء من قواع النهضة التي ظل يغزلها طيلة سنوات، خاصة في القضايا الخارجية والاقليمية، محمّد مرسي، دعم الاخوان، الإشادة بالمحور القطري التركي، التوقع في الأزمة الليبية في صف التيارات الاسلامية وغير ذلك من المواقف التي توافق هوى السواد الأعظم من أنصار حركة النهضة.
  • سيف الدّين مخلوف: المحامي الذي يتبنى قضايا التي يكون فيها الاسلاميين طرفا، خاصة تلك التي تثير انتباه الرأي العام. يوافق خطابه الدّيني المغلّف بنشاط قانوني وحقوقي ومدني، هوى الكثير من أنصار حركة النّهضة خاصة من الشباب المتحمسين وأغلبهم من ذوي التوجهات الإخوانية القطبية والسلفية. ويراهن سيف الدّين مخلوف على جزء كبير من هذه القاعدة الانتخابية النهضاويّة التي تتقاطع مع خطابات الثورة والعزل السياسي ورابطات حماية الثّورة سابقًا.
  • حاتم بولبيار: عضو مجلس شورى سابق، صاحب توجهات ليبيرالية اقتصاديّة، يمثّل تيّار التحديث والعصرنة على مستوى الشّكل والخطاب داخل الحركة. يحبّذ دوما إعطاء صورة منفتحة عن فكره وحياته وتوجهاته السياسيّة. ويبدو بولبيار متجهًا إلى قطاع محدّد (نهضاوي في الغالب) وهو قطاع رجال الأعمال والوافدين الجدد على الحركة من البرجوازية القديمة التي تريد ضمان مصالحها الاقتصادية في تشابك سياسي مع خطاب ليبيرالي وغير تصعيدي توافقي وتحديثي وعصري. هذه العناصر تنفر غالبا من خطاب التشنج والمواجهة الذي يعكّر مناخ المال والأعمال ويدفع دوما الى مزيد من الانكماش الاقتصادي.
وسوم
شارك :