تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شبكات الإخوان المسلمين في مرمى السلطات الفرنسية

شارك :

يبدو أن سنوات العز والمجد الإخواني في فرنسا، قد بدأت في أن تصبح مجرد تاريخ. فمنذ أشهر بدأت السلطات الفرنسية، الأمنية والقضائية حملة لمجابهة توسع شبكات الجماعات الإسلامية الإخوانية والسلفية، على حد السواء، وخاصة ملاحقة مسالك تمويل نشاط هذه الجماعات.
و ترى الصحفية برناديت سوفاجيت، بأن الدوائر الإخوانية بدأت تفقد مكانتها ونفوذها في فرنسا، خاصة في علاقة بأوساط الجاليات المسلمة. وتقول سوفاجيت في مقالة نشرتها، جريدة ليبراسيون، الخميس:" فقدت الدوائر الإخوانية مكانتها في مواجهة صعود التيارات السلفية، حيث فشلت في تكوين أجيال جديدة، ذات شعبية، غير أن الجزء الأكبر من نفوذها اليوم يكمن في القوة الناعمة  التي تمارسها من خلال التعليم، فالجماعة كانت سباقة في افتتاح المدارس الطائفية الإسلامية، واليوم لديها حوالي ثلاثين مدرسة". ويلفت تقرير جريدة ليبراسيون إلى أن "الضغط يتزايد على شبكات الإخوان المسلمين في فرنسا من طرف السلطات"، مؤكذاً بأن الدولة أصبحت "تشعر بالقلق إزاء صعود هذه الشبكة من المدارس الطائفية"، على حد تعبيره.
وفي هذا السياق يشير التقرير إلى معهد إبن رشد، في مدينة ليل، وهو مؤسسة تعليمية غير حكومية تابعة لشبكة الإخوان المسلمين في فرنسا، والذي أخضعته السلطات لتدقيق ضريبي منذ بداية العام الحالي. وكانت جريدة "لوباريزيان" قد طشفت الأسبوع الماضي، عن أن السلطات قد فتحت تحقيقا بشأن تمويل مؤسسة تعليمية إخوانية في محافظة سان دوني، شمال باريس.
وقالت الصحيفة ، اليومية، في تقرير لها، نقلاً عن  مكتب المدعي العام في مدينة بوبيني، مركز محافظة سان دوني، إن تحقيقًا أوليًا فتح في شهر يونيو في شبهة "خيانة مؤتمن" تتعلق بتمويل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وهو مؤسسة غير حكومية للتعليم العالي تقوم بتدريب الأئمة على وجه الخصوص. وقال المصدر نفسه، إن التحقيقات تتعلق " بأساليب تمويل أنشطة المعهد". وبدأ المعهد نشاطه في العام 2001 مستفيداً من الاعتراف الأكاديمي الصادر عن جامعة كريتاي، ويستقبل سنوياً نحو 2000 طالب، وفقاً لأرقام نشرها موقعه الإلكتروني. ويتركز نشاطه في تدريب أئمة المساجد وتعليم اللغة العربية، وفقاً مناهج تعليمية قريبة من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين. 
ويكشف تقرير صحيفة لوباريزيان عن أن السلطات الفرنسية بصدد التدقيق في "التحويلات المالية الأخيرة بين المعهد ودول من الخليج العربي، هي قطر والكويت". وكان المعهد قد أغلق أبوابه في نهاية شهر نوفمبر 2019، بقرار من محافظ مدينة سان دوني، لدواعي تتعلق بسلامة المباني ومخاطرها على الأشخاص.  ويترأس المعهد أحمد جاب الله، الرئيس السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، والعضو السابق في حركة النهضة التونسية. كما أن هذه المؤسسة هي جزء من سلسلة معاهد مماثلة منتشرة في أوروبا.
وتأسس أول معهد إخواني في العام 1992، في مدينة سان ليجر دو فوجريت، وسط فرنسا، وهو المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية شاتو شينون، بهدف تدريب الأئمة على الأرض الفرنسية، وفقاً لمناهج قريبة من تيار الإسلام السياسي. ويشار إلى الصحفيان الفرنسيان، كريستيان شيزنوت وجورج مالبرونو، قد كشفا في كتاب لهما صدر العام الماضي تحت عنوان "أوراق قطرية" عن تقرير صادر من المخابرات الفرنسية يتحدث عن إيقاف قيادي إخواني، من أصل تونسي، بصدد تهريب أموال نقدية لفائدة معهد شاتو شينون.
وكان وزير الداخلية الفرنسية جيرالد دارمانين،  قد هاجم في مقابلة نُشرت في 24 يوليو بجريدة لوفيجارو، ما سماه بالإسلام السياسي، معتبراً أن الشبكات الإخوانية لا تقل خطورة عن الشبكات السلفية المتطرفة.
من جانبه قال رئيس الوزراء الفرنسي الجديد جان كاستيكس أن "مكافحة التطرّف الإسلامي بكل أشكاله كان وسيبقى أحد شواغل الحكومات الفرنسية الكبرى". وتحدث كاستكس أثناء خطاب عرض فيه السياسة العامة للحكومة أمام الجمعية الوطنية، في منتصف يوليو، عن وجود  مشروع لإصدار قانون ضد "الحركات الانفصالية" لمنع "مجموعات معيّنة من الانغلاق ضمن مظاهر عرقية أو دينية". وقال كاستكس إن "العلمانية هي من القيم الأساسية للجمهورية، ورأس حربة الاندماج المجتمعي. لا يمكن لأي ديانة، أو تيار فكري أو مجموعة معيّنة الاستيلاء على المساحات العامة والنيل من قوانين الجمهورية".
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في فبراير الماضي عن توجّه لتحسين الرقابة على خطب المساجد التي قد لا تتوافق أحيانا مع قيم الجمهورية، والتوقف عن استقبال أئمة ترسلهم وتموّلهم دول أجنبية، معلنا في المقابل عن توجّه لزيادة الأئمة الذين نشأوا في فرنسا.
يشار إلى أن تقريراً صادراً عن مجلس الشيوخ الفرنسي، بداية يوليو الحالي، قد كشف عن أن "مؤيدي الإسلام السياسي يسعون إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا" من أجل "إنشاء الخلافة"، ويغذون في بعض المدن "نزعة انفصالية" خطيرة، دون تقديم تفاصيل عن هذه الأعمال. واقترح التقرير، الذي حررته السيناتورة جاكلين أوستاش-برينيو، نحو 40 إجراءً للحد من "التطرف الإسلامي"، من بينها منع التحريض والخطابات الانفصالية ومراقبة بعض المدارس والجمعيات وتوعية المسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام، مبدياً قلقه إزاء الحركات الإسلامية المتشددة التي تدعي أنها غير عنيفة ولا سيما السلفية منها والإخوان المسلمون.
ويرى الكاتب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية في أوروبا، حميد زناز، أن فرنسا في الحقيقة مرحلة ما قبل الحرب الأهلية منذ مدة. في سنة 2016، صرح رئيس المديرية العامة للأمن الداخلي باتريك كالفار أمام لجنة تحقيق برلماني حول اعتداءات 13 نوفمبر 2015 “نحن على أبواب حرب أهلية”. وأضاف “من واجبنا أن نستبق الأحداث ونسد الطريق أمام الجماعات التي تريد في لحظة أو أخرى أن تشعل فتيل المواجهات بين الإثنيات على أرضنا”.
ويضيف زناز في مقالة نشرتها له جريدة العرب الدولية في يونيو الماضي:" وقبل ذلك بعام، نشر الكاتب الصحافي افان ريوفول كتابه “الحرب الأهلية قادمة” حذّر فيه من خطة الإسلاميين في زعزعة النظام العام بإشعال الصراع بين الأقليات في ما بينها وبين الفرنسيين. أما وزير الداخلية السابق في حكومة ماكرون جيرار كولومب فقد تنبأ بحدوث “مواجهات” و”مشاكل عظمى”. وربما ما يؤكد ذلك التنبؤ هو ما جرى في مدينة ديجون حيث التقى ممثلو المغاربيين والشيشان الدينيين في مسجد برئاسة محمد عاتب، إمام تونسي من الإخوان المسلمين ممثلا لمقاتلي مدينة ديجون وإمام شيشاني جاء من مدينة دول البعيدة ليمثل المقاتلين الشيشان وتم التوقيع على وقف إطلاق النار والاتفاق على عقد هدنة بين “الطائفتين”.
وتعليقاً على التقرير الفرنسي، الذي نشره مجلس الشيوخ حول تعاظم الظاهرة الإسلاميو في البلاد يقول زناز:" بعد قراءة التقرير نخرج بنتيجة مفادها أن الإسلام الراديكالي يتخذ كل الأشكال في فرنسا، ويتغلغل في كل نواحي الحياة الاجتماعية، ويحاول فرض معايير اجتماعية جديدة، مستفيدا من الحرية الفردية المضمونة في فرنسا، ليتفشى وينخر البلد تحت يافطة الدفاع عن الحريات الفردية. ولئن قدم التقرير تشخيصا مقبولا للوضع، والذي هو في الحقيقة تحصيل حاصل، فالأمر واضح ومبين منذ عشريتين في كتابات كثيرة، إلا أن الاقتراحات التي خلص إليها، للتصدي لظاهرة الأسلمة جاءت محتشمة في أغلبها ولم ترتق إلى مستوى التحدي الكبير. وطالما عوّدنا السياسيون الفرنسيون على التشخيص التهويلي، بينما العلاج كان سيئا خاصة في قضايا الإسلام السياسي. وهو ما نستشفه من خلال التمعن في مجمل الاقتراحات الـ44 التي اعتقد الذين أعدوا التقرير أنها كفيلة بالحد من تصاعد التطرف في فرنسا."
تجنب المسؤولون الفرنسيون النظر إلى الواقع الموبوء بالإسلام السياسي، لأسباب كثيرة أهمها الخوف من تهمة الإسلاموفوبيا الجاهزة، وضغوط منظمات حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي. كانت استراتيجية الإخوان المسلمين دائما التغلغل المخاتل داخل مؤسسات الدولة، بغرض فرض أيديولوجيا الإسلام السياسي، وقد نجحوا في ذلك نسبيا، فأسسوا مدارس وحتى معهد لتكوين الأئمة. ومع الأسف لا يشير التقرير إلى ضرورة إعادة النظر في ذلك، رغم أنه يرى في الإسلام السياسي تهديدا مستمرا للمجتمع الفرنسي. والسؤال الموجه إلى معدي التقرير هو: لقد أنجزتم عملكم قبل افتكاك الإسلاميين بلدية غوسنفييل، في الانتخابات البلدية الأخيرة، فكيف تتعاملون مع هذا الخطب السياسي اليوم؟
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :