تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«شهادة للتاريخ»:عندما يقفز «رضوان المصمودي» على اسمك ويسطو عليه.. فماذا تفعل؟

0
شارك :

نائلة السليني

تداول الناس هذه الأيام حديثا عن الرسالة المفتوحة التي أرسل بها الإخوان إلى أوباما منذ تولّيه الرئاسة، وتحدّثوا إيماء عن دعم بعض من الشخصيات التونسية المعروفة باستقلاليتها ومعارضتها للإخوان لهذه الرسالة، ولأنّ المسألة محرجة وتنهض بمثابة الشهادة الحية على إحدى ممارسات الإخوان في سبيل بلوغ غاياتهم رأيت من واجبي أن نقف عند هذه الرسالة ونتحدّث فيها حديثا صريحا لا غبار عليه.

أهمّ النقاط التي تضمنتها الرسالة:

  • الدعوة إلى إعادة بناء علاقات قوامها الاحترام المتبادل. وهو شرط أساسي حتى تصطفّ الولايات المتحدة إلى جانب الوجه الصادق للتاريخ، وجه يقوم على أساس من احترام حقوق الإنسان في منطقة الشرق الوسط وحقوق شعوبها المدنية والسياسية.
  • إنّ هذه الشعوب تطلب مساعدة الولايات المتحدّة في نضالها لأجل الحرية والديمقراطية. ولن يكون ذلك عن طريق الحروب، وإنّما عن طريق سبل سلمية. وعلى الولايات المتحدة أن تقف في وجه الاضطهاد الممارس على المعارضين القابعين بالسجون في مصر والأردن والسعودية وتونس وغيرها من البلدان.
  • مطالبة  الولايات المتحدة أن تفرض ضغوطات اقتصادية وديبلوماسية على هذه الدول لإلزامها باحترام حقوق الإنسان.
  • يعترف الممضون أنّ الولايات المتحدة اجتنبت ممارسة هذه المبادرة الجريئة، وذلك نتيجة تخوّفها من صعود الإسلاميين المتطرّفين. وعلى هذا الأساس فمن الواجب على هؤلاء أن يغيّروا ما بأنفسهم وأن يلتزموا بالدفاع عن حقوق النساء والأقليات الدينية ببلدانهم. وفي نفس الوقت فإنّهم ينبّهون إلى أنّ جماعات إسلامية هامّة هي مسالمة وتحترم مبادئ المسار الديمقراطي.
  • يؤكّد الممضون أنّ إدماج هؤلاء الإسلاميين في المسار الانتخابي الديمقراطي ببلدانهم قد أسهم في تغييرهم وتحويلهم إلى أحزاب معتدلة. وإن رُصِد اختلاف معهم في بعض من مبادئهم فإنّه لا يفسد للودّ قضية ولا يمنعهم من خوض تجربة الديمقراطية معهم، ولا يقف هذا الأمر دافعا لإقصائهم من المسار الديمقراطي، بل قد ينتج عنه مواجهات عنيفة بينهم وبين الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة. ولعلّ في الانفتاح الديمقراطي ما يسمح بالتعايش بين مختلف الاتجاهات الإيديولوجية بكيفية تضمن حياة سياسية نظيفة في كامل المنطقة العربية.
  • يعتبر الممضون أنّهم يسهمون في توجيه رسالة فريدة من نوعها إلى حكّام الدول العربية والعالم الإسلامي، وتتلخّص في: أنّ الولايات المتحدة تساند كلّ المناضلين لأجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، سيما وأنّ الرئيس أوباما قد أكّد على ذلك في خطابه الافتتاحي عندما حذّر كلّ المتشبّثين بالسلطة عن طريق الفساد والخديعة ونبّههم أنّهم يصطفّون في الجانب السيء من التاريخ.
  • وفي الختام يتعهّد الممضون على العريضة بالسهر على تطبيق هذه الطموحات الديمقراطية في الشرق الوسط. ولن يكون ذلك إلاّ بدعم أمريكي.

ما يستوقفنا في هذه العريضة:

  • أنّ الرسالة حرّرت في 22 ماي 2009 أي بعد خمسة أشهر من تولّي أوباما رئاسة الولايات المتحدة . ونفهم من ذلك مدى حرص الإرادة السياسية الأمريكية من جهة والإسلاميين من جهة ثانية على البدء في مشروع " الإسلام الديمقراطي هو الحل" الذي سيؤمنهم من خوف .
  • انطلقت الرسالة من شرح للمبادئ العامّة التي لا ينكرها أيّ حداثيّ يعيش تحت ضغط الديكتاتورية، ويحلم بمجتمع هانئ بالمساواة والديمقراطية وحريّة التعبير والضمير، وتنعم فيه المرأة بحقوق كاملة لا تقبل تنازلا أو مساومة.
  • وتأخذ الرسالة اتجاها آخر في الدعوة الملحّة حتى يكون للإسلاميين موقع في السلطة والحكم وحتى يبرهنوا أنّ الشائع من الصفات الهجينة والعالقة بالإسلام ليست سوى أكاذيب، سيما وأنّ العلمانيين الذين أمضوا على هذه العريضة ينهضون شفعاء لهم ويشهدون على أنّهم تغيّروا وفارقوا مبادئ الظلامية التي نشأوا عليها وتربّوا. ولعمري، فإنّ هذه الشهادة من العلمانيين تعدّ بمثابة صكّ التوبة به تتوطّد العلاقة مع الولايات المتحّدة.

هذا أهمّ ما يمكن أن يستفاد من نصّ الرسالة المفتوحة، لكن يبقى سؤال في غاية الخطورة، وهو سؤال سينزع حجابا آخر يلتحف به الإخوان، وظلّ صفة من الصفات الموجودة فيهم غير أنّ التجارب التي يمرّ بها الإنسان هي الكفيلة بكشفها.

هذا السؤال هو: من أمضى على هذه العريضة؟ ومن أمضى من التونسيين العلمانيين عليها؟ ومن نادى منهم بوجوب استئمان الإخوان التونسيين على مصير مجتمعهم ونسائهم وأبنائهم؟

يقال ، والله أعلم أنّ 2000 من مناضلي البلدان العربية والإسلامية أمضوا على هذه العريضة.. ولأنّ العريضة تضمّنت وجوها ذات اعتبار كان لها وقع هامّ في البيت الأبيض الأمريكي. لكن إذا فتحت أيّها القارئ الرسالة وقائمة الإمضاءات المرافقة لها تجد أنّها لا تتجاوز 300 إمضاءا، ولا نقف على إشارة إلى أنّ هذه الأسماء تمّ اختيارها على حساب أخرى. وأنت تجد إمضاءات شخصية يتصدّرها إمضاء رضوان المصمودي باعتباره رئيسا لمركز دراسة الإسلام و الديمقراطية، وكم هي عجيبة تلك الموافقة بين مضمون العريضة واسم المركز!!! ؛ ثمّ يليه في الترتيب إمضاءات لممثلين عن مراكز بحث نذكر منها مركز كارنجي وفريدوم هاوس...

ثمّ نجد قائمة في أسماء من أمضوا على العريضة من دول إسلامية مختلفة: المغرب، العراق، مصر، العربية السعودية، الإمارات ، تركيا ، سوريا، وحتى من ألمانيا وانقلترا ...

السؤال الثاني: من، من التونسيين الذين أمضوا على العريضة في تلك الفترة بالذات، أي سنة 2009؟

قائمة التونسيين يا سادتي تحتوي على 26 اسما. ولعلّ أهمّ ما يستوقفك هو التالي:

  • كان الاختيار مدروسا فأنت تجد في الصدارة : نائلة السليني وخديجة عرفاوي ، والمرحوم أحمد الجدي، وسلوى الشرفي وأحمد ونيس وحمادي الرديسي ورافلة المرابط والمرحوم أحمد الحذيري.

لسائل أن يسأل وهل تفطنت الآن إلى هذه العريضة التي أمضيتها؟ في الحقيقة لا، فقد أخبرني بها بعض الأصدقاء في 2016 واتصلت ببعض من ذكروا في القائمة طالبة منهم ردّة فعل على هذا السطو على أسمائنا، لأنّني واثقة أنّني لم أمض، وتكفّلت إحدانا بمراسلة السيد المصمودي مطالبة بنسخة من إمضاءاتنا لكنّ ردّه كان في شيء من السخرية ليقول إنّ العطلة الصيفية بجربة هي أهمّ من أن يردّ على المراسلة وأنّ مركزه اعتمد في الإمضاء على هذه العريضة "على النقر على الحاسوب" لا غير، وعلى كلّ فهو، فيما معناه، لا يتشرّف بهذه الأسماء.

ذاك هو ردّ هذا الإخواني الذي تسلّط على أسماء أناس عرفوا باستقلاليتهم، وذلك سعيا إلى تزيين صورة الإخوان في البيت الأبيض. ولأنّ المسألة صارت محرجة بالنسبة إلينا رأينا من واجبنا أن ندلي بشهادة للتاريخ في إحدى عمليات السطو التي قام بها الإخوان: سطو على كرامتنا. وسطو على شخصيتنا. وسطو على تاريخنا. واليوم يعلن نيته في الترشّح للرئاسية.. فبأيّ اسم سيتقدّم؟؟؟ وما هو الوجه الذي سيستعيره ليسوّقه بين الناس؟

قائمة الإمضاءات يا سادتي تحمل في مضمونها الشهادة على تلاعب الإخوان وعلى تزويرهم، وإليكم الأدلّة:

اشتملت القائمة على تكرار لاسمين: خديجة الشريف ، وأحمد ونيس، لأنّ من يعرف السيد أحمد ونيس يعلم أنّ الاسم الكامل للرجل أحمد عبد الرؤوف ونيس، وسعيا إلى " التمطيط " في القائمة كتب رضوان المصمودي أحمد ونيس أوّلا ثمّ أردف اسم عبد الرؤوف ونيس وكلاهما يشغلان منصبا ديبلوماسيا.

ورد اسم الأستاذ أحمد الحذيري، ومعلوم عند القاصي والداني أنّ الرجل كان من المقرّبين إلى نظام بن علي واشتغل في مناصب سياسية هامّة: فهو من أشرف على بعث الإذاعة الثقافية، والغريب أنّه في سنة 2009 كان يشغل خطة مدير رئيس تحرير جريدة الحرية. ولم يكن بن علي ونظامه بالغرّ الساذج حتى يغفل عن هذه القائمة واشتمالها على شخصية هي محلّ ثقة عنده، ولم يكن أيضا الأستاذ الحذيري بالأبله حتى يرتمي في أتون الإخوان مضحيّا بمكانته في الدولة.

نقطة أخيرة: لو كان الأستاذ حمادي الرديسي من المطالبين بحكم الإخوان فكيف نفسّر اعتداءهم عليه بباب بنات في جانفي 2011؟ وإن كانت السليني من أنصار حكم الإخوان فبم نفسّر مواجهتها لزعيم الإخوان تحت قبّة الحمراء في ربيع 2011؟ وتنبيه الناس إلى سياسة الازدواجية والمخاتلة التي يسلكون؟؟ ألم يكم من الأفضل أن يصطفّ هؤلاء، وقد تعهّدوا للرئيس أوباما برعاية الإخوان في مسارهم الديمقراطي؟؟

أسئلة كثيرة تزدحم في ذهن من سلب اسمه، ومسخت شخصيته، وإحساس كبير بالغبن لأنّك تجد نفسك مع من يحلّلون جميع السبل في سبيل الظفر بمطمحهم. ولعلّ المصمودي في القفز على الأسماء لا تضاهى، وأذكّركم في هذا السياق تدخّله التاريخي في دفاعه عن النهضة التي اتهمت في استغلال موتى لتمويل تنظيمهم، كان تعليله أنّ ذلك يعتبر بابا من أبواب الوصية في الميراث. فحذار أيها القرّاء قد يكون المصمودي اقتنص أسماءكم لمآرب أخرى. فتثبّتوا يرحمكم الله حتى لا تضيع أموالكم وصيّة للمصمودي وإخوانه.

ولو لا قليل من رصانة لاندفع المرء محلّلا مقالة الفقهاء فيمن يسطو، لأنّ السرقة في نظرهم أهون من السطو، ولأنّ السطو هو الوجه الآخر من أوجه الحرابة.

وسوم
شارك :