تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

سيرة الرجل «الشبح»: حمادي الجبالي كما عرفته

0
شارك :

نشرت هذه المقالة لأحمد المناعي على مدونته الشخصية. وهي مقطع صغير من مذكرات شخصية يعتزم، المناعي، مدير المعهد التونسي للعلاقات الدولية والخبير الأممي السابق وأحد المعارضين البارزين ضد نظام بن علي، نشرها في المدة القادمة. ولعل تجربة المناعي الثرية والطويلة داخل تونس وخارجها، ستجعل من هذه المذكرات، مادة هامة ومثيرة للجدل، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الحركة الإسلامية التونسية، الغامض والمجهول، خلال سنوات المهجر.

                                                                        ***

أحمد المناعي

بعيد الايقافات التي طالت عناصر الاتجاه الإسلامي في شهر رمضان – جويلية 1981 اتصل بي الصديق علي الجبالي وكان مهندسا نائبا لمدير الهندسة الريفية في وزارة الفلاحة والذي أعرفه منذ سنة 1968 في باريس ولا علاقة له بالجبالي موضوع الورقة وقال لي إن فاضل البلدي – الذي أعرفه مع شيخه في السبعينات يريد لقائي وحدد لي موعدا أمام داره في نهج اليونان بتونس

كنت في الموعد ولم أنتظر طويلا حيث جاءت سيارة فيها ثلاثة اشخاص لم أكن أعرف منهم أحدا واتجهت بنا إلى أريانة ونزلنا أمام فيلا كبيرة في مدخل المدينة وكان قد سبقنا إليها كثير من الشباب لم أكن اعرف أيا منهم. بادرت بتقديم نفسي لأحدهم فأنكر عليّ ذلك إذ يبدو أن الاجتماع سري ولا يجوز أن يعرف الحاضرون بعضهم بعضا وخرجت من القاعة لأدخن سيجارة وأفكر فيما وقعت فيه. لم يطل الاجتماع طويلا فقد وقع تعيين لجنة من ثلاثة اشخاص لمتابعة ملف المساجين وإقرار خطة للدفاع عنهم والتعريف بمظلمتهم. كنت أحد أفراد هذا الثالوث بالرغم من أنني لم أطلب ذلك ولا أحد يعرفني من الحضور أما العضوان الآخران فهما كما عرّفا بنفسيهما: حمادي الجبالي وعباس شورو توأم الصادق شورو.

اجتمعت هذه اللجنة مرة أولى وأخيرة عند عباس شورو في شقته في غابة رادس حيث تبين أن الجماعة وأنا منهم لا تملك أدنى تجربة لخوض هذه المغامرة القانونية والإعلامية وليس لها أية معرفة بشبكات المنظمات الحقوقية وأن الملجأ الوحيد يتمثل في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. واستقر الرأي على التواصل مع فرع سوسة الذي يشرف عليه اثنان من أصدقائي وهما على التوالي: د. محمد فرحات وهو جراح كبير بمستشفى فرحات حشاد والطيب قاسم، ناشر وصاحب دار الكتاب الشهيرة وقد اكتشفنا في الهيأة رجلا ثالثا من الطراز الرفيع وهو عليّ أرناووط المعلم المتقاعد وكثيرا ما كنا نجتمع في داره على شاطئ بوجعفر.

لسائل أن يتساءل ما دخلي في هذه القضية وأنا لا أمت لهذه الحركة بأية صلة ولا أنا محامي أو رجل قانون أيضا. الحقيقة تتمثل في الوفاء بوعد قطعته على نفسي فقد زارني راشد الغنوشي الذي عرفته اول مرة في باريس في أكتوبر سنة 1968 فجر ذات يوم قبل إيقافه بحوالي ثلاثة أسابيع وطلب مني الالتحاق بحركته باعتبار قِدَم صداقتنا وبالخصوص أنني لست أقل منه حمية على الإسلام فقد عرف بعض نشاطي السابق في الستينات في فرنسا كما أنني قدمت له بعض الخدمات في السبعينات في تونس في سنة 1978 منها ترتيبي لقاءات له مع عبد الله فرحات وزير الدفاع ومصطفى الفيلالي رئيس اللجنة المغاربية والأستاذ محمد الطالبي.

كان جوابي صريحا وواضحا أني حرمت على نفسي الانخراط في اي حزب سياسي مهما كان قانونيا أو سريا فكيف لي أن انخرط في حزب لا أعرفه إلا من خلال رئيسه إضافة إلى أنني كنت أرفض الخلط بين الدين والسياسة عملا بما تعلمته عن مالك بالنبي منذ مطلع الستينات وهو مرجعي في هذا الميدان وأخيرا أنني كنت وقتها متعاقدا مع إدارة الخدمة الوطنية التي تمنع عليّ ذلك وأضفت أنني سأساعده وأدافع عنه وعن أصحابه بما استطعت لو حدث مكروه.

 وقد حاولت أن أقحم المنصف المرزوقي في هذا الحراك واتصلت به ولكن لم يبد استعدادا كبيرا _ راجع ورقتي المرزوقي كما عرفته_ وأردت أن أضيف للعمل المحلي وجها دوليا فراسلت الرئيس أحمد بن بللة في لوزان بسويسرا الذي ساهمت في تأسيس جمعية للدفاع عنه في سنة 1969 في باريس كما راسلت الأستاذ نجم الدين بماط وكان وفتها مديرا للثقافة بمنظمة اليونسكو وهو نجل الأستاذ حيدر بماط المفكر الإسلامي وصاحب مؤلفات كثيرة من بينها وجوه الإسلام. Visages de l Islam.

وفي السنة التالية حضرت انا والأستاذ محمد الطالبي المؤتمر الدولي لمنظمة الإسلام والغرب المنعقد باليونسكو وفاجأت الجميع عندما طرحت قضية المساجين الإسلاميين في تونس وقد التقيت في هذا المؤتمر بشخصيات كبيرة من عرب وغيرهم مثل الأستاذ عزام حفيد أول أمين عام للجامعة العربية وهو من أول وأبرز الناشطين الحقوقيين العرب في تلك الفترة وكان بصدد تكوين جمعية حقوقية إسلامية والأستاذ والصديق رشيد بن عيسى الموظف باليونسكو.

انقطعت العلاقة مع حمادي الجبالي لفترة طويلة حيث تحولت للعمل في المغرب الأقصى ونسيت القضية التي أخذت مجراها الطبيعي الى ان حلت في سنة 1984 بإطلاق سراح المساجين بعفو رئاسي ولكن الجماعة لم تنسني. فقد بعث لي بعض الهاربين منهم في باريس كيسا من أعداد نشريتهم إلى عنواني في المغرب وهو ما سبب لي مشاكل كبيرة مع الأمن المغربي ومع الأمن التونسي في الحدود عند رجوعي الى تونس.

  • محاكمة سنة 1987

على إثر التفجيرات الإرهابية التي وقعت في بعض فنادق سوسة والمنستير ليلة 3 أوت 1987 وقع تمشيط لكامل المنطقة السياحية بين المدينتين وكان من بين المعتقلين مجموعة من 37 شابا من الوردانين والساحلين وسيدي عامر من ولاية المنستير كانوا في مخيم كشفي وكانت الكشافة احدى المنظمات التي استولى عليها التنظيم وقتها وكان من بينهم ابني بلال وهو تلميذ دون الخامسة عشرة سنة. لقد تحولت النار إلى الحجر كما يقال ويمكن لكل شخص أن يتصور حرقة الوالدين في مثل هذه الحالة.

وقد صاحبت الصديق صالح منصور إلى صفاقس لمتابعة محاكمة أخيه عبد الناصر أمام محكمة الاستئناف في صفاقس بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص فيها كما تابعت محاكمة راشد الغنوشي وجماعته أمام محكمة امن الدولة وذلك عن طريق المحامي عبد الرؤوف بوكر كما قابلت رئيس المحكمة المرحوم الهاشمي الزمال في سوسة إبان المحاكمة وهو صديق العائلة منذ السبعينات. غير أن أكبر جهد بذلته في تلك الفترة كان يخص محاكمة ابني بلال وما سمي بجماعة الوردانين وقتها وهي موضوع ورقة لم تنشر بعد.

لم يظهر حمادي الجبالي على الساحة في تلك الفترة فقد هرب الى الخارج وقد تحدث د. الصحبي العامري بكثير من التفاصيل عن هروبه ولم يظهر من جديد إلا في سنة 1988 وأذكر أنني التقيته بالصدفة مرة على مدرج سوق الخضار في باب الجديد في سوسة وتبادلنا السلام ثم مرة أخرى في مقر مجلة «ريالتي» وقد كنت أسعى بمحض إرادتي وانطلاقا من قناعتي الذاتية الى دعم مطلب الحركة في الاعتراف القانوني. قابلت يومها الهادي المشري رئيس التحرير وكان مؤيدا للفكرة وقابلت أيضا مدير الجريدة منصف بن مراد ولم يكن على رأيي بل ضد كل اعتراف.

في الفترة التي سبقت الهروب ذاع صيت الجبالي «كزورو أو شبح» تونسي يظهر متى وحيث أراد ويتلاعب بشباك الأمن وقد ذكرت ذلك في مقال صدر لي في مجلة المغرب بالفرنسية في ماي 1989. وقتها لم أكن على اطلاع على علاقته بتفجيرات الفنادق.

بعد الانتخابات التشريعية لشهر أفريل 1989 دعانا د.لزهر الشملي وهو عضو القائمة المستقلة في دائرة المنستير إلى جلسة تقييم للحملة انتظمت بداره في قصر هلال. وقد فوجئت بحضور الجبالي معنا كونه لا علاقة له مباشرة بالانتخابات لكنه ظهر وكأنه صاحب الأمر والنهي وقد وضح موقف حركته من الحملة فهي ممتازة أمّا النتائج فهي مشرفة حسب رأيه وأضاف بأن الحركة سيكون لها مرشح للرئاسية في قادم الأيام(4). ولم يتطرق يومها لأي تزوير ولا نسبة 60 وحتى 80 % لفائدتنا كما روجت له النهضة بعد ذلك وعلى مدى 20 سنة. يومها انقطع حبل التواصل مع الجبالي.

  • من 7 نوفمبر 1987 إلى نهاية 1990

لا بد من التذكير بعلاقة النهضة بالسلطة في تلك الفترة. لقد حفظت السلطة قضية محاولة انقلاب المجموعة الأمنية بل لم تنسبها للنهضة بتاتا وأطلقت سراح كل المورطين مدنيين وعسكريين وأعادت المدنيين إلى سالف وظائفهم ومكنت الحركة من التوقيع على وثيقة الميثاق الوطني عبر أحد عناصرها ومنحتها ترخيصا لإصدار جريدة الفجر ورخصت لاتحاد طلاب خاص بها ثم عينت عبد الفتاح مورو في المجلس الإسلامي الأعلى وأعطى الرئيس بن علي اسم النهضة للحركة وهو ما يجهله الكثيرون.

كل ذلك مقابل التزام الغنوشي بإنهاء كل تواجد لحركته في المؤسسات العسكرية والأمنية. إلا انه ومع انتهاء الانتخابات عادت حليمة الى عادتها القديمة ويوم 18 ماي 1989 أي يوم خروج الغنوشي للجزائر في سيارة للمراسم التونسية بدأت الجماعة في التخطيط لانقلاب 1991.

وفي أواخر ديسمبر 1990 دعي الجبالي المدير المسئول عن جريدة الفجر الى المحكمة بتهمة نشر مقال للأستاذ محمد النوري ينتقد فيه القضاء العسكري. فبدأت وقتها تنكشف خيوط المؤامرة وهرب الكثير من النهضاويين الى الجزائر ولكن حمادي الجبالي استجاب لدعوة المحكمة وهو مقتنع بأنه لن يطول سجنه فيما إذا سجن. لكنه سجن وسيطول سجنه ويبدو أنه راق له المقام فيه.

 فبعد محاكمات صيف 1992 ارتأى النظام ان يتخلص او يخفف من عبئ المساجين ويروى لي بعض سجناء تلك الفترة ان السلطة قد جمعت مسئولي النهضة بقيادة الجبالي في سجن المهدية سنة 1994 وعرضت عليهم إطلاق سراح كل المساجين ربما على مراحل متقاربة بشرط واحد ألا وهو القطع مع الغنوشي في الخارج. وبعد ايام وليال من المناقشات الحامية رفضوا عرض الحكومة حيث ابى الجبالي ان يجدد لعب الدور الذي لعبه مورو في سنة 1984 وهكذا استحق هو ورفاقه ان يظلوا قابعين في السجون حتى سنة 2008 بالنسبة لبعضهم وشيخهم يتاجر بمعاناتهم وعذابات اهلهم.

حمادي الجبالي كان الوحيد الذي أعرفه من مساجين النهضة وحرصت على التركيز عليه كسجين رأي وباعتباره صحفي في كل البيانات التي أصدرتها منظمة تنسيقية الدفاع عن الحريات في تونسCoordination pour la défense des libertés en Tunisie التي أسستها نهاية سنة 1991 في باريس او بيانات المعهد التونسي للعلاقات الدولية الذي تأسس سنة 1998 كما حرصت على أن اتصل هاتفيا ودون ذكر اسمي بزوجته بانتظام لأسأل عن أحواله وذلك الى حدود سنة 2006.

  • أخرجونا من هذا القبر

للصبر حدود ولم يعد الجبالي يطيق السجن فأرسل صيحة استغاثة في ربيع سنة 2005 ان اخرجونا من هذا القبر وتلقتها مجموعة من أبناء النهضة المستقيلين منها في باريس وقرروا ان يتحركوا لمساعدة اخوانهم في غياب اي تحرك جاد لشيخهم لإنهاء هذه المأساة. اتصل بي محمد العماري وعبد السلام لسود ولزهر عبعاب وتشاورنا في الأمر واتفقنا على ارسال رسالة مفتوحة الى الرئيس بن علي ندعوه فيها الى إطلاق سراح مساجين النهضة لأسباب انسانية وكان ذلك بعد نقاشات طويلة وجمع للتوقيعات وبعد التغلب على مناورات الغنوشي لإحباط المبادرة وهو ما سيقع ذكره بالتفصيل في ملف خاص بالمساجين.

وقد كنت من أول المهنئين عندما أطلق سراحه في تلك السنة وتواصلت معه مرارا ناصحا إياه بالنأي عن السياسة إلى حين والاهتمام بترميم عائلته. ولم أكن أعلم وقتها باتصالاته بالسفارة الأمريكية في تونس وفي المرة الأخيرة قلت له إنكم حاولتم الانقلاب على النظام وما عليكم إلا تحمل مسؤوليتكم وقطعت كل اتصال به.

خلال التسعينات اطلعت على بعض مآثر حمادي الجبالي في فرنسا.

كانت هناك منظمة طلابية اسمها جمعية الطلبة الاسلاميين AEIF في فرنسا أسسها الأستاذ محمد حميد الله وهو مفكر مسلم من أصل هندي سنة 1963 لخدمة الطلبة المسلمين وكانت بعيدة عن السياسة بحسب قانونها الأساسي. واندس فيها الاخوان من بداية السبعينات وفي سنة 1974 استولوا عليها بقيادة الجبالي وفرضوا على اعضائها مبايعة الغنوشي وهي نفس الجمعية التي ادعى هذا الأخير في سنة 2011انه انتخب امينها العام سنة 1969 بالرغم من انه لم يدخلها مطلقا. ويمكن اعتبار السطو على هذه الجمعية اول انقلاب ناجح للإخوان التونسيين.

لا أذكر في اتصالاتي بالرجل منذ الثمانينات أن قرأت له مقالا أو تحليلا أو سمعته يوما يذكر اسم كاتب أو شاعر أو فيلسوف أو فنان أو أديب تونسي أو عربي أو أجنبي بما يستشف منه علاقة بالفكر والثقافة وأهلهما ولعل التونسيين الذين رفعوه يوما إلى رئاسة الحكومة في سنة 2011 كانوا أول من تنبه لذلك. والملاحظ انه كان يقدم لأبناء حركته بأنه الرجل المثقف الذي يتقن الحديث بثلاث لغات. والسياسي المحنك. صاحب العلاقات. فضلاً على أنه الرجل الشبح.

وقد كتبت له رسالة مفتوحة بتاريخ 17 فيفري 2003 وثانية فيشهر جوان 2005 بمناسبة تجديده للإضراب عن الطعام ولغاية اقناعه بالكف عنه لعدم جدواه.

  • ملاحظة اخيرة لم يتصل بي الجبالي يوما منذ اتصالي الأخير به في سنة 2006 ولم يبعث لي بسلام أو شكر وإنما سأل صديقي د. نزار ابراهم مرة في 2017 ان كنت قد سجنت… وكان في ذلك وفيا للثوابت الأخلاقية لطائفته التي يبدو أن شيخها قد أفتى بمقاطعتي الكاملة منذ أن صرحت على قناة الجزيرة مباشر ليلة 14 جوان 2008 بأن حركة النهضة قد سعت لقلب النظام مرتين في 1987 و2001... ومع ذلك فهي تدور كما قال غالاي.
وسوم
شارك :