تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأوبئة وكيف تحدث عنها القدامى؟

شارك :

نائلة السليني

إنّ القارئ لتاريخ الأوبئة، وإن تنوّعت، يلاحظ أنّ جذورها واحدة رغم تعاقبها في الزمن. وأنّه يمكن تصنيفها بسهولة. وفي هذا السياق نذكر صنفين اجتمع فيهما أوبئة متعدّدة لكنّها فروع من وباء واحد. أمّا الصنف الأوّل، فهو يندرج ضمن ما عرف بطاعون جوستينيان، وكان أوّل ظهوره حوالي 542م ، ويشهد المؤرّخون أنّ أوّل ظهوره كان في الإمبراطورية البيزنطية، وحصد ما يقرب عن 50 مليون من الهالكين. ولعلّ أهمّ ما ذكر عن هذا الطاعون هو أنّه دام قرنا..

واستنادا إلى ما ذكر نقول إنّ العرب عاشوا مع هذا الوباء الذي فرّخ وكانت له فروع عرفت بأصناف ثلاثة من الأوبئة هي : طاعون عمواس في السنة 18 للهجرة زمن خلافة عمر، والطاعون الجارف سنة 69 للهجرة في عهد الدولة الأموية ،وطاعون النساء أو العذارى والأشراف سنة87 للهجرة؛ اصطلح عليه بهذا الاسم لأنّه كان يصيب العذارى والنساء والأشراف دون الذكور من العامّة؛ وجرفت هذه الأوبئة خلقا كثيرا. فالطاعون في القديم قد يعيش سنوات بل قرونا، فطاعون عمواس مثلا انتشر في عهد عمر سنة 18 هـ وظلّ مخيّما على العرب إلى سنة 69هـ، حيث نجد إشارة واضحة إليه في كتاب البداية والنهاية لابن كثير: وروى ابن كثير في الجزء السابع من كتابه الموسوعي "البداية والنهاية"، أخبار هذا الوباء الذي ضرب بلاد الشام كاملة.

ويندرج الصنف الثاني  في حزمة من الأوبئة يعتبرها المؤرّخون أكثر الأوبئة فتكاً على مر التاريخ، وهي جميعا تنضوي تحت راية الطاعون الدملي، والذي سُمي أيضاً «الموت الأسود»، وقد انتشر بداية من عام 1347 م ، وتسبب في وفاة ما يقرب من 200 مليون شخص حول العالم، ويعتقد أنه نشأ في الصين أو بالقرب منها، ثم انتقل إلى إيطاليا وبعد ذلك إلى باقي أنحاء أوروبا، ثم إلى مختلف دول العالم.

ويتناسب هذا التاريخ مع ما ذكره المقريزي والسيوطي عن طاعون الشام الذي اجتاح معظم مناطقها بداية من 748 هـ. ثمّ ظهر في حلب بعد ما يقارب الأربعين سنة وعرف بالفناء العظيم، وكان ذلك حوالي 795 هـ. ويروى أنّه حصد قرابة 150 ألف من الناس. ثمّ يظهر طاعون مصر الذي احتدّ سنة 806 للهجرة.

نتيجة لما ذكرنا نقول: إنّ هذه الفترة التاريخية عاشت فيها الإنسانية تحت ظلّ هيمنة الطاعون.. وهي فترة طويلة قد ينتشر فيها بضراوة وقد تأتي عليه وقت سكينة، لكن يظلّ في حال شبيهة بالسبات الشتوي يقتنص الفرصة لينقضّ من جديد. ما يميّز هاتين الفترتين الزمنيتين، هو أنّ المجتمعات تعيش شبه انفصال عن بعضها بعضا، ولعلّ الرابط الوحيد بينها كان قوامه التجارة البريّة والبحرية لا غير. نتج عن ذلك، أنّ الوباء إذا ما انتشر في بلد فإنّ انتشاره خارج ذلك البلد بطيء، بل ويخضع لمناسبات مثل قدوم قوافل أو بواخر.. ولذلك تميّزت سرعة انتشاره بالبطء.

وفي نفس الوقت يجوز لنا أن نستنتج أنّ علاجه ظلّ رهين ما يبلغه الأطباء في تلك المنطقة، بل وحتى الحدّ من انتشاره، وجميع ذلك كان مرتهنا بطبيعة الحكم وازدهار البلد اقتصاديا " ولنا فيما ذكر المقريزي عن محنة مصر بالطاعون في 806 خير مثال؛ حيث أجاد المقريزي الربط بين انتشار الطاعون وبقائه بالحالة الاقتصادية المترديّة للبلاد، ويقدّم وصفا دقيقا لتردّي الوضع بها. لا شكّ في أنّ المجتمعات السابقة كان لها تاريخ حافل مع الأوبئة؛ وقد حفظت لنا المصنّفات القديمة شواهد وتحاليل قيّمة تفيدنا اليوم في معرفة هذا الوباء الذي داهمنا وغيّر نمط حياتنا وعرّى المسلّمات التي كاد أكثر الناس يعتبرونها مسلّمات تنافس عقائدهم.

والمفيد من روايات القدامى لما عاشوه زمن الأوبئة وتكبّدوا من محن أنّهم، مهما اختلفت بينهم الأزمنة، فإنّهم وقفوا عند نفس الظواهر التي كانت سببا مباشرا في ظهور الوباء واستفحاله. واختزلوا هذه الأسباب في: غلاء المعيشة وفساد الحكم ثمّ في مرحلة لاحقة ظهور المجاعة التي قد تظهر متزامنة مع انتشار الوباء. فالعلاقة حميمية بين الوباء واستشراء الفساد مهما كان صنفه، والرابط بينها هو المجاعة التي إذا بلغها المرء تجاوز القيم والمبادئ الدينية بحثا عن قوت مهما كان نوعه حفاظا على حياته. ورأيت من المفيد الوقوف عند بعض من الأمثلة التي اعتنى بذكرها المقريزي والسيوطي :

فقد اعتنى السيوطي بنقل أخبار مجاعة مصر في نهاية القرن السادس الهجر ولعلّ أهمّ ما أورده هو التالي:

وفي سنة ست وتسعين [وخمسمائة] توقف النيل بمصر [...]. وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، ورؤيَ من ذلك العجب العجاب، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وتمزق أهل مصر كل مُمَزق. وكثر الموت والجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق. وهلك أهل القرى قاطبة بحيث أن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مُفتّحة وأهلها موتى. وقد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها. قال: وصارت الطرق مُزرّعة بالموتى، وصارت لحومها للطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين [وخمسمائة]“.

أمّا المقريزي فقد أسهب في وصف هذه المجاعة المصرية لينقل لنا صورة قاتمة سوداء عن أحوال هذا المجتمع الإسلامي:

"ثم وقع الغلاء في الدولة الأيوبية، وسلطنة العادل أبى بكر بن أيوب، في سنة ست وتسعين وخمسمائة. وكان سببه توقف النيل عن الزيادة وقصوره عن العادة (...) فتكاثر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة من الجوع. ودخل فصل الربيع، فهب هواء، أعقبه وباء وفناء. وعُدم القوت حتى أكل الناس صغار بنى آدم من الجوع. فكان الأب يأكل ابنه مشوياً ومطبوخاً، والمرأة تأكل ولدها. فعوقب جماعة بسبب ذلك، ثم فشا الأمر وأعيا الحكام. فكان يوجد بين ثياب الرجل والمرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه. ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار، فينتظرها حتى تتهيأ، فإذا هي لحم طفل. وأكثر ما يوجد ذلك فى أكابر البيوت. ووجدت لحوم الأطفال بالأسواق والطرقات مع الرجال والنساء مختفية. وغُرِّق فى دون شهرين ثلاثون امرأة بسبب ذلك. ثم تزايد الأمر حتى صار غذاء الكثير من الناس لحوم بنى آدم بحيث ألفوه، وقل منعهم منه، لعدم القوت من جميع الحبوب وسائر الخضروات وكل ما تنبته الأرض".

ولعلّ أبشع مجاعة هي تلك التي عاشها العالم الإسلامي في منتصف القرن الثامن للهجرة، وكانت شبه عامّة"وفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة حصل الغلاء المفرط بخراسان والعراق وفارس وأذربيجان وديار بكر حتى جاوز الوصف، وأكل الأب ابنه، والابن أباه، وبيعت لحوم الآدميين في الأسواق جهراً، ودام ذلك ستة أشهر". ويرى المقريزي أنّ سوء التدبير وفساد الرأي كانا سببا مباشرا في محنة المصريين عندما أصيبوا بالطاعون في 806هـ. يقول:

 إنّ أصل هذا الفساد، ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، كالوزارة والقضاء ونيابة الإقليم وولاية الحسبة وسائر الاعمال، حيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل.".  وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد، وانهمكوا في اللذات لتحق عليهم كلمة العذاب. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.

ويلاحظ القارئ ذاك التداخل البيّن بين انتشار الطاعون والمجاعة، مثلما يقف على أنّ جميع الأخلاقيات تغيّب فيتحوّل الإنسان إلى وحش والغلبة للقويّ. هي مشاهد تذكّرنا بمقاطع من التسجيلات لجثث مبعثرة في شوارع إيران، انتشرت في مواقع الاتصال الاجتماعي. غير أنّ المقارنة لا تستقيم طبعا، وذلك لاعتبارات كثيرة.

والخلاصة مما ذكرنا، تتنزلّ في المسألة التالية: هل نعيش اليوم بحقّ طاعونا؟ هل إنّ الكورونا ترتقي إلى مفهوم الطاعون كما عاشته المجتمعات الماضية؟ أم هو مصنّف ضمن حزمة من الطواعين التي تسعى في عصورنا الحاضرة إلى اختراق المجتمعات ولولا الذكاء الاصطناعي الذي صارت له القدرة على حماية المجتمعات من الأوبئة لكنّا مثل أسلافنا نعاني القحط والفناء في أبشع صوره.

عبرة ثانية نذكرها، فصحيح أنّنا تجاوزنا وبمسافات عملاقة أوضاع الأجداد والأسلاف، لكن ظلّت مظاهر أخرى ثابتة لم تتغيّر ولعلّ أهمّها الفساد وغلاء المعيشة اللّذين كان من الممكن أن تكون لهما انعكاسات سلبية على المجتمعات الهشّة لولا حضور قوى اقتصادية ليس من مصلحتها أن تظلّ مجتمعات أفخاخا للوباء فتظلّ خطرا يهدّد الإنسانية جميعا. وتلك مقاربة ما كان للقدامى أن يتمثّلوها

الكلمات المفاتيح:
شارك :