تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«تبلبل» الإيديولوجيّات خدمةٌ للشعبويّات

0
شارك :

نادر الحمامي

سيكون التونسيّون أمام صناديق الاقتراع بعد أقلّ من شهر لانتخاب رئيس للبلاد من ضمن ستة وعشرين مترشّحة ومترشّحا إلى حدّ الساعة قد ينقص عدد إذا كانت هناك انسحابات أو قرارات من الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات ضدّ مترشّحين بالاستبعاد. في كلّ الأحوال هذا الموجود الآن في الواقع. والناظر في القائمة الحاليّة يلاحظ بيسر شديد جدّا إمكانيّة جمع المترشّحين في مجموعات مع صعوبة في توزيع بعض الأسماء ضمن مجموعة بعينها، بحكم عدم وضوح توجّهاتها "الإيديولوجيّة". وعموما نجد نظريّا من يصنّفون في خانة اليسار وهناك من ينتمي إلى اليمين الديني، واليمين الليبرالي، ويمين الوسط، وهناك مرشّح محسوب على القوميّين، ونقف أيضا على من لا يمكن تصنيفهم إيديولوجيّا وفكريّا، وسمهم الإعلام أحيانا، خطأ، بالبراغماتيّين. غير أنّ هذا التصنيف، وهو ذو طابع فكريّ وإيديولوجيّ يبقى نظريّا جدّا في الحالة التونسيّة اليوم لعدّة أسباب نشير إلى بعضها، وهي أسباب مترابطة.

 بداية  لم نسمع أحدا من المترشّحين أثناء خطاباته أو مداخلاته يصنّف نفسه بوضوح فيقول إنّه يساريّ أو يميني أو إسلاميّ أو قومي أو ليبرالي أو عروبي أو اشتراكي أو غير ذلك من التصنيفات التي نعرفها ودرسناها في ما يتعلّق بالتيّارات الفكريّة والسياسيّة. إنّنا يمكن أن نلاحظ تحاشيا كبيرا للإفصاح عن التوجّه الفكري والإيديولوجيّ ليتمّ تكرار الشعارات نفسها بالنسبة إلى كلّ المترشّحين تقريبا التي تتلخّص في عبارات "وسطي اجتماعي ديمقراطي". مثل هذا التوصيف الذي يطلقه المترشّحون على أنفسهم ومن ورائهم أتباعهم لا يعدو أن يكون من باب استمالة الناخبين لا أكثر ولا أقلّ إذ أنّه يجنّبهم أيّ نوع من أنواع التصنيف الواضح في خانة إيديولوجيّة معيّنة، وهو من جهة أخرى يلعب على ضرب من التخمين في ما يرغب فيه الناخب التونسي في أذهان المترشّحين أي ذلك التصوّر القائم على أنّ التونسي ميّال إلى ما يسمّى الوسطيّة والاعتدال فكريّا، وأنّه يبحث عمّن يهتمّ بقضاياه الاجتماعيّة ومشاغله اليوميّة وظروف حياته وإعادة الاعتبار إلى دور الدولة اجتماعيّا، وأنّ التونسي بعد تجربة ما أطلق عليه الانتقال الديمقراطي غدا من الصعب أن يقبل بغير ما عاشه من حريّة بشكل أو بآخر وبقطع النظر عن تقييمنا لها. إنّ اللافت للنظر إذن أنّ هذه الشعارات القائمة على نوع من تقديم صورة للمواطنين يتصوّر المترشّحون أنّ الناخبين المفترضين يفضّلونها محت كلّ التصنيفات الإيديولوجيّات والخلفيّات الفكريّة التي ينحدر منها المترشّحون نظريّا فنجد أنّ الليبرالي واليساري والقومي والاشتراكي واليميني يتقاسمون الشعار نفسه، ونوع من تحليل الخطاب نجدهم يتجنّبون عن وعي أيّ إعلان عن إيديولوجيّاتهم، ليبقوا جميعا تقريبا في خطاب عامّ وفضفاض يحتمل كلّ شيء بل قد يحتمل الشيء ونقيضه أحيانا استجداء للأصوات بقطع النظر عن الرؤية الواضحة والاتّجاه الفكري الصريح.

هذا "الاستجداء" إضافة إلى النرجسيّات والزعامتيّة، هو ما أدّى، في ما أدّى إليه، إلى وجود خمسة أو ستّة أسماء أحيانا تنتمي نظريّا إلى التيّار الفكريّ نفسه ولا نجد بينها فوارق جوهريّة في المواقف من القضايا الكبرى التي تدخل في إطار صلاحيّات رئيس الجمهوريّة المضبوطة دستوريّا. وأدّى هذا "الاستجداء" أيضا إلى ما أسميناه "تبلبل" الإيديولوجيّات، قياسا على "تبلبل الألسنة" كما أطلق عليها قديما في مؤلّفات اللغة والمعاجم، أي تداخلها واضطرابها. والمهمّ بالنسبة إلينا هنا أنّ عدم الإفصاح عن توجّه إيديولوجي واضح ومبدئيّ يوجّه المواقف من القضايا الكبرى في ما يتعلّق بالدستور والحريّات والقوانين والمناشير المتعارضة مع الدستور والاتفاقيّات الدوليّة، وفي ما يتعلّق بالعلاقات الخارجيّة والديبلوماسيّة جعل المترشّحين إمّا يتجنّبون الخوض في مثل هذه المسائل الخلافيّة التي هي من جوهر صلاحيّات الرئيس، أو أنّهم يقومون بنوع من الترميق واللعب على الألفاظ بل حتّى التنكّر أحيانا للخلفيّة الفكريّة والإيديولوجيّة المنتمي إليه نظريّا ممّا أوصلنا إلى هذا "التبلبل الإيديولوجي" فنجد مثلا من ينحدر من اليسار الذي من المفترض أن يدافع عن الحريّات العامّة والفرديّة والمساواة المطلقة بين المرأة والرجل بما ذلك قضيّة المواريث ولكنّه يقدّم خطابا محترزا من بعض الحريّات التي يرى فيها أنّها قد لا تكون مقبولة اجتماعيّا. ويصل الأمر إلى رفض بعض الحريّات الفرديّة والمساواة لدى بعض من يصنّفون أنفسهم ضمن "البورقيبيين الدستوريّين" وكان من المفترض أن يواصلوا ما بدأ فيه بورقيبة منذ بداية دولة الاستقلال فيلتقون مع المحافظين على الرغم من "العداء" المعلن بين الطرفين. لا نسمع مثلا من المحسوبين نظريّا على التيّار القومي العروبي عن تعبير واضح عن مصير العلاقات مع سوريا انسجاما مع توجّهاتهم. أبعد من ذلك نجد شقّا من الإسلاميّين يعلنون في خطاباتهم عن انتمائهم للإرث البورقيبي ودفاعهم عن المرأة "منذ عقود" في تنكّر كامل لكلّ أدبيّاتهم المنشورة وتصريحاتهم المصوّرة. سمعنا اشتراكيّين أيضا يلحّون بمناسبة وبدونها على الإلحاح على عدم معاداتهم لرأس المال ورجال الأعمال في ضروب من الطمأنة المجانيّة في كثير من الأحيان. ونجد أيضا رئيس جمهوريّة أسبق يصنّف إسلامييّن في إطار "الديمقراطيّة الاشتراكيّة". تتوه كلّ التصنيفات وتختلط إلى درجة يصبح معها الشكّ كبيرا في الصفقات والحسابات وأنّ يساريّا قد يتحالف مع الإسلاميّين، أو ليبراليّا يتفق مع اشتراكيّ أو "مستقلّ" ظاهريّا ولكنه يخفي توجّها معيّنا.

إنّ ما أسميناه "تبلبل الإيديولوجيّات" يمثّل في نظرنا خطرا كبيرا جدّا لا في مستوى عدم وضوح الاختيارات بالنسبة إلى الناخبين على أسس واضحة مرتبطة بالبرنامج الانتخابي فحسب، وإنّما أيضا وبالخصوص أنّ مثل هذا الوضع يساهم بشكل كبير في تصاعد الحركات الشعبويّة الفاقدة لكلّ خلفيّة فكريّة وإيديولوجيّة ويناسبها هذا التماثل في الخطابات والاختلاط بين الأفكار وعدم وضوحها ويجعل الطريق أمامها سالكة للعب على العواطف الشعبيّة وأساسا على فقرها أو جهلها بصلاحيات الرئيس الدستوريّة ويفسح المجال للوعود الزائفة غير القابلة للتحقّق واقعيّا. وكذلك اللعب على العواطف الدينيّة والهوويّة التي يستغلّها أساسا المنتمون إلى التيّارات الإسلامويّة، تلك التيّارات التي تمثّل الشعبويّة أحد أعمدتها في الترويج الاجتماعي لها.  

إنّ الخوف الكبير أن نكون في اتّجاه ما سمّي منذ أواخر الخمسينات في أوربا بـ "نهاية الإيديولوجيات" تلك المقولة الّتي اقترنت بنهاية الأفكار السياسية الكبرى في بعد الحرب العالمية الثانية لتدخل المجتمعات الغربية مرحلة ممارسة السياسية دون كبير إلحاح على الإيديولوجيّات بحكم أنّ تلك المجتمعات تواضعت إلى حدّ كبير على ثوابت مجتمعيّة لا يمكن المساس بها مهما كانت التوجّهات، لتبقى الصراعات الإيديولوجيّة منحسرة في أطر ضيّقة لا تتجاوز حدود قضايا من طبيعة تنظيمية واقتصادية وعلاقات دوليّة في أقصى الحالات. غير أنّ مجتمعاتنا لم تصل بعد إلى هذه المرحلة من استبطان الثوابت المجتمعيّة والحريّات العامّة والفرديّة ودخلنة مقولات أساسيّة مثل مركزيّة السلطة، والتعدّديّة السياسيّة، ممّا يحتّم "الوضوح الإيديولوجي" قطعا للطريق أمام الشعبويّات التي برزت وأخذ عودها يشتدّ.

وسوم
شارك :