تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

وتبيّن أنّ مصيرنا بتونس بيد «التنظيم الدولي»

0
شارك :

أسئلة كثيرة تفرض علينا نفسها ونحن نواجه حشدا هائلا من الأحداث المتسارعة، وخاصّة منها تلك التي تصدمنا يوميا بعد انتهاء التشريعية، وبعد احتكار حزب الإخوان للمرتبة الأولى.

حيرة، وتشتّت وقلق، وتلك هي الصفات التي تتناسب مع حال زعيم الإخوان بتونس وقد طغى عليه وعلى بقية قياديي الحركة شيء من التشنّج المكبوت. ولسائل أن يتساءل: أين هي روح الانتصار؟ وأين هي النشوة التي تنتاب كلّ منتصر؟ وبماذا نفسّر هذه المرارة في تحرّكاتهم وذاك الغضب تصريحاتهم؟ هل نرجعه إلى موقف الأحزاب الرافض للتحالف معهم؟ أم إلى تعثّر في تطبيق استراتيجيتهم؟

في الحقيقة إنّ الأجوبة عن هذه الأسئلة مرتهنة بمعرفة جملة من المسلمات لها دور فاعل في فهم حقيقة ما يجري بتونس بُعيد الانتخابات، ومرتهنة أيضا بربطها بحقائق أخرى ظلّت خافية أو قل مبهمة ومغيّبة. وهي في الوقت نفسه مسلمات وحقائق شديدة التعقيد لما لها من أصول تاريخية مركّبة. ولذا سنجتهد في تلخيصها وإيفائها حقها من الموضوعية.

هذه المسلّمات المفاتيح لفهم المغلق من سلوك جماعة الإخوان بتونس تنحصر فيما يلي:

أنّ حركة النهضة الإخوانية هي فرع من أصل الإخوان، وبصفة خاصّة من التنظيم الدولي للإخوان. والقول بأنّها فرع يستتبع التزام من ينتمي إليه بالرجوع إلى قيادات التنظيم الأصل. وعليه فإنّ الاجتهاد محظور، لأنّ الفروع هي بمثابة خلايا النحل التي تعمل لصالح التنظيم، وملتزمة بقراراته، ولا معنى لكلمات من نوع " وطن" أو " أسرار دولة"....

وإن ظللنا على وصفنا لحركة الغنوشي بالإخوانية رغم تنكّره مرارا لانتمائه إلى حزب الإخوان فلأنّ موقفه لا يخرج عن مدار المراوغة الإخوانية، خاصة بعد أن صنّفت بلدان عربية الإخوان تنظيما إرهابيا، فكان لزاما التملّص من التنظيم الأمّ. ونتيجة لذلك، فإنّنا نعتبر هذا الانفصال تكتيكيا، وقد يكون أمرا صادرا من قيادات الجماعة الأم في مصر والمراقبين للتنظيم في هذه الأقطار اتقاء تصنيفهم في قائمة الإرهاب من طرف أمريكا وبريطانيا" الأمّ الحاضنة" على وجه الخصوص، وما قد ينتج عنه من مصادرة أموال التنظيم الدولي من بنوك إسلامية في أوروبا وآسيا وغيرها.

لذلك انتشرت ظاهرة " التبرئة الظاهرية" من الجماعة، كما وصفها عمر فاروق. فأعلن " إخوان الأردن واليمن وتونس والكويت قرار اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا بالانفصال عن التنظيم الدولي، وهو أحد الكيانات التابعة للإخوان، ويضم هيئات ومؤسسات إسلامية منتشرة في أكثر من 30 دولة أوروبية".

إنّ السبب الرئيسي في دفع التنظيم الدولي إلى تغيير وجهة سياسته يعود إلى الأحداث المفاجئة بمصر في 2013، وفي الحقيقة كانت أحداثا غير متوقّعة البتّة، وحطّمت آمال الجماعة سواء بمصر أو حتى في غيرها من الدول العربية بما فيها تونس. ويمكن القول إنّ انقلاب السيسي عليهم مثّل نقطة فارقة في تاريخ الإخوان، وخاصّة أنّه حدث في لحظة كاد فيها التنظيم أن يعلن نصره وبلوغه درجة "أستاذية العالم".

اختلطت الأوراق إذن، ووجب عليهم أن يسلكوا سياسة الفرّ بعد الكرّ، ولا حرج حتى في إنكار نسبتهم، مادامت كفيلة ببقاء عرق نابض يغذّي جسم التنظيم. وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ ما حدث بمصر كان مفصليا في نشاط الإخوان إقليميا ودوليا.

ماذا حدث إذن بعد 2013؟ أو بعبارة أخرى من كان المنقذ من الضلال ومن ضياع الإخوان؟ ما هو الدور الذي يلعبه التنظيم الدولي سياسيا؟

وببساطة نقول: إنّ مهمته الأساسية تتمثّل في إملاء التوجهات التي على الفروع داخل البلدان العربية أن تسلكها، وذلك ضمانا لبقاء السلطة بيد الإخوان حتى يرتكز التمكين وتتوفّر أستاذية العالم.

في الحقيقة لم يكن للتنظيم الدولي حضور فعليّ، بل كان ملتزما بالسرّية في حركاته وقراراته. وهو أشبه بالجهاز السرّي للجماعة، لأنّه الفكر المدبّر والقلب النابض، ووجب حفظه من الأعين. وكم حرص الإخوان على إنكار وجوده، ونستحضر في هذا السياق حديث يوسف ندا عنه " اشاعة صدقها الكثير من الاخوان".

تاريخيا، ظهرت نواته الأولى في شكل "المركز الإسلامي بميونخ" بعيدا عن الأراضي العربية، ونشأ فكرة في 1960، واكتمل مؤسسة عام 1973. وثبت أن تخرّج منه كثير من قياديي الإخوان، ونذكر منهم على سبيل المثال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي انضم إلى الإخوان، وتتلمذ في المركز خلال دراسته الهندسة فى ألمانيا.

في الحقيقة يمكن التعامل مع التنظيم الدولة باعتباره " شبكة عنكبوتية متنامية"، يعسر حصرها في تعاريف محدودة، إذ له من القدرة على التشكّل في صور متنوّعة، وتلك هي أهمّ مقوّمات السرية في هذا التنظيم الذي صار في حركته مثل الزئبق إن أمسكت بطرف منه انفلتت منك بقية أطرافه. كيف ذلك؟

لا يمكن البتّة حصره في مركز واحد: قيل إنّه نشأ في ألمانيا لكن له أذرع أخرى: ففي بريطانيا يعتبر التنظيم حاضرا في شكل مؤسسات وجمعيات، أكدت الدراسات أنّها قرابة 40 مؤسسة وجمعية ومنظمة، إضافة إلى عدد من الأذرع والمؤسسات الحقوقية والإعلامية، وجميعها ممولة من قطر. وتتعامل هذه المؤسسات مع بعضها بعضا في شكل شبكة، حيث تجد أن أعضاء يعملون في مؤسسة وينشطون في أخرى لأنّ المموّل واحد.

ذكرت هذه الدراسات من بين هذه المؤسسات: المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، والمجلس الثوري المصري تم إنشاؤه سنة 2014 برعاية تركية، ويضمّ إلى جانب الإخوان حلفاءهم من تنظيمات الإسلام السياسي وتنظيمات مدنية أيضا لا علاقة لها بالإيديولوجيا الإسلامية. وكشفت هذه الدراسات أيضا، أنّ ممتلكات بعض من أعضاء هذا المجلس من المصريين تفوق الـ60 مليون جنيه، وأكّدت أنّ تلك الأموال تستخدم في تغذية أعمال العنف التي شهدتها مصر.بعد 2013. ومن بين مراكز البحث التي تعود إلى التنظيم، وهي مراكز ذات الطابع Think Tanks نذكر مؤسسة المرصد الإسلامي، مؤسسة قرطبة وأكاديمية التغيير، ومؤسّسة ميدل إيست آي، ذات الطابع الحقوقي. وجميع هذه المؤسسات تشتغل تحت مظلّة إعلامية رهيبة تقرّبها من المشاهد العربي مثل قناة العربي أو قناة العربي الجديد... وجميع هذه المؤسسات تموّلها قطر.

ندرك إذن أنّ التنظيم الدولي وفّق في أن يكون له أذرع سواء في البلدان العربية أو حتى الأوربية وأمريكا. وهي لعمري سياسة حافظة للمشروع الإخواني الذي ما فتئنا نذكّر به في هذا المقال ، وهو " أستاذية العالم". بل يمكن القول" إنّهم في مراحل متقدّمة جدّا، وسط غيبوبة تامّة يعيشها العرب والأوربيون على حدّ سواء، لأنّ الأيدي مكبّلة بقيود أتقنت صنعها إمبراطورية اقتصادية إخوانية، ولأنّ الفكر العربي يعيش حالة إغفاء نتيجة تلهية بهلوانية اخترع خيوطها هذا التنظيم.

نكتفي بهذا القدر من المسلّمات لقراءة وضعنا بتونس بعيد الانتخابات، لنقول: إنّ الغنوشي وحركته جزء من هذا التنظيم، بل هو الجزء الفاعل في وقتنا الحاضر، وذلك خاصّة بعد المحنة التي مرّوا بها في مصر، وبعد حلّ تنظيمهم في الأردن. فالغنوشي على هذا الأساس قد أنيطت به مسؤولية ثقيلة، بل وثقيلة جدّا: إذ كيف الحفاظ على الوصية الإخوانية لضمان الأستاذية، مرّة أخرى؟ إنّه جنديّ في هذا المحفل الإخوانيّ، وعليه أن يحمل العهدة إلى ضفّة النجاة، فنجاة حركته هو نجاة التنظيم بأكمله. وتبعا لذلك، عليه أن لا يبادر، بل أن يطبّق التعليمات بجميع جزئياتها: وفي هذا السياق لاحظ التونسيون تنقّله من تونس إلى أنقرة لمقابلة أردوغان وتساءلوا مستنكرين كيف يستشير تركيا في شؤون تونس والوجه السليم لتركيبة الحكومة؟ في الحقيقة استنكارهم مشروع، لأنّهم ينطلقون من مبادئ الدولة المستقلّة، ولكنّهم لم يستحضروا أنّ الغنوشي ينطلق من برنامج إخوانيّ، يتمثّل في كيفية تحقيق الحلم الضائع بأنجع السبل وكيفية تفادي الانزلاقات.

نحن نذهب إلى هذا التأويل لعدّة أسباب، ولعلّ أهمّها: أنّ أردوغان اليوم هو أخطر قيادي إخواني في العالم حاليا، ويدير بنفسه التنظيم الدولي. ولأنّ أردوغان نفسه، يؤمن بأفكار عقيدة الإخوان وثوابتها أكثر من إيمان مؤسس الجماعة، حسن البنا، نفسه بها. وأهمّ هذه المبادئ: أستاذية العالم، أي حكم العالم، ولكن في ثوب أجداده العثمانيين، وهو «الخلافة الإسلامية»، خاصّة أنّه لا يجد حرجا في تأكيده في كل مناسبة. لقد توفّرت لتحقيق هذا الحلم جميع الحظوظ ولا سيما منها الاقتصادية، ثمّ إنّ الحديث فيها يضيق به هذا النصّ.

وفي الختام، لعلّ ما يبعث فينا الخوف ممّا قد ينتظرنا في المستقبل، هذا إن ظللنا على حال الغيبوبة، ما نستفيده من بعض المعلومات:

يقول رفيق حبيب، الإخواني المسيحي المصري، في حديثه عن " سلمية الإخوان" في موقع " رسالة الإخوان": " المشهد في تونس مختلف، فهي الدولة الوحيدة التي حققت نصف ثورة ونصف انقلاب، فلا الثورة انتصرت في النهاية ولا الانقلاب انتصر بالكامل، وأصبح المشهد معلّقا بين الثورة والانقلاب". وذاك وصف صادق لوضعنا بتونس. لكنّه في نفس الوقت يحذّرنا بطريقة غير مباشرة، وهي نفس الطريقة التي طالما حذّرنا منها البحيري أو عتيق: " إذا فشلت تجربة إخوان تونس في الحفاظ على نصف ثورة ونصف انقلاب، وحدث انقلاب شامل، فإن خيار الحرب يتقدم." وفي حديثه يشير إلى ما حدث في اليمن أو سوريا.

فما هو الحلّ؟ أن نقنع بالحديث والملاحظة وبالبحث عن آليات جديدة لفهم الواقع؟ وفي الأثناء تمّحي الهوية التونسية والمواطنة ضحية للتمكين؟ أم على المجتمع المدني الذي وفّق، إلى حدّ ما في إيقاف زحف الإخوان أن يقطع مع سيادتهم التي تتنامى هذه الأيام بشكل مرعب، حتى كأنّ تونس قد تحوّلت إلى إيالة من الإيالات التركية والغنوشي بين الباب العالي وبابنا " الواطي" في جيئة وذهاب يطبّق الأوامر في أمانة الخادم المطيع.

وسوم
شارك :