تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

وثيقة:رسالة الغنوشي «الغاضبة» لمورو بعد مغادرته النهضة «احتجاجاً» في 1991

0
شارك :

في أعقاب عملية باب سويقة، التي استهدفت مقرا حزبياً للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في تونس، ليلة 17 فيفري 1991، أعلنت ثلاث قيادات إسلامية بارزة، في 8 مارس 1991، عن تجميد عضويتها في حركة النهضة، وهم عبد الفتاح مورو وفاضل بلدي وبنعيسى الدمني. ثلاثة من بين خمس مؤسسين للحركة الإسلامية نهاية ستينات القرن الماضي. شكلت الخطوة ضربة موجعة لقيادة حركة النهضة وقواعدها، ومنعرجاً للحرب الدائرة بين الحركة والنظام. وقبل نشر قرار التجميد في الصحف، أرسل عبد الفتاح مورو بالتشاور مع بلدي والدمني ونور الدين البحيري برقية تعزية بتاريخ 24 فيفري إلى عبد الرحيم الزواري، الذي كان يشغل منصب أمين عام حزب التجمع، ونشر نسخة منها في جريدة الصباح اليومي.

بعد ذيوع خبر التجميد، حاولت قيادة النهضة في الداخل والخارج إقناع القيادات المغادرة بالعدول عن قرارها، خاصة وأنها كانت تدير معركة طاحنة في مواجهة النظام. وفي هذا السياق أرسل الغنوشي رسالة خاصة لعبد الفتاح مورو ورفيقيه طغت عليها لهجة العتاب والغضب والتقريع واصفاً فعلهم بأنه هدية لــ «أعداء الإسلام والكافرين». وفي ما يلي تنشر «صواب» نص الرسالة كاملةً:

                                                                    ***

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

«ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير»

«ربنا ولا تجعلنا فتنة للين كفروا واغفر لنا ربنا، أنت العزيز الحكيم»

«فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين»

إخوتنا الأحباب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد، أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم وأصلي وأسلم على مبعوث الهداية وقائد الأمة محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ومن حمل دعوته. راجيا أن تكونوا وأهلكم ومن حولكم على أتم العافية والهدى والتوفيق. ناقلا إليكم تحياتي وأشواقي والأخوة القياديين من حولي، وتقديرهم لسابقتكم ومنزلتكم في الدعوة لدين الله.

هذا وإن مفاجأتنا ودهشتنا عظيمتان بالنبأ العظيم ـ أعنى بيانكم الأخير إلى الصحافة [بتاريخ (21 شعبان) 1411هـ-الموافق لـ 8/3/91] ـ حتى لقد غمرنا الذهول ومادت الأرض من تحتنا وتمنينا أن لو كنا قضينا، فإذا حلّت الفتنة بجماعتنا أصابت الأجيال اللاحقة ونجا المؤسسون من نتنها واعتُذر لغيرهم. وحتى لو كان لزاما ألا ينجو الجيل المؤسس من تأخر زمانها إلى مرحلة التمكين فيكون للاختلاف بعض العذر بسبب تعدد وجهات النظر حول تفصيل ما أُجمل والاجتهاد فيما اُستجد أو حتى حول اقتسام المغانم. أما والجماعة تواجه أعسر مراحل ولادة مشروعها وتتألب عليها قوى الشر وعلى أمة الإسلام قاطبة. وفي وقت كاد الإفلاس التام يحيق بنظام الفسق والفجور والاستبداد الذي يواجههم ويتمخض الأمر لجماعة المسلمين. فان مأزقه وعزلته وعجزه وانفضاض الناس من حوله ونفورهم التام واجتراء حتى أطفال المدارس عليه، فان ذلك لعمري أمر محيّر حقا.

إن القلب ليتفطّر ألما مما أدخله عملكم من غم على قلوب المؤمنين واهتزاز عظيم للثقة مقابل الهديّة العظيمة التي نزلت على قلوب أعداء الإسلام شماتة وفرحة مما لم يظفروا بمثله منذ أن عُرفت هذه الجماعة ودخلت الصراع مع عالم الكفر والنفاق والطغيان. أو ليس اغتمام المؤمنين والطيّبين وابتهاج الكافرين والظالمين لعمل من الأعمال مؤشر واضح على فساده. وهل تُخطئ الباصرة هاتين الظاهرتين الأيام […] كنت أحسبني على خبرة بالرجال من أصحابي وإني والله لأصارحكم بأنه لم يخطر ببالي قط أن وحدة الحركة يُمكن أن يأتيها أدنى خلل من طرف واحد منكم أنتم بالذات لما عرفه الجميع عنكم من صبر وأناة وسعة نظر ورُؤية شاملة للمصالح والمفاسد.

لقد عبرت الحركة بسلام منعرجات عويصة. منعرج الانكشاف والسجن 80←84 وقبلها فتنة «اليسار» وبعدها مواجهة 87 وفي إعقابها القضية المعروفة بالقضية الأمنية ثم مواجهة مرحلة ابن علي: مرحلة الأمل، ثم مرحلة خيبة الأمل إثر الانتخابات وفي كل ذلك صانت بفضل الله وحدتها وصبر الجميع على بعضهم بعضا، مخيّبين كل الرهانات والأماني حتى لقد تحطّمت على صخرة نظام بورقيبة كل الأحزاب غير أن حركتنا ظلّت شامخة. فهل خليفة بورقيبة على غشامته يتحقّق في عهده السعيد ما كان أسلافه يطيرون فرحا لو أصابوا منا بعضه في وقت حزموا أمرهم على استئصال الحركة؟ وهم قد شرعوا في ذلك تنزل عليهم فتوى موقعة من علية القوم في الجماعة «وشهد شاهد من أهلها» فترتج دنيا الكافرين والمنافقين داخل البلاد وخارجها فرحا ويحتل النبأ صدارة الإحداث، ويُصاب المؤمنون في كل مكان بذهول مريع. ونسأل نحن عن السبب؟ فما نكاد نظفر بجواب. فإخواننا لم يعتبروننا طرفا معنيّا يُطرح عليه الإشكال أو حتى يُعلم مجرد الإعلام بما يعتمل في رؤوسهم ـ كنت احسب أن الذي بيننا من رصيد العشرة والأخوة والود بقطع النظر عن أي وصف تنظيمي ـ ما يفتأ الشيخ يلح على نفيه وكنت في حيرة من القصد والدافع ـ إن ذلك يكفي وما هو بالقليل ـ حتى لقد خُيّل إلى أن للحركة رصيدا من الرجال في علاقاتهم بها وعلاقتهم يبعضهم لا ينال منه الزمن، أنتم ولا شك في مقدمتهم ـ إن ذلك يكفي لاستحقاقي إن لم يكن بالمشورة فبالإعلام المسبق. فماذا حصل في هذه الدنيا حتى ما يبقى فيها من صاحب يُؤتمن؟ ماذا جني الملايين من الطيّبين داخل البلاد وخارجها ممن علّقوا وارف الآمال على هده الحركة في جمعها بين الأصالة والحداثة، والوحدة والتنوّع حتى كانت مضرب الأمثال لديهم دون نظائرها كافة. ماذا جنوا حتى تخيّب أمالهم ويصفعون عن غرّة ودون سابق انتظار؟ هل نحن في زمن الهزائم وتحطيم أمال الشعوب وحرمانها من الحلم الجميل؟ كنا نفاخر بالطبيعة المتفردة لحركتنا أنها بُنيت منذ النشأة على قبول التنوع والتعدد ونزول الجميع على حكم الشورى. حتى غدت حركتنا أشبه بالحديقة الجميلة في تنوّع الألوان وروائح وطعوم إزهارها ثمارها. فما هو الخطب الجلل الذي دفعكم إلى النيل من البنيان الشامخ من الآمال المعلّقة على الحركة داخل البلاد وخارجها...؟ وهل عندنا غير الافتراض والظن وقد حجبتم عنا حقنا عليكم في الشورى؟ هل هو اختلاف الموقف من أحداث الخليج كما قد قيل؟ كلا فان تصريح الشيخ إلى الصباح الأيام الأخيرة أكد أن اندلاع الحرب وحد المواقف في اتجاه تأييد العراق. أم هو الاختلاف حول خطة مواجهة المرحلة التي تمر بها البلاد، بين حاسم نافض يده من السلطة القائمة وبين من لا يزال به ظن خير فيها؟ على حين أن المتابع  ولو عن بعد ـ في زمن تقاربت فيه أركان الأرض ـ لا تُخطئ عينه المأزق آو الانسداد السياسي الذي قاد إليه ابن علي البلاد وكانت أحداث العنف المتتابعة على طول البلاد من سليانة ومكثر إلى سيدي بوزيد ونفطة إلى بني خداش والحامة إلى سانية ابن عبد الله وابن خلدون والمكنين وأحداث الطلبة إلى باب سويقة ـ وغيرها كثيرـ لم يكن غير تعبير عن المأزق السياسي المتمثل في ضيق أفق السلطة عن استيعاب حركة وتطلّعات المجتمع وتمحّضها للحل الأمني، هذا من جهة واستقالة المنتظم السياسي التقليدي من جهة أخرى وعجزه عن الضغط على السلطة والتعبير عن غضب الجماهير. فماذا بقي أمام الشعب غير التمرّد أي التحرك خارج إطار الهياكل المحنّطة؟ وهل قصّرت حركتنا في الصبر على السلطة وحمل نفسها على الانسجام مع القانون التعسفي مضحّية بكثير مما تحرص عليه؟ إن لم يكن الأمر كذلك فما دلالة تنامي أحداث العنف؟

وإن لم يكن الأمر كذلك ما المخرج من المأزق السياسي دون التصدّي لعنف السلطة؟ أم يُراد منا أن نتحوّل إلى مجرد رقم في ديكور المعارضة يعيش على المطلبيّة الذليلة والانتظار الرخيص؟ أن خيار الحركة في فرض الحريّة ـ وهو خيار تعلمون انه ثمرة تطور في علاقة السلطة بالمجتمع، وشورى موسعة وإقرار من المؤسسات بعد مراجعات متتالية ـ لم يأت فجائيا ولا معزولا عن الواقع. نعم انه يمثل تحولا في سياق الحركة العام، يَرد عليه الصواب والخطأ ولكنه يُمثل توقا قاعديّا وجماهيريا إلى الخروج من المأزق وكسر الحواجز وتجرئه الشعب وإطلاق الطاقات المكبوتة. قد ينجح هذا الرهان أو يفشل ولكن خصومه ليس عندهم بديل غير الانتظار والرضي بوضعيّة الطاعم الكاسي في أفضل الأحوال. بل الموت البطيء.  منتظرٌ إزاء كل تحوّل وقوع الضحايا ولكن تقاليد حركتنا التضامنيّة والقبول بسلطان الرأي العام فيها المعبر عنه في المؤسسات مثلت قاعدة متينة للوحدة وتجاوز الأزمات والخيارات الصعبة. فهل عجزت هذه الآلية اليوم في المرور بهذه العقبة سالمين؟ وعلى فرض أن المخاطرة في هذا التحوّل من الضخامة أنها لا تُطاق فهل انقطعت بنا السبل وضاقت بنا الحيل فلم يبق غير تبرؤ البعض من البعض الأخر والمشاركة في إدانته وتقديم فتوى لذبحه في وقت بلغ فيه جنون السلطة وحرصها على استئصال الحركة وقمعها وتمزيقها منتهاه؟ أولا يكفي دليلا قاطعا على فساد ذلك الموقف، الوقوف على مبلغ ما ادخله على قلوب أعداء الإسلام في الداخل والخارج من فرحة عظيمة، وما ادخله على قلوب المؤمنين وأنصار الحركة في كل مكان من حزن وذهول وحيرة؟ إلى درجة نعت أصحابه من طرف أجهزة القمع والعداء للإسلام «بأنهم أبناء تونس البررة».

نعم أن الله لا يكلّف نفسا ألا وسعها ولكن الله لم يُكلفك أن تدين ما لا تُطيق وتتبرأ منه خاصة وأنت تعلم علم اليقين أن المسؤول الوحيد على المأزق الذي آلت إليه البلاد هو العقل القاصر والجهاز العنيف الذي يحكم الدولة. هل يغيب على رجل القانون ـ خلال البحث في كل جريمة عن سببها المباشر أو الظاهري وعن أسبابها الحقيقية ـ وإزاء أجواء وأحداث الحرق والصدام المنتشرة من الذي قاد إليها البلاد؟ لماذا مرت السنة الأولى من حكم ابن علي دونما أي عنف أو محاكمات؟ ولماذا تنامت بعد ذلك هل هي مسؤولية الحركة؟ وهل يجوز للمسلم أن يُشارك في عمليّة التضليل والقمع للرأي العام من خلال الاكتفاء بتسليط الأضواء على ضحايا العنف بمن فيهم أولئك الذين لم يركنوا إلى الظلم والظالمين ولم يقبلوا استمرار التسلط فقاموا يدفعونه بأظافرهم ووسائلهم البسيطة، وغض الطرف على العنف الأعظم على الدولة التي تحوّلت إلى جهاز عظيم للعنف؟ هل من العدل يا إخواننا أن نغض الطرف عن هذه الآلة الرهيبة للعنف التي تسلخ وتعذب وتعتقل وتحاكم وتُرهب وتُجوّع وتُشوّه إعراض الناس وتضلل عقولهم وتُفسد ولا نرى في مسرح العنف أي المجتمع التونسي غير الضحيّة ـ كما نطق بذلك بيانكم المخجل حقا! لدرجة الظن انه موقع تحت الإكراه لأنه اكتفى بالتبرؤ من ضحايا العنف وتوارى أمام الطغيان الأعظم فلم يُحرك في وجهه ساكنا ـ وهو متناقض لأنه يُبرز أصحابه وكأنهم حركة تصحيحية داخل الحركة في الوقت الذي يُجمدون عضويتهم فيها ـ وهو يُشبه عمليّة انقلابية داخل الحركة لأنه يقفز فوق قرار المؤسسات ويوشك أن يُعلن عن شرعية بديلة ـ فهل غاب عن الأخوة أصحاب البيان وجود مؤسسات للحركة؟ أم هو التشكيك في أهليتها وتزكية النفس، وهو مسلك فاسد قد كان سلكه جماعة اليسار الذين لم يشكوا في أن الأغلبية ضدهم ولكنهم شككوا في كفاءتها. فآل أمرهم إلى ما هو معروف.

قد كان يكفيكم إخواننا الكرام وقد تعذر عليكم تحمّل أعباء التحوّل إما بسبب عدم قناعة أو بسبب الضعف والإشفاق. أن تعلنوا عن تجميد وضعيتكم في الحركة بسبب المأزق الذي قاد إليه نظام ابن علي البلاد وانعدم فرص العمل السياسي فيكون عملكم لا لإدانة إخوانكم وإنما احتجاجا على سياسات النظام فتبرأ ذمتكم من ناحية وتلفتون نظر الرأي العام في الداخل والخارج إلى المأزق السياسي في البلاد. تاركين لأنفسكم فرصة الدفاع عن إخوانكم دون تحمّل تبعة ما عساه يحدث. وتاركين أيضا مجال المستقبل فسيحا لعودة المياه إلى مجاريها عندما تنجلي الغيمة ولابد أن تنجلي. وماذا عساكم ستفعلون ضمن المناخات القائمة غير تقديم مادة إعلامية لأعداء الإسلام والحريّة، وتثبيط همم الشباب والأنصار وقوى المقاومة عامة ـ وأخطر من ذلك، تقديم فتوى للنظام بذبح إخوانكم حتى أولئك الذين سبق اعتقالهم الأحداث الأخيرة ـ إنكم تسنّون سنة خطيرة ستبوؤون منها بإثم كبير إن لم تتداركوا الأمر خلاصتها: إعطاء نظام الإرهاب والكفر فرصة امتحان وفتنة كل أعضاء الحركة وقياداتها وتمزيقها بين متبرئ من إخوانه. بحجة التبرؤ من العنف أملا في الفوز بالنجاة وبين رافض لذلك فيستحل دمه. وبالتالي يغدو الانتماء للحركة جناية عظمى. إنكم إن لم يحجزكم دينكم عن هذا الصنيع وأنتم والحمد لله أصحاب دين وسوابقكم في الدعوة مشهودة. يحجزكم عن إدخال الفتنة في صفوف المؤمنين وضرب رقاب بعضهم بسيوف البعض الأخر من إخوانهم، وتحقيق منتهى ما يسعى إليه عدو الجميع. وذلك لعمري من أعظم الشر والمنكر فاتقوا الله في إخوانكم ودعوتكم وسابقتكم. إن لم يحجزكم دينكم فليحجزكم عقلكم وأنتم والحمد لله أصحاب عقول راجحة. ذلك إن ابسط متأمل في الواقع التونسي اليوم لا يُخطئ في وضع يده على الأزمة الشاملة المستحكمة فان ترفعوا أصواتكم في هذا الوقت بالذات بالنكير والتبرؤ من حركة ومن شباب في غمار خوضهم المعركة ضد الاستبداد الأسود ومصدر الشر المستحكم فلا يغرنّكم عندئذ تصفيق وتهليل أجهزة القمع والنخب المعزولة لعملكم ـ فذلك كسب ضئيل مؤقت ـ واعتبروا باليسار الإسلامي وما آل إليه أمره حتى وسط النخبة التي صفقت له فالذي يُفلس في سربه فلن يكون حظه أوفر في سرب غيره. ولا تغرنّكم مكانتكم فإنما هي بتزكية الجماعة فإذا سحبتها بسبب قعودكم لها، مفرقين ومخذلين، فلن تكونوا شيئا مذكورا خارجها. وإنني والله محب لكم ناصح سائل لكم بالله ورحم الأخوة والعشرة الطويلة. أن لا تفسدوا سوابقكم العظيمة وكسبكم الثابت في الدنيا والآخرة بمغامرة غير مأمونة، نظائرها الفاشلة وفيرة. ولو أن المنتظم القانوني فيه سعة لأتسع لغيركم من ذوي القربى للنظام وحتى ممن ساهموا في بناءه، فكيف يذهب بكم الظن أنكم ستشقون للإسلام ودعوته والبلاد طريق الحرية والنما في وسط متأزم محكوم بالإرهاب وكل سلاحكم كلمة طيّبة وعقل رشيد وروح مسالمة. وحتى خبرتكم في التنظيمات والأعمال السريّة ضئيلة فلِمَ تكلفون أنفسكم ما لا تطيق مرة أخرى. وان كان ولا بد من بِعاد ليس منه مناص فليكن لظرف محدود وبإحسان مع استبقاء مكانتكم وأرصدتكم وسوابقكم محفوظة في قلوب إخوانكم بلا تنغيص ومضارة وشحناء. والله إن لأشد إشفاقا عليكم من إشفاقي على الجماعة فالجماعة محفوظة بحفظ الله لقيامها على أمره، وانه سبحانه كما نجّاها في الفتن السابقة سينجيها من هذه وتخرج منها اصلب عودا وأعز مكانة، بل انه ليس بعد هذه المحنة غير الابتلاء بالتمكين إن شاء الله. فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا. وكونوا عباد الله إخوانا. وانه لخير أن نجتمع على خطأ من أن نتفرّق وكل يحسب انه على الحق. طالما أن المسألة اجتهادية والشورى فيها قد أخذت حظها حذر أن يمسّنا شيء من وعيد «إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء» «كل حزب بما لديهم فرحون».

وقبل أن أودعكم استسمحكم فيما عساه يكون بدر مني من الخدش مشاعر الأخوة فان لكم في القلب معزة لا تقدّر وأسال منكم صالح دعواتكم في خلواتكم وابتهالاتكم في هزيع ليلكم حيث الصفا والمغفرة والتهيؤ للقاء الله والعرض على الميزان، تقبلوا خالص التحيّة والتقدير من محبكم وسائر الإخوان.

 أخوكم راشد والسلام عليكم.

وسوم
شارك :