تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«التطرف العنيف» في تونس: التشخيص والمعالجة

0
شارك :

عبيد خليفي

لا تبدو ظاهرة التطرف العنيف غريبة عن البلاد العربية والإسلامية، كما أنها لم تكن ظاهرة مرتبطة بثورات الربيع العربي، فقد عرفت البلاد العربية الإسلام الجهادي المهاجر مع "تجربة الأفغان" العرب ما بين 1979 و1990، وقد تحدثت وثائق الأفغان العرب عن معسكرات خاصة بالجهاديين التونسيين والليبيين والسعوديين والجزائريين تحت اسم "الجماعة المقاتلة"، والتي كانت ولادة طبيعيّة للعرب الوافدين على "مكتب خدمات المجاهدين"، الذي كان يديره الأردني عبد الله عزّام، تلك الجماعة التي مثلت الحلقة المهمة في التجربة الجهادية العربية، وبعد خروج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان سنة 1989 انتشر الجهاديون في أصقاع الأرض ضمن تجارب جهاديّة جديدة في الشيشان والجزائر والسودان أو أنهم دخلوا في مرحلة الخمود في بعض الدول الأوربية كبريطانيا وإيطاليا .. ومن عاد لوطنه منهم كان مصيره السجن ثم المراقبة الإدارية والأمنية.

لم ينتهي المشروع الجهادي في أفغانستان بعد تحريرها من الروس السوفيات ومقتل الزعيم الروحي عبد الله عزّام سنة 1989، فقد بحث الجهاديون من موطن جديد قريب من قلب الوطن العربي تحت قيادة وريث عزّام السعودي الثري أسامة بن لادن، فكانت السودان تحت حكم الإسلاميين ملاذا، ولم تدم تجربة السودان طويلا لتعود أفغانستان في ظل صعود نجم طالبان لتأسيس تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، لقد كانت تجربة تنظيم القاعدة أكثر إغراء للشباب العربي والإسلامي الذي لم تتح له الفرصة للتعبير عن هذا الإعجاب والانتماء، وصارت نافذة الإنترنت والمنتديات الجهادية أكثر جذبا لأكثر من ثلاثة آلاف شاب تونسي قاومهم نظام بن علي بقانون مكافحة الإرهاب، والذي لم يكن قانون وقاية بالقدر الذي كان قانونا لتعبئة المشروع الجهادي بالخلايا النائمة والمتحفزة للمشاركة في مغامرة جهادية جديدة، ويبدو أنّ حالة الاستبداد التي عاشتها تونس في ظل حكم زين العابدين بن علي عبر القبضة الأمنية والقضائية قد ساهمت في دفع الشباب نحو تبني المشروع الجهادي عبر الشبكة العنكبوتية أو عبر الاستقطاب داخل السجون التونسية.

مثلت الثورة التونسية في 14 جانفي 2011 منعرجا كبيرا في مسار تطوير المشروع الجهادي في السياق التونسي أو السياق العربي والإسلامي، فقد سقطت الأنظمة الديكتاتورية التي كبلت الحريات بحجة التصدّي للإسلام الجهادي، لكن صعود الإسلام السياسي في تونس شكّل مساحة من الحريّة للمشروع الجهادي كي يتجلى في تنظيم أنصار الشريعة، وهي التسمية البديل التي أوصى بها أسامة بن لادن في دول الربيع العربي تلافيا لتسمية تنظيم القاعدة وما لحقها من تشويه.

أمام تشتّت القوى الليبرالية واليساريّة وصلابة قوى الإسلام السياسي، راح الإسلام الجهادي يستثمر مساحة الحريّة للثورة التونسية المرتبطة بضعف الدولة وتراخيها ليستقطب كما هائلا من الشباب التونسي في تنظيم أنصار الشريعة بقيادة أبي عياض، هؤلاء الشباب لم يكن الإسلام السياسي ليلبي طموحاتهم في قيام الدولة الإسلامية المنشودة، ولذلك كان الرهان على الخيمات الدعوية والتعبئة في المساجد، ثم الاستعداد الحربي والعسكري عبر استثمار الساحة الليبيّة كمعسكر لتدريب الشباب على القتال والسلاح، ثم إرسال البعض منهم للجبهة السورية لتحصيل الخبرة الميدانية في الحرب، وفي الأثناء كان تخزين السلاح في تونس قد بلغ درجة متقدمة لاستعماله ساعة الصفر.

تاريخيا يمثل التونسيون نخبة متميزة في المشروع الجهادي منذ تجربة الأفغان العرب وحتى تجربة تنظيم القاعدة، لقد كان الجهاديون التونسيون من الصف الثاني القيادي ذي الخبرة الفنية والقدرة على التخطيط والتنفيذ، ولا زال لغز عدد التونسيين الذين التحقوا بالحرب في العراق ثم سوريا يثير استغراب الباحثين، ويعتبر "تنظيم أنصار الشريعة" في تونس الواجهة الفعليّة للمشروع الجهادي الذي حلم به أسامة بن لادن في وثائق "آبوت آباد" حين أوصى بالتخلي عن تسمية القاعدة وتعويضها بتسمية أنصار الشريعة وهي التسمية التي ظهرت في اليمن وسوريا واليمن وليبيا..، ولمعرفة بنية المشروع الجهادي في تونس يجب التركيز على مفهوم المخزون:

المخزون العقائدي: هي جملة الأدبيات العقائدية الجهادية التي شكّلت وعي الشباب التونسي بأن حلم الدولة الإسلامية الفاضلة لا يتحقّق إلا بالجهاد ومحاربة جاهلية الدولة والمجتمع،  وقد مثلت الشبكة العنكبوتيّة نافذة الشباب التونسي على الأدبيات الجهادية، فكان "منبر التوحيد والجهاد" أكثر منصة زارها الشباب التونسي لتحميل الكتب العقائدية التأسيسيّة بداية من سيد قطب منظر الأصولية الجهادية مرورا بعبد الله عزّام منظّر الأفغان العرب، وصولا لأبي مصعب السوري الجهادي الاستراتيجي لتنظيم القاعدة، وبعد الثورة السورية تكاثرت الأدبيات الجهادية وتناثرت في مختلف المواقع، ومن كل هذا لم تنجب تونس منظرا جهاديا واحدا، بل عاشت الحركة الجهادية التونسية عالة على الأدبيات المشرقية وفرعا لها، بل حتى الزعيم الروحي لتنظيم أنصار الشريعة في تونس الخطيب الإدريسي لم يعرف عنه مؤلفا سوى النزر القليل وبعض الخطب التحريضية الدّعويّة، أما الزعيم الميداني أبي عياض فقد كان فاعلا حركيّا فاقدا للخطابة والكتابة.

المخزون التنظيمي: استثمرت الحركة الجهادية التونسية ممثلة في تنظيم أنصار الشريعة التجارب الجهادية في أفغانستان والعراق ثم ليبيا وسوريا، فالعائدون من الجهاد في العراق وليبيا وسوريا تملّكوا تجربة بناء التنظيم من خلال الاستقطاب والتجميع، وتحويل الشاب من معجب ملهم إلى جاهدي استشهادي، ويبدو أن تنظيم أنصار الشريعة تمكن من آليات بناء الخلايا، وطوّر المفهوم التقليدي للخلية التي تقلصت وصارت تتكون من فرد واحد في ما بات يعرف بالذئاب المنفردة، وصار المشروع الجهادي يعتمد على التنظيم الأفقي أكثر من التنظيم العمودي، كما تلاشى مفهوم الخلايا العنقودية لتعوّضها الخلايا المنفصلة، كل ذلك يعدّ تطويرا لمفهوم التنظيم وتصديا للأجهزة الأمنية والعسكرية.

المخزون العسكري: أمام تراخي الدولة وضعفها بعد الثورة التونسية وسقوط الدولة الليبية وتلاشيها، كان الجهاديون التونسيون يستشرفون لحظة المواجهة القادمة، فكانت الساحة الليبية مصدرا لتوريد السلاح وتخزينه في المدن والأرياف لتهريبه نحو الجبل، وبالقياس للمخازن التي تم اكتشافها من طرف الأجهزة الأمنية والعسكرية يمكن التكهّن بأن حجم الأسلحة التي تم تهريبها وتخزينها هي أضعاف ما كُشف عنه، يضاف إلى ذلك ما غنموه من الغزوات في الحفاظ على مخزون السلاح والذخيرة، أما في ما يتعلّق بالموارد الماليّة، فقد اعتمد جهاديو الجبل على غزوات الاحتطاب فغنموا كثيرا من المال حين استهدفوا عددا من الفروع البنكيّة.

المخزون البشري: يعتمد المشروع الجهادي في تونس على جيل من الشباب تم تطعيمه ببعض العناصر القديمة والنوعية والتي كسبت خبرتها في ساحات القتال في العراق وسوريا أو حتى في تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وقد ظهر المخزون البشري للجهاديين التونسيين في مؤتمرات تنظيم أنصار الشريعة في سكّرة والقيروان، وكانت التقديرات الأمنية تخمّن لعدد أنصار الشريعة ما بين 10 آلاف و15 ألف، وفي الأخير فقد ترجمت المواجهة عن رقم 7 آلاف بين من التحق ببؤر التوتر(3 آلاف) أو من قُبض عليه أو من التحق بالجبل، أما البقية فقد كمنت وصارت من الخلايا النائمة التي توفّر الحاضنة الشعبية لإرهاب الجبال، ولا بدّ أن نشير إلى أن العدد الكبير منهم قد تبنّى الفكر الجهادي ما قبل الثورة عبر الاستقطاب بالشبكة العنكبوتية أو في السجون التونسية التي احتضنت المحكومين بقانون مكافحة الإرهاب، وقد كانت السجون التونسيّة بوّابة لاستقطاب المنحرفين ممّن وجدوا في المشروع الجهادي بعضا من البطولة والطموح والهدف.

من خلال تشخيص الظاهرة الإرهابية يمكن لنا أن نطرح معالجة شاملة ومتكاملة: ماذا نقصد بالتطرّف العنيف؟ ما هو الإرهاب الراديكالي العنيف؟ ماهي العلاقة بين المرجعيّة الدينيّة والعنف؟ هذه الأسئلة وغيرها تفترض منّا تحديد المفاهيم، ونحن سنلتزم بالتعريفات التي قدمتها المنظمات الأممية التي اشتغلت على ملف الإرهاب وقدّمت التعريفات العلمية والعملية للنأي عن التوظيف السياسي أو التمييز العرقي والديني، وتكون المعالجة مبنية على أسس علمية صارمة قوامها:

المعالجة الأمنية العسكرية: يحتاج الجهاز الأمني التونسي إلى تطوير نفسه والتخلّص من تقنيات فترة الاستبداد التي كانت تتعامل مع "المشتبه بالإرهاب" كحالة إجراميّة فقط، وهذا التطوير يحتاج إلى موارد مالية للتكوين والحصول على التقنيات العالية التي تطوّر أساليب العمل واستثمار تجار الدول الأخرى، فالجهاز الأمني بأساليبه القديمة ومحدودية أفراده عاجز عن السيطرة على الأرض ومراقبة ذوي الشبهة وفق شروط المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

المعالجة القضائية السجنيّة: يعد تشكيل قطب قضائي لمكافحة الإرهاب خطوة منقوصة حين يتسلّم ملفات أمنية خالية من الحجج والأدلة، ولذلك كانت المفارقة في مقولة أن "الجهاز الأمني يقبض على الارهابيين والقضاء يطلق سراحهم"، وحتى القضاة فهم لازالوا في مرحلة التدرّب على القضايا الإرهابيّة وفي التعامل مع قانون مكافحة الإرهاب الذي لا يزال يشكو ثغرات قانونيّة، ومن خلال المعالجة القضائيّة تبرز إشكاليّة دور المؤسسة السجنيّة في دورها الردعي الإصلاحي لتأهيل المساجين، ويظل التجاذب حول مدى القدرة على إعادة تأهيل ذوي الأحكام الصغيرة في قضايا الإرهاب ضمن سياقة التوقّي من خطر العود.

المعالجة الاقتصادية الاجتماعية: ليس الفقر والتهميش السبب الرئيسي لظاهرة الإرهاب وفق الإحصائيات، لكنّه أحد الركائز الفاعلة للانتعاش والاستقطاب، فتلك الأحزمة السكنيّة التي تعيش الإهمال وغياب الدولة تمنح التنظيمات الجهاديّة حريّة أكثر في التحرّك والتعبئة والتجنيد، بل إنّها استثمرت غياب الدولة لتقوم بدوم اقتصادي واجتماعي يوفّر للشباب بعضا من الحماية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يبدو الحل ممكنا للدولة في غياب رؤية اقتصادية تنمويّة تستوعب أمواج المعطّلين عن العمل.

المعالجة التعليمية الثقافيّة: هي المعالجة الأكثر تعقيدا في تونس والبلاد العربيّة، لأننا مطالبون بمراجعة المنظومة التعليميّة التي غيّبت الروح النقديّة وزرعت ميلا للتطرّف العنيف في السلوك والعقيدة، ويرتبط ذلك بالشأن الثقافي للسياق الديني الذي يتيح فهما عدوانيا للدين والآخر، وضمن هذه المعالجة تتسع الدائرة لتشمل التعليم الدّيني والخطاب المسجدي ووسائل الإعلام والأطر الثقافيّة القائمة على الارتجال والتوظيف السياسي الفاسد.

هذه الزوايا المختلفة لمعالجة ظاهرة التطرف العنيف لا يمكن أن تنجزها الدول منفردة، بل تتداخل الأطراف الفاعلة والمنجزة لهذا المشروع الشامل من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني في التصدي لظاهرة التطرف العنيف بمعالجة الجذور والامتدادات والاستفادة من البحوث الأكاديمية الدقيقة، وقد خصصت المنظمات الدولية والأمميّة في السنوات الأخيرة العديد من الأجهزة والبحوث العلمية لتقديم الحلول في مساعدة الدول التي تعاني من ظاهرة التطرف العنيف، لذلك وجب الاستفادة من تلك التوجيهات بما يخفّف عن الدول والشعوب المعاناة من ظاهرة الإرهاب والتخفيف من حدّتها في المستقبل، ولما لا القضاء عليها بالمعالجة الشاملة التي لا تقدّم الحل العسكري الأمني على الحلول التعليمية والمجتمعيّة، ولعلّ مفهوم "تجفيف الينابيع" الذي تلوّث بمقاومة الإسلام السياسي هو المفهوم الأكثر عمقا في التوقي من ظاهرة التطرّف العنيف في تونس والعالم العربي.

وسوم
شارك :