تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عبير موسي تحاول استمالة قواعد الأحزاب التقدمية بدلاً من قياداتها؟

شارك :

بعد فشل الحزب الدستوري الحر في تمرير لائحة تهدف إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما ارهابيا مناهضا للدولة المدنية في تونس، إلى النقاش والتصويت عليها في البرلمان. قررت رئيس الحزب، عبير موسي، المضي بمعارضتها الجذرية إلى الشارع، في تحول إعتبره البعض نوعياً، في ما قلل البعض الأخر من نجاعته، بسبب امساك حركة النهضة بأغلب مقاليد السلطة التشريعية، من حيث ترأسها للبرلمان وحيازتها لأغلبية مريحة حتى الأن، بإعتبار تحالفاتها القوية مع كتلتي، إئتلاف الكرامة وحزب قلب تونس.
ورفض مكتب مجلس نواب الشعب لائحة الدستوري الحر بسبب إخلالات قانونية، بحسب تفسيره. وجاء رفض اللائحة خلال اجتماع مكتب البرلمان الذي يرأسه راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الاسلامية، التي تمثل الكتلة الأولى في البرلمان. وفي بيان صحفي، علل المكتب موقفه بأن اللائحة تتعارض مع النظام الداخلي للبرلمان، كما اعتبر أن تصنيف جريمة إرهابية جديدة يدخل في مجال التشريع، أي انها تستدعي بحسب الدستور تقديم مبادرة تشريعية وليس لائحة.
ووقفت موسي خطيبة في تجمع شعبي وسط العاصمة ، أين شارك المئات من التونسيين، السبت، في وقفة احتجاجية بشارع الحبيب بورقيبة ، للتنديد بقرارالبرلمان إسقاط لائحة متعلقة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما ارهابيا. وقالت رئيسة الحزب الدستوري الحر إن الأمن القومي لتونس أصبح مهددا من أجندات تنظيم الإخوان الخطيرة، بعدما فشل في تحقق أي نمو وأدت سياساته لرفع البطالة وتفقير التونسيين وتجويعهم بطريقة ممنهجة. مشيرةً إلى أن  أن تونس وأمنها القومي في خطر، مشيرة إلى أن أردوغان يسعى لتنفيذ أجندة الإخوان في المغرب العربي. معتبرة أن البرلمان أصبح تحت سيطرة رجل الإخوان المسلمين في تونس راشد الغنوشي.
وخلال الوقفة، قالت موسي إن "العنف السياسي الذي وصلت إليه تونس خاصة داخل المؤسسة الدستورية السيادية التي تشكل العمود الفقري للنظام السياسي، خطير جدا". وأضافت أن البرلمان "أصبح مسرحا للعنف وللبلطجة السياسية، ومسرحا لتصفية الخصوم السياسيين عبر خرق القانون وتجاوزه"، وفق تعبيرها.
هذا الخطاب الجذري ضد حركة النهضة جعل موسي تكسب العديد من الأنصار خلال المدة الأخيرة، خاصة من قطاعات سياسية مصابة بخيبة أمل من القوى التقدمية التي دأبت على دعمها، والتي عجزت – خلال سنوات من فشل النهضة في إدارة البلاد – عن استغلال الغضب الشعبي وتأطيره نحو بناء جبهة سياسية، ذات برنامج، قادرة على الحكم وانقاذ البلاد مما تعانيه من فوضى.
ويقول الكاتب صغير الحيدري في مقال بجريدة العرب الدولية ، من الواضح أن الاستعراض الشعبي وجّه رسالة مباشرة للسياسيين مفادها أن عبير موسي باتت الآن البديل الشعبي للإسلاميين من حيث خطابها الفكري والسياسي المناقض لأيديولوجيتهم، ومن حيث شعبيتها، ما يجعلها في أيّ انتخابات قادمة رقما صعبا، وهو وضع سيقود إلى تغيير في التوازنات السياسية في المشهد التونسي ككل وليس في البرلمان. وإذا كان تهديد عبير موسي لمكاسب الأحزاب المتفرعة عن نداء تونس أو القريبة منه مفهوما، خاصة بعد أن تحالفت هذه الأحزاب مع الإسلاميين بشكل انتهازي، فإن نجم السياسية الصاعدة سيهدد مكاسب المجموعات السياسية المحسوبة على معاداة الإسلاميين، لكنها تتحالف معهم مثل التيار الديمقراطي وحركة الشعب.
ويبدو أن التيار الديمقراطي قد فهم الرسالة مبكرا، إذ صوّت لصالح مرور لائحة تصنيف الإخوان حتى لا يبدو حليفا لهم ويخسر جزءا من شعبيته التي جمعها من شعاراته المعادية لحركة النهضة، فيما خير ممثلو حركة الشعب في مكتب البرلمان الغياب وساهموا بشكل مباشر في إنقاذ حركة النهضة من مساءلة برلمانية كانت ستكشف للتونسيين حقيقة الإسلاميين وارتباطاتهم الخارجية. ويهدد موقف التيار الداعم للائحة عبير موسي بانفجار التحالف الحاكم، وهو تحالف هش، ويعاني من مخلفات أزمة “تضارب المصالح” التي ارتبطت برئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، فضلا عن صراع الصلاحيات بين الرئيس قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي. كما أن تصويت ممثلي التيار داخل مكتب البرلمان قد يقود إلى خلافات داخلية، وهو ما ألمحت إليه تدوينة لغازي الشواشي، وزير أملاك الدولة، والقيادي في التيار، حيث أكد أنها “لائحة فاشية استئصالية (…) لا يمكن لأيّ حزب سياسي يعتقد في الديمقراطية أن يقبل التصويت لها أو دعمها أو حتى الجلوس لمناقشتها”.
ويرى مراقبون أن مبادرة الحزب الدستوري الحر تندرج في إطار ترفيع نسق الضغوط على الحركة الإسلامية، التي خرجت مرتبكة أكثر من أي وقت مضى عقب جلسة مساءلة لزعيمها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي بسبب التدخل في الشأن الليبي والاصطفاف مع أجندات المحور التركي القطري الداعم لحكومة الوفاق في طرابلس.
ويبدو أن قرار المجلس بعدم تمرير لائحة تصنيف جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا، جاء بدافع الخوف من تكرار "المحاكمة البرلمانية" التي تعرض لها راشد الغنوشي وحزبه الشهر الماضي خلال جلسة مناقشة لائحة التدخل العسكري في ليبيا، والتي نجحت خلالها عبير موسي وحزبها في توسيع دائرة المعارضة وكسب حلفاء جدد تمهيدا لمرحلة جديدة داخل البرلمان. كما أنها زادت في إظهار الغنوشي في موقع ضعيف خاصة بعد عجزه عن إدارة الحوار وتحمل النقاشات الساخنة في الجلسة، ما سيوسع دائرة المطالبين باستقالته أو إقالته لتحرير أداء البرلمان.
فعبير موسي، التي عجزت عن إقناع أغلب الأحزاب العلمانية والتقدمية بالتحالف معها في مواجهة حركة النهضة، تحولت إلى تكتيك جديد في العمل السياسي، يهدف إلى استمالة القواعد الإجتماعية لهذه الأحزاب بدلاً من إضاعة الوقت والجهد مع القيادات، ويبدو أن هذا الأسلوب أصبح يلقى نجاحاً، بإعتبار الصعود الواضح في شعبية المرأة، في الأونة الأخيرة، لكن السؤال يبقى معلقاً: لماذا تنجح موسي حيث فشلت أحزاب الطيف التقدمي؟

الكلمات المفاتيح:
شارك :