تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«غرف الصدى المعرفية» ودور وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيلها

0
شارك :

ليندا شليجل

نشرت هذه المقالة على منصة European Eye on Radicalization، لليندا شليجل المستشارة في مكافحة الإرهاب في مؤسسة كونراد أديناور ببرلين، وهي حاصلة على درجة الماجستير في الإرهاب والأمن والمجتمع من كلية كينجز كوليدج في لندن.

                                                                                             ***

تتمثل خبراتها الأساسية في دراسة خطاب التطرف على شبكة الإنترنت، والتطرف الاجتماعي، والمناعة المجتمعية ضد الإرهاب. وإلى جانب مساهماتها الأكاديمية والبحثية، فإنها تقدم رؤيتها حول المخاطر العالمية، والجغرافيا السياسية أيضا.

صاحبَ تناميَ استخدامِ وسائلِ التواصل الاجتماعي، كنشاطٍ يومي، من قِبل ملايين المواطنين، نقاشٌ مكثفٌ حولَ مخاطر هذا التطور. وفي هذا السياق، غالبًا ما يرد مصطلح غرف الصدى أو “فقّاعات الفلترة” [1]، والمقصود بهذا المصطلح أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، في بعض الحالات، يمكن أن يكونوا معرضين لما يشبه غرفة الصدى، أي أنهم يتفاعلون فقط مع المحتوى الذي يؤكد المعتقدات التي يؤمنون بها بالفعل.

ونظرًا لأن المستخدمين يتفاعلون مع المحتوى الذي يؤكد خطابًا أو سردية محددة تتوافق مع ميولهم ورؤيتهم وقناعاتهم، ويتواصلون مع أولئك الذين يؤمنون بمعتقدات مشابهة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق حالة من الوهم بوجود توافق واسع النطاق. وهذا قد يوقع الأفراد في شبكة تتبادل المحتوى المتطرف، مما يُعرّضهم لردود فعل عاطفية أكثر حدة، ومن ثم يصبحون عرضةً للاستقطاب. وهذا يمكن أن يسهم أيضًا في عملية التطرف[2]، على سبيلِ المثال، الانضمام لداعش[3].

ومع ذلك، فإن التحليلَ السابق لغرف الصدى أمرٌ مثار جدل؛ إذ ينتقد البعض فكرةَ أن جوهر تصميم منصات وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يصل على نحو افتراضي المستخدمين كافة، يقود إلى مجتمعاتٍ “إنترنتية” منعزلة. ويرفض البعض افتراضَ أن الخوارزميات الذكية التي تقف وراء تصميم مثل هذه المنصات ترفع احتمالات أن يظهر للمستخدمين محتوى متطرف من خلال أنظمة التوصية المخصصة لكل شخص، التي تقترح محتوى جديدًا بناء على تفضيلات المستخدم السابقة.

الأدلة مختلطة وتعتمد، إلى حد كبير، على نوع المنصة قيد التحليل. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة[4] حديثة أن نظم التوصية الخاصة بكل من موقع “Reddit” و”Gab” لم تؤد إلى التعرض لمزيد من أفكار اليمين المتطرف بعد أن اطلع المستخدمون على هذا المحتوى. ومع ذلك، أعطت أنظمة التوصية على موقع “يوتيوب” الأولوية للمواد اليمينية، واقترحت هذا النوع من المحتوى، في كثيرٍ من الأحيان، بعد أن كان المستخدمون قد اطلعوا عليه في البداية[5]. رغم أن الخوارزميات تشكل بالتأكيد المحتوى الذي يراه المستخدمون، فإن تأثيرها على إنشاء فقاعات فلترة متطرفة يعتمد إلى حد كبير على التصميم الفردي لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ينبغي تعميمها.

وانتقد آخرون مفهومَ “غرف الصدى” بشكل أعم. على سبيل المثال، قيل إنه نظرًا لأننا “أفراد متصلون” مغروسون في شبكات متعددة وتربطنا على الأقل روابط ضعيفة[6] بأولئك الذين يقعون خارج غرفة صدى محتملة، فإن التهديد المفترض لا يمكن أن يكون بالأهمية التي يعتقد فيها مؤيدو المفهوم[7]. وفي نهاية المطاف، فلن تصبح تلك غرف صدى حقيقية، إذا كانت هناك مدخلات من الخارج.

ومع ذلك، يمكن أيضًا فهم غرف الصدى كخاصية معرفية يشترك فيها أعضاء “مجتمع مُتصوّر” [8] افتراضي، وليس وظيفة لوسائل التواصل الاجتماعي نفسها. وهنا، ترتبط غرف الصدى بالمفهوم الذي يطلق عليه علماء النفس مصطلح الانحياز التأكيدي الذي يصف الميل البشري للبحث عن المعلومات التي تؤكد المعتقدات الموجودة بالفعل ويتجاهل المعلومات التي تتعارض مع هذه الآراء لتجنب التنافر المعرفي. وبعبارةٍ أخرى، كون أن لدى “الأفراد المتصلون بالشبكة” اليوم صلاتٍ بشبكات متعددة، لا يمكن أن يُقال إنهم محصورون هيكليًا في غرفة صدى، فقد يحصرون هم أنفسهم، رغم ذلك، في غرفة صدى نفسية أو معرفية نتيجة أنهم لا يولون نفس القدر من الاهتمام للمعلومات التي تقدمها لهم علاقاتهم خارج شبكة غرفة الصدى المنعزلة. يجب ألا تُفهم غرفة الصدى بالضرورة على أنها غرفةٌ من دون أبواب، بل على أنها غرفة تُفتح فيها أبواب محددة، فيما تبقى الأبواب الأخرى مغلقة من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أنفسهم (وهي عملية لا شعورية في كثير من الأحيان).

كما يمكن فهم غرف الصدى على أنها كيانات تتجاوز الإدراك الفردي. في حين أن المستخدمين قد يُنشِئون لا شعوريًا غرف صدى خاصة بهم، نتيجة لاختيار متابعة واستهلاك محتوى من مصادر محددة وفقًا لنظرتهم إلى العالم بسبب الانحياز التأكيدي، فإنهم لن يستطيعوا فعل ذلك من دون وجود مستخدمين ينتجون ويتقاسمون هذا النوع من المحتوى. ولذلك، قد يكون لغرفة الصدى مستويان: أحدهما يصف شبكة محددة من الأفراد أو المنظمات التي تُظهر أطرًا وروايات مماثلة، بسبب التشابه في نظرتهم للعالم، والثاني غرفة صدى معرفية مخصصة وفريدة من نوعها لكل شخص يُنشئها المستخدم نفسه.

لا توجد غرفة صدى في الإدراك الفردي هي نفسها، لأنه حتى المستخدمين داخل الشبكة نفسها وغرفة الصدى نفسها يتخذون خيارات مختلفة قليلًا فيما يتعلق بمن يتابعون ويتفاعلون معه، بسبب الاختلافات في التفضيلات الشخصية أو مجموعة العادات والتصرفات الاجتماعية[9]. ويمكن وصف غرفة الصدى الجماعية بأنها بنائية [نسبة إلى النظرية البنائية أو الإنشائية] وتفاعلية على حد سواء. فهي بنائية بطبيعتها، لوجود أطرافٍ متعددة تنتج وتتشارك محتوى محددًا، حيث يتم تحويل المعنى الفردي المضاف للمحتوى، إلى إنتاج شامل للمعنى الموجود في الخارج، ويصبح في نهاية المطاف، من خلال خاصية التخزين المعلوماتي في الإنترنت، مستقلًا عن الجهات الفاعلة الفردية. كما أنها تفاعلية، لأن الروايات والهويات المستمدة من إنتاج المعنى الجماعي يتم تغذيتها بعد ذلك في كل من غرف الصدى الفردية والمشتركة، مما يشكل -ويعيد تشكيل-الخطاب في نهاية المطاف.

وعليه، ليست وسائل التواصل الاجتماعي، بالضرورة، هي سبب فقاعات الفلترة هذه، بل قدرة المستخدمين على تخصيص المحتوى الذي يرونه، والترابط الناتج عن استخدام وسائل الواصل الاجتماعي هو الذي يمكن أن يسهل ظهور غرف الصدى. ذلك أنه يمكننا، عبر الإنترنت، اختيار “العشيرة” الخاصة بنا والأشخاص الذين نريد التواصل معهم. ومن خلال خاصية التخصيص، تمكننا وسائل التواصل الاجتماعي من إنشاء واقع خاص بنا يتكون من الأصدقاء والأخبار والنكات المختارة، بل وحتى الواقع السياسي دون الحاجة إلى تشغيل التليفزيون أو قراءة صحيفة، وقد يشمل كل ذلك معلومات قد تسبب لنا تنافرًا معرفيًا. وهكذا، فان الشيء نفسه المصمم لربطنا بعالم معولم يُمكننا من حذف أجزاء من هذا العالم الذي لا نريد رؤيته.

عندما ذكر باتمان[10]، بطريقة عامية وتعميمية، أنه “بمجرد أن يكون لدى كل قرية شخص أحمق. لا يتطلب الأمر سوى الإنترنت لجمعهم معًا”. كان باتمان يشير إلى الترابط المتأصل في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى تنامي القبلية في مجتمع بعد الحداثة الذي لولا ذلك لأصبح مجتمعًا فردانيًا (نسبة إلى نظرية الفردانية).

على الإنترنت، يستطيع المستخدمون اختيار الشبكة التي يرغبون في الانتماء إليها، وإذا كانت هذه الشبكة تتحرك في اتجاه متطرف، قد يتحرك أعضاؤها في نفس الاتجاه أيضًا. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن غرف الصدى، كفضاءاتٍ معرفية فردية، وغرف الصدى ككياناتٍ جماعية لإنتاج المعنى، لا تأتي إلى حيز الوجود من فراغ. تطوير غرفة صدى هو عملية، ومن المرجح أن يمر الفرد فيها بمراحل مختلفة حتى عملية “الأسْر” في الغرفة، بدءًا من التفاعل البسيط، مرورًا بإضعاف الروابط الخارجية، وانتهاءً بالانغماس الكامل.

وإذا قبلنا بوجود غرف صدى في الإدراك الفردي، وككيان جماعي لإنتاج المعنى، فإنه من الصعب التوصل إلى تدابير مضادة. إذ لن يكون كافيًا -ببساطة-تغيير أنظمة التوصية الشخصية والخوارزميات المقابلة لمكافحة غرف الصدى المنتجة ذاتيًا. علاوة على ذلك، إعدادات التخصيص والقدرة على اختيار المحتوى الذي يستهلكه المرء و”يتابعه” هي جزء من جاذبية وسائل التواصل الاجتماعي. ومن ثم، فإن الحد من هذه الإمكانية من المرجح أن يقلل جاذبية ونوعية تجربة المستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي لملايين المستخدمين غير المتطرفين.

ومع التسليم بأنه ينبغي تناول التدابير المضادة من جميع الزوايا، قد يكون من المفيد للأكاديميين والممارسين وصانعي السياسات أن ينظروا إلى ما هو أبعد من غرف الصدى، وأن يستكشفوا سبلًا أخرى لبرامج مكافحة التطرف العنيف، ومنعه في الفضاء الإلكتروني

وسوم
شارك :