تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«لا إله إلاّ الله، الشرفيّ عدوّ الله»: قصة تكفير محمّد الشرفيّ

0
شارك :

 شكري المبخوت

لا يذكر الفتى اليوم الذي رأى فيه الأستاذ أول مرّة ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه اللّه من الشهر والسنة ولكنّه يقرّب ذلك تقريبا. فقد يكون في سنة ثلاث أو أربع وثمانين من القرن الماضي يوم كان طالبا بدار المعلّمين العليا بسوسة والأرجح أنه في موفّى شهر أكتوبر أو بداية شهر نوفمبر.

ذهب الفتى إلى كليّة الحقوق بتونس، وقد كانت تعدّ قلعة من قلاع النضال الطلاّبي ضدّ دكتاتوريّة الزعيم بورقيبة ونظامه وموطنا من مواطن الصراع بين اليسار والإسلاميّين الذين استعصت عليهم السيطرة عليها آنذاك على الأقلّ. كانت زيارة للقاء إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء من الذين اختاروا دراسة الحقوق وكادوا يجرّونه معهم إليها. 

وعلى عادة الطلبة، التقوا في مشرب الكليّة حيث الأحاديث الجادّة والهازلة يستدعون خلالها كبار الفلاسفة والمفكّرين ومستعصي القضايا والمفاهيم في أجواء صاخبة تلفّها روائح السجائر المتصاعدة في الفضاء. وفجأة ذُكر أمامه اسم الأستاذ فأجمع الإخوان الأصفياء على أنه فريد عصره علما ومعرفة وفصاحة واحتراما لطلبته. لم يكن نكرة فهو آنذاك على ما يذكر نائب لرئيس الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان.

طال الحديث ولكنّ ساعة درس الأستاذ قد أزفت فكان لا بدّ من إلقاء نظرة على هذا العَلَم العالم وهو يلقي درسه في مدرج كبير يتّسع لحوالي ألف طالب. كان الطلبة يعرفون عنه أنه لا يتغيّب عن محاضراته أبدا ولا يردّ طالبا يأتي من غير طلبته. رأى الفتى الطلبة قد احتلّوا جميع المقاعد وجلس بعضهم على أرضيّة المدرج متّخذين محافظهم مكاتب لأخذ التقييدات ومن لم يجد مكانا ظلّ واقفا في آخر المدرج يصغي متحايلا لتسجيل ما يراه مفيدا على كراس أو كنّش بين يديه.

كان المدرّج فضاء فسيحا مليئا بالخلق لا تسمع فيه إلاّ صوتا جهوريّا تحمله إلى الآذان ذبذبات المكرفون. صمت مطبق يعمّره صوت فاتن أخّاذ تنساب منه فرنسيّة فصيحة راقية مبهرة.  لا يذكر الفتى اليوم شيئا من كلام الأستاذ ودلالاته. فقط ارتسم في ذاكرته ذاك الهدوء الذي يعمّ المدرّج وتلك الرصانة التي كان يلقي بها الأستاذ درسه وذاك الحرص الذي يبديه الطلبة ليستوعبوا كلامه. فثمّة شيء من السحر مأتاه ربّما تلك الموسيقى التي توقّع بها اللّغة مصطلحات قانونيّة جافّة وصورة ذاك الأستاذ النحيل الذي يجلس على طاولته في وقار وجدّ لا يخفيان على الناظر. فهو شخص على قدر كبير من الحضور الركحيّ والكاريزما.

لم يكن يملي محاضرته من حزمة أوراق أمامه يقرأها بل كان يلقي، بين الفينة والأخرى، نظرة سريعة على تقييدات أو نقاط مسجّلة في ورقة بيد أنّه كلّما تعلّق الأمر بنصّ قانوني يأخذ في القراءة محيلا على مصدره بدقّة.  هذا ما استقرّ في ذهن الفتى عن الأستاذ. أمّا التفاصيل المعرفيّة فقد ذهبت سدى. وفي الحالات جميعا لم يكن يفهم في علوم القانون شيئا. فقد كان يحبّ أن يرى هذا الذي أجمعت ألسن طلبته على إحلاله محلاّ رفيعا.

كان هذا الأستاذ هو محمّد الشرفيّ الذي سيصبح بعد خمس أو ستّ سنوات أكثر وزراء التربية في تونس إثارة للجدل بين الإسلاميّين وخصومهم. وكان الفتى الذي حضر يومها جزءا من درسه هو أنا. ورغم ذلك لم التق به يوما وجها لوجه ولم يدر بيني وبينه حديث رغم مشاركتي بشكل من الأشكال، وأنا مساعد يدرّس في الجامعة، في الإصلاح التربويّ الذي بدأه سواء في اللجنة القطاعيّة للعربيّة أو في وضع بعض البرامج أو تأليف بعض الكتب المدرسيّة وتصحيح بعضها وتعديل بعضها الآخر. ولكنّني أذكر أنني كنت ممّن وقّعوا عرائض تساند الوزير ضدّ خصومه من الإسلاميّين الذين كفّروه وحضروا اجتماعات نقابيّة في الجامعة حول حوادث خطيرة ارتبطت بسياسته في وزارة صناعة الذكاء التونسيّ.

فقد وجد محمّد الشرفيّ الوزير، على قدر الأعداء، مناصرين من قطاعات عريضة من النخب على رأسها أغلب الجامعيّين. ففي هذا المدرج الكبير نفسه عقد الجامعيّون اجتماعا ضخما بعد أن اتّهمه حزب النهضة الإسلاميّ بالكفر وشرعوا في معارضة الإصلاح التربويّ الذي افتتحه بالهجوم على الإيديولوجية التي يتبنّونها. لقد كانت مساندة الجامعيّين للشرفي كبيرة إذ بلغ مثلا عدد التوقيعات في إحدى العرائض الألف توقيع.

وفي كلّيّة الحقوق نفسها عقد الاتّحاد العام التونسيّ للطلبة (النقابة الطلاّبيّة القريبة من الإسلاميّين) أحد مؤتمراته بترخيص من الوزير الشرفي نفسه، رغم معارضة الوزير الأوّل لذلك على ما يروي الأستاذ في مذكّراته (Charfi، 2009، ص 241). وقد بدأ المؤتمر، ويا للمفارقة، بتنظيم طلبة الاتجاه الإسلاميّ لمظاهرة جابت المركّب الجامعيّ كلّه رافعة شعارا دالاّ على موقف حزبهم من الوزير: "لا إله إلاّ الله، الشرفيّ عدوّ الله"! وهو الشعار نفسه الذي رفعه الإسلاميّون أكثر من مرّة في عهد بورقيبة ابتداء من سنة 1984 حين صاروا ينظّمون المظاهرات المعادية للنظام. فكثيرا ما تصدح أصوات الشباب الطلاّبي والتلمذيّ بلا إله إلاّ الله بورقيبة عدوّ الله (العلاّني، 2014، ص184).

ولم يكن هذا الشعار مجرّد نزوة لطلبة غاضبين على وزيرهم وإنّما هو يصوّر موقفا منه له قصّة جديرة بأن تروى. إنّها قصّة تكفير الشرفيّ. ولها بدايتان: إحداهما تابعها الرأي العامّ في التلفزيون والإذاعة علاوة على الصحف والأخرى غير معروفة رواها في مذكّراته.

إعلان الحرب على الوزير الكافر

عيّن زين العابدين بن عليّ يوم 11 أفريل 1989 محمّد الشرفيّ وزيرا للتربية والتعليم والبحث العلميّ. كان الشرفي قد قبل هذه المهمّة بعيد انقلاب بن عليّ على بورقيبة لغاية أساسيّة في نظره هي إصلاح المدرسة التونسيّة. ولم يكن تعيينه ليسرّ الإسلاميّين بدءا من زعيمهم راشد الغنّوشي وصولا إلى منظّمتهم الطلاّبيّة. لكنّ المعركة لم تندلع بعد.

وفي 14 سبتمبر 1989 عقد الوزير، على عادة سابقيه من وزراء التربية، ندوة صحفيّة للإعلان عن جديد السنة المدرسيّة وتقديم توجّهات الوزارة وقراراتها. كانت الأمور تسير بصفة عاديّة. إذ تحدّث عن دور التعليم في التنمية وضرورة تجنّب حشو الأدمغة والتركيز على البعد التربويّ إلى أن قرّر الحديث عمّا لاحظه من إخلال في الكتب المدرسيّة المعتمدة في تدريس مادّة التربية الإسلاميّة. عندها بدأت الفضيحة.

طفق الوزير يعدّد بعض ما لاحظته اللجان المختصّة التي بدأت عملها منذ أشهر. فكتاب السنة الرابعة من التعليم الثانويّ يؤكّد للتلاميذ "حقّ الزوج في ضرب زوجته" وأنّ الطلاق نوعان بائن ورجعيّ ويكفي لوقوعه إيقاع صيغة الطلاق "أنت طالق".

وبقطع النظر عن مطابقة هذه الأقوال للموروث الدينيّ فقد ركّز الوزير على البون القائم بين هذا المحتوى الذي يدرّس وما ورد في مجلّة الأحوال الشخصيّة والقانون التونسيّ من حقوق وواجبات للمرأة. فالقانون التونسي يعاقب الزوج الذي يعتدي على زوجته ولا يكون الطلاق إلاّ أمام المحكمة. وكان القرار هو حذف كتاب السنة الرابعة من برامج التدريس.

وعقب ذلك تحدّث الوزير عن كتابي السنتين الخامسة والسادسة. ففي كتاب السنة الخامسة نجد في الصفحة 37 ما يلي: "الديمقراطية هي النظرية التي تُرجع أصل السلطة إلى الارادة العامة للأمّة والإسلام يرى أن المعوّل عليه في الشورى ليس قوّة العدد".

وفي صفحة 39: "إنّ أهمّ مشكلة في الحكومة الديمقراطيّة الحديثة هي تأمين الحصول على تعادل صحيح بين الديمقراطية المعترف بقيمتها وبين مبدأ الكفاءة الّذي يعادلها في الأهمية، فالقول بمساواة الجميع في الاسهام في شؤون الحكم يؤدّي إلى جهاز حكومي غير قادر".

وهذان القولان يعنيان، حسب الوزير الذي شارك في وضع الميثاق الوطنيّ، أن الديمقراطيّة منافية للإسلام بناء على تساوي المواطنين في الانتخاب وأنّ المطلوب هو أن يحكم علماء الدين. وهو أمر صريح في هذه الكتب التي يقول مؤلّفوها إنّ نظام الحكم الشرعيّ في الإسلام هو الخلافة. من ذلك أن الكتاب يعلّم التلاميذ "أنّ من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهليّة". فتنتقل الخلافة من نمط تاريخيّ من أنماط الحكم إلى واجب شرعيّ. وينقد الشرفي هذا المستند من الحديث النبويّ على اعتباره حديث آحاد علاوة على أن مفهوم الخلافة يجعل تونس مقاطعة من مقاطعات العالم الإسلاميّ ممّا يمسّ من مفهوم الوطنيّة وحبّ الوطن.

ويواصل الشرفي سرد ما وجده في الكتابين التعليميّين. ففي الصفحة 124 نجد: "دعا الإسلام أهله إلى الأخذ بأسباب القوّة المادّيّة والمعنويّة واكتساب وسائلها والحرص عليها والتأهّب المستمرّ للقتال في سبيل نشر الإسلام". وهو تصوّر ينبني عليه مفهوم الجهاد الذي يعبّر عنه ما يوجد في الصفحة 129: "على المسلم أن يجاهد سياسيّا في سبيل الله".

فالكتاب يؤسّس لرؤية جهاديّة حربيّة تستعيد نماذج من نمط الحياة الاجتماعيّ والاقتصادي القديم. من ذلك أن مصير الأسرى يتحدّد على النحو التالي المذكور في الصفحة 139:"إن ظفر المسلمون ببعض المحاربين أحياء يتّخذ بشأنهم الخليفة القرار الذي يرى فيه مصلحة المسلمين أو يسترقّهم".

فممّا أثار الشرفي أن يتحدّث الكتاب عن العبوديّة والرقّ الناتج عن الحرب في بلد كان أول بلد إسلاميّ ألغى منذ أواسط القرن التاسع عشر العبوديّة. ولا يقدّم هذا الحديث عن الرقّ على أنه جزء من التاريخ القديم الإسلاميّ وغير الإسلاميّ وإنّما يعرض على الناشئة باعتباره ما يجب أن يكون وباعتباره من الإسلام الصحيح.

إنّ هذا التنافر بين المعطيات التاريخيّة التي تقدّم في كتب التربية الدينيّة والمجتمع المعاصر هو ما أدانه الشرفي في ندوته الصحفيّة. لكنّ هذا المنطق الذي يتداخل فيه التاريخيّ بالتربويّ والدينيّ يذهب إلى أقصاه ضمن منطق تقليديّ متماسك. إذ نجد في الصفحة 138: "ينقسم العالم من وجهة النظر الإسلاميّة إلى دار الإسلام وهي المناطق التي تطبّق فيها نظم الإسلام الدينيّة والسياسيّة وكلّ ما غيرها دار حرب يعني دار كفر ويجب محاربتها".

وممّا ورد في اعتراضات الشرفي على ما يدرّس للتلاميذ التونسيّين في كتب التربية الدينيّة مسألتان أخريان. الأولى حول تارك الصلاة فقد ورد في الصفحة 170 ما يلي: "ترك الصلاة عمدا: الصلاة عماد الدين فمن تركها إنكارا لها فهو مرتدّ يستتاب فإن لم يتب وقع عليه حدّ الردّة". ومشكلة الشرفي أنّ مثل هذا الحكم الذي يدرّس للتلاميذ سيؤدّي إلى حرب اجتماعيّة وخلق أناس "متزمّتين" و"متعصّبين" و"متطرّفين" و"عنيفين"، والعبارات له، في حين أن دور "أستاذ التربية الإسلاميّة، عنده، أن يرغّب تلاميذه في الصلاة وأن يدرّس قواعد الصلاة يعني أن يحبّب لهم الإسلام وأن يغرس فيهم الروحانيّات".

أمّا المسألة الثانية التي أشار إليها الشرفي فتتّصل بما في كتاب السنة السادسة من ردود على فلاسفة القرن العشرين اعتبرها "رديئة" و"تعسّفيّة" أحيانا. من ذلك أن سارتر يوصف في الكتاب بالصهيوني والكافر والملحد.

هذه إذن مجمل الانتقادات التي دفعت الشرفي إلى إحداث تغييرات في كتب التربية الدينيّة بصفة مستعجلة. أمّا الحلول التي وجدها فهي تعويض كتابي السنتين الخامسة والسادسة بكتاب عنوانه "الاجتهاد والتجديد" ألّفه عدد من علماء تونس منهم مفتي الديار التونسيّة مختار السلاّمي ورئيس أحد معاهد الكلّيّة الزيتونيّة وبعض أعضاء بالمجلس الإسلاميّ الأعلى. وكل هؤلاء حسب الشرفي تقليديّون وليسوا ثوريّين.

وبالعودة إلى البرنامج الجديد نجد التلاميذ في السنوات الخامسة والسادسة والسابعة يدرسون جملة من المحاور. فمن مقدّمات الاجتهاد مثل أهداف الشريعة الإسلاميّة وأسسها وتطوّرها والمصالح المعتبرة في التشريع ينتقل التلميذ إلى آراء العلماء في الاجتهاد الدينيّ وعلاقته بالتقليد وأسباب الاختلاف بين المجتهدين في القرآن والسنّة ثم اجتهاد الرسول والصحابة. ويركّز برنامج السنة السادسة، بعد مراجعة جملة من المسائل المتصلة بموضوع الاجتهاد واختلاف المجتهدين واجتهاد الرسول والصحابة، على العلاقة بين الاجتهاد ونشأة المذاهب فحركة الإصلاح والتجديد في تونس والجزائر ومع محمّد بن عبد الوهاب والأفغاني ومحمّد عبده ورشيد رضا. ويتناول طلبة السنة السابعة جميع هذه المسائل في مادّة التفكير الإسلاميّ. وهو حلّ ظرفيّ يدوم حسب الوزير سنتين دراسيّتين في انتظار إعادة النظر جذريّا في جميع البرامج وإصدار الكتب الجديدة ابتداء من السنة الدراسيّة 1991 -1992.

ولم يكن من باب الصدفة أن كلّف الشرفي جامعيّا من آل النيفر، وهي عائلة زيتونيّة معروفة، للإشراف على هذه العمليّة الدقيقة. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إحميدة النيفر المكلّف بهذا الملفّ من الذين انشقّوا عن الجماعة الإسلاميّة التي ستصبح في ما بعد حركة الاتجاه الإسلاميّ ثمّ حزب النهضة بصفة مبكّرة متّجها نحو ما يعرف باليسار الإسلاميّ أو الإسلاميّين التقدّميّين. فقد أصدر مجلّة للفكر الإسلاميّ بعنوان "15 / 21" استمرّت في الصدور من سنة 1982 إلى سنة 1990.

وقد ذكره راشد الغنّوشي في كتابه "من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس" على أنّه رفيق دربه في بداية تأسيس الجماعة الإسلاميّة وعلى انّه قاد انشقاقا داخل الجماعة عرف باسم الإسلاميّين التقدّميّين أو اليسار الإسلاميّ. وقال عنه في هذه المرحلة التي اشتغل فيها مع الشرفي ما يلي: "استلم بعض أفراد [هذه المجموعة] مناصب رسميّة عليا مع علمانيّين عتاة، فوزير التربية الشرفي مثلا، الذي عرف عنه عداؤه الشديد للخيار الإسلاميّ والذي أتِيَ به لمصادرة ما تبقّى من تديّن في مناهج التعليم، كان مستشاره الدينيّ أحد رموز هذا التيّار الإسلاميّ التقدّميّ" (الغنّوشي، من تجربة الحركة...، ص ص 45 – 46).

ولم يكن ردّ فعل النهضة على ندوة الوزير أول ردّ فعل في المشهد الدينيّ والسياسيّ التونسيّ. فمنذ شهر أوت وقبل الندوة الصحفيّة وقّع عدد من أساتذة التربية الإسلاميّة عريضة اعتبروا فيها مشروع إصلاح مادّة التربية الإسلاميّة "لا يتماشى وثوابت الفصل الأوّل من الدستور" على اعتبار أنّ الإسلام دين الدولة وما كان ينويه الوزير مناقض له.

ودعّم شخص اسمه محمّد بن إبراهيم هذا الموقف بصفاته الثلاث التي كان يتّصف بها وهي أنّه أستاذ بكلّيّة الشريعة وعضو بالمجلس الإسلاميّ الأعلى ورئيس سابق للجنة القطاعيّة للتربية الإسلاميّة. إذ اعتبر التغييرات في برنامج التربية الإسلاميّة "مفاجئة ولم تخل من هوى الأشخاص غير المختصّين" (عن زمزمي، تونس الإسلام الجريح، ص 223).

 وسارع العميد السابق لكلّيّة الشريعة وأصول الدين الشاذلي النيفر إلى الإبراق إلى الرئيس بن عليّ منبّها إلى الحملة على الإسلام ومهاجمة كتاب الله والسخرية من أحكامه معبّرا عن أمله في أن يدفع "سيادته" وزيره للتربية إلى الكفّ عن ذلك (مجلّة "حقائق" بتاريخ 29 -09 -1989).

وبعد عشرين يوما تقريبا من الندوة الصحفيّة التي عقدها محمّد الشرفيّ، في 2 اكتوبر 1989 تحديدا، ظهر بيان حزب النهضة ممضًى باسم أحد الوجوه المعتدلة داخله وهو عبد الفتّاح مورو. كان عنوانه لوحده مكفّرا "لا للسخرية من الإسلام"! ويدلّ التأخير النسبيّ في إصدار البيان السياسيّ، ولا شكّ، على جدل داخل حزب النهضة بين مؤيّد لإصداره ومناهض أو على نقاش حادّ حول صيغته ومضمونه.

وقد رسم هذا البيان جملة الاتهامات التي سترافق الوزير طيلة السنوات الخمس التي قضاها على رأس وزارة التربية والتعليم والبحث العلميّ، وهي:

1/ تكريس "مشروع بورقيبة المحارب للإسلام واللّغة العربية" والهادف إلى "علمنة التعليم وتغريبه". وليست الإشارة إلى بورقيبة هنا مسألة عرضيّة ولا هي من باب التركيز على العدوّ اللدود للإسلاميّين الذي عزله بن عليّ في 7 نوفمبر 1987 فسانده الإسلاميّون لأنه أبْعدَ عدوَّهم التاريخيّ. لذلك اعتبروا الشرفي مواصلا للنهج البورقيبيّ في التعليم والثقافة فكان في عيونهم أساسا فرنكفونيّا معاديا للعربيّة وعلمانيّا معاديا للإسلام. وبقطع النظر عن دلالة هذه الصفات وما وراءها من تصوّرات سلبيّة واتهامات صريحة فإنّ الإسلاميّين لم يخطئوا في أمر جوهريّ هو أنّ أهمّ إصلاحيْن للتربية والتعليم في تاريخ تونس المعاصر هما إصلاح 1958 مع محمود المسعدي وإصلاح محمّد الشرفي ولم يخطئوا في ربط علاقة النسب الفكري بين بورقيبة والشرفي فهو كما ذكرنا أحد أبنائه. بقي ما يحتاج إلى تساؤل وتأمّل لم اعتبر الإصلاحان معاديين لهويّة البلاد العربيّة والإسلاميّة؟ وما دلالة ألاّ يروق هذان الإصلاحان للمحافظين والإسلاميّين رغم اختلاف السياقين اللّذين تنزّلا فيهما؟

2/ " إقدام الوزير المتحمّل لموقع المربّي الأوّل لما لا يقلّ عن ملونين من أبنائنا على السخرية من الإسلام ومقدّسات أبنائه الأمر الذي لم يسبقه إليه إلاّ بورقيبة".

ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ اسم بورقيبة في هذا السياق الثاني إنّما ورد على سبيل الاستبدال. ف"السخرية من الدين والمقدّسات" تعني في التصوّر الإسلاميّ عامّة الكفر وما يستوجبه من قتل وبورقيبة كافر حسب فتوى عدد من الشيوخ على رأسهم ومنهم بالخصوص الشيخ الوهّابي ابن باز على ما حلّلنا في الجزء الأوّل من كتابنا عن تاريخ التكفير في تونس.

ولئن لم يبرز التكفير صراحة في بيان النهضة فقد جاء ضمنيّا على وجهين. فمن جهة نجد الاستهزاء بالدين منصوصا على حكمه في القرآن: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ أن نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} (التّوبـَـة، 65 -66) أو في الآية: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (الجـَـاثيـَـة، 9). لذلك فإنّ الشرفي بمقتضى هذا الضمنيّ في عبارة "سخرية من الدين" كافر مرتدّ.

أمّا الوجه الضمنيّ الثاني فهو حمل سلوك الشرفيّ وموقفه من آيات ضرب المرأة في القرآن: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً أن اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء، 34) على موقف بورقيبة من بعض الآيات التي كفّره بسببها ابن باز. وهو ما يعني حمل الحكم الشرعيّ في بورقيبة على حالة الشرفيّ نفسه بجامع ما بينهما من استهزاء ببعض الآي من القرآن.

بيد أن البيان الذي أصدره حزب النهضة يحمل تلميحات خطيرة. فمن الطبيعيّ أن نجد فيه إدانة لهذا الاعتداء على "مقدّسات الأمّة ومشاعرها" و"تحميل السلطة مسؤوليّتها" وإعادة النظر في كيفيّة إدارة ملفّ الإصلاح التربويّ. بل من الطبيعيّ، والأمر على ما وصفنا من ضمنيّات توجّه الكلام وجهة التكفير، أن يطالب بإقالة الوزير باعتبار ذلك موقفا سياسيّا.

غير أنّ النقطة الخطيرة فيه وردت في العنصر الخامس الذي جاء غامضا: "تدعو العلماء والمُربّين إلى أداء دورهم". فما هو هذا الدور؟ لسنا في حاجة كبيرة إلى تحليل ضمنيّات هذه الدعوة. فهي لا تترجم صراحة إلاّ بشكلين مناسبين للطرفين المدعوّين. فعلى "العلماء"، وهم رجال الدين والشيوخ في اصطلاح الإسلاميّين، أن يستخدموا المنابر المتاحة من الخطب الجمعيّة إلى حلقات الدعوة والكتابات المختلفة لمهاجمة الوزير والتشهير به والتصريح بكفره ولم لا التحريض بقتله. أمّا المربّون فدورهم أكثر مدنيّة عماده رفض الإصلاح والاعتراض عليه والامتناع عن تطبيقه من جهة والدخول في
إضرابات قصد الضغط على الرئيس لعزل الوزير.

ولم تتأخّر الاستجابة طويلا. فقد أصبح الشرفيّ وإصلاحه موضوعيْ الخطب الجُمعيّة غمزا فنقدا باسم الدين وصل إلى حدّ المجاهرة بتكفيره. ولعلّ أكثر هذه الخطب ا التي بقيت في أذهان الناس هي الخطبة التي ألقاها الشيخ عبد الرحمان خليف في جامع عقبة بن نافع بالقيروان. فقد كفّر في خطبته هذه الوزير الشرفيّ ودعا عليه دعاء مرّا رغم أنه كان وقتها شخصيّة رسميّة سواء في المجلس الإسلاميّ الأعلى الذي دخله سنة 1988 أو مجلس النوّاب الذي انتخب فيه عضوا يمثّل ولاية القيروان في قائمة الحزب الحاكم آنذاك التجمّع الدستوري الديمقراطي الذي خلف الحزب الاشتراكي الدستوري. وإذا استحضرنا أن الشيخ خليف كان أماما خطيبا ومن رجال التعليم بخطّة متفقّد لمادّة التربية الإسلاميّة التي نقدها الشرفي أدركنا أنه استجاب لبيان النهضة وإن كان في مرحلة انتقال من الإسلام الغاضب على السلطة إلى الإسلام الرسميّ. ولكنّ الأمر أشدّ تعقيدا إذا نظرنا إلى ما بين الإسلاميْن السياسيّ المحتج والرسميّ من وجوه التقاء سنبرز بعضها.

وبتتبّع ردود الفعل المختلفة حسب تواريخ صدورها نجد أن بيان النهضة كان معبّرا عن موقف أشمل يتبنّاه كل من له صلة بالدين من هيئات وأحزاب. فقد رأى حزب التحرير أن برنامج الشرفي يهدف إلى مزيد من "التغريب والتجهيل". وقدّم المجلس الإسلاميّ الأعلى الذي يترأّسه آنذاك رئيس جامعة الزيتونة التهامي نقرة مشروعا مضادّا لمشروع الشرفي حافظ على جميع الأفكار التي انتقدها الوزير في الكتب الدراسيّة. فما كان من الوزير إلاّ أن أقاله من منصب رئاسة الجامعة وعيّن عليّ الشابّي خلفا له (زمزمي، تونس الإسلام الجريح، ص 223). فإذا جمعنا ردود الفعل هذه تبيّن لنا أننا أمام إعلان حرب واضح على وزير كافر.

 خفايا الكواليس السياسيّة

بيد أنّ حركة النهضة بالخصوص لم تكن تعرف، في ما يبدو، ما دار في الكواليس قبل الندوة الصحفيّة. وإذا كانت على علم به فموقفها أخطر من الناحية السياسيّة لأنّها لم تكن تواجه بذلك الوزير فحسب بل الرئيس نفسه القويّ بانتخابه منذ بضعة أشهر رئيسا للجمهوريّة في 2 أفريل 1989.

وعلى كلّ حال لم تكن المسألة تتطلّب نباهة كبيرة. فقد كان الإعلام السمعيّ البصريّ خصوصا تحت هيمنة بن عليّ. ولو رأى الرئيس في كلام وزيره عيبا لما سمح بعرض ثلاثين دقيقة من الندوة الصحفيّة بعد نشرة الأنباء مباشرة، أي في ساعة الذروة التي تحقّق أعلى نسب مشاهدة للتلفزيون التونسيّ وأصدر تعليماته بعرض ساعة كاملة من الندوة نفسها في الإذاعة.

وعلاوة على ذلك، يروي الشرفي في مذكّراته (Charfi، 2009، ص 228) أنه التقى الرئيس قبل الندوة الصحفيّة بيومين، في 12 سبتمبر 1989، وأطلعه على النماذج التي سيقدّمها في الندوة الصحفيّة من كتب التربية الإسلاميّة. فوافقه بن عليّ على إعلام الرأي العام بها. بل هنّأه في مساء يوم 14 سبتمبر بجودة خطابه أمام الصحفيّين وأعلمه بما قرّره من إذاعة أجزاء منه في التلفزيون والإذاعة.

لقد برّر الشرفي عرض التناقض بين نمط المجتمع التونسيّ وما يدرّس للتلاميذ بأنّه يرفض سياسة الأسرار وأراد باسم الشفافيّة التي تقتضيها الديمقراطيّة توضيح سياسته وفتح باب النقاش الديمقراطيّ على اعتبار الحوار الديمقراطيّ العموميّ الصريح أفضل من الحروب الخفيّة. وقد عبّر عن ذلك صراحة في ندوته الصحفيّة قائلا: "من باب مصادقة [يقصد قول الصدق] الشعب التونسي علينا أن نشرح لماذا حذفنا هذا الكتاب. حذفناه لأسباب موضوعيّة، أسباب مخالفة ما جاء في هذا الكتاب لمبادئنا، لمبادئ الدّيمقراطيّة، لدستورنا، لميثاقنا الوطنيّ، لكلّ ما يدّعي الجميع أنه يؤمن به" (راجع نصّ الندوة الصحفيّة في ملاحق هذا الفصل).

بيد أنّنا نحتاج إلى كثير من السماحة وحسن النيّة لنعتقد في رأي الشرفيّ البعديّ هذا. فالسياسة في جزء كبير منها تجري في الكواليس وما أكثر سياسة الكواليس التي مارسها الشرفيّ وتحدّث عنها في كتابه والمواقف التي عدّلها بعيدا عن الرأي العامّ. ويعرف الشرفيّ من جهة أخرى حساسيّة الموضوع بالنسبة إلى التونسيّين العاديّين. فالمسائل التي طرحها تبرز تناقضا حادّا بين النصوص الدينيّة وما استقرّ في سلوك المجتمع التونسيّ. ولم يكن ثمّة ما يمنع من تغيير المواضع غير الملائمة لخصائص القانون والمجتمع التونسيّين دون إحداث تلك الضجّة التي أحدثها بندوته الصحفيّة. ولا نظنّ سياسيّا محنّكا ومثقّفا من طراز رفيع مثل محمّد الشرفيّ يخفى عليه ذلك كلّه.

بيد أنّه اختار في ظنّنا المواجهة وفقع الدمّل لأسباب متداخلة. فلا ننسى سياسيّا أنه كان الوزير الوحيد غير المنتمي للحزب الحاكم وهو يحتاج إلى دعم من القوى الديمقراطيّة والمدنيّة وربّما فكّر في أن فتح المواجهة حول نمط المجتمع الديمقراطيّ كفيل بفرز سياسيّ كانت البلاد في حاجة إليه آنذاك وكان هو من رموزه التي وصلت إلى موقع القرار.

ولا ننسى إيديولوجيّا أنّ الشرفي الرئيس الخارج لتوّه من الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان كان قد خبر الإسلاميّين في مناسبات عديدة داخل الرابطة وله موقف منهم ومن مدى إيمانهم بالديمقراطيّة بحكم معرفته بهم وصراعه معهم حول قضايا حقوقيّة. والمسألتان اللّتان طرحهما مناسبتان جدّا لاختبار مدى تمسّكهم بالميثاق الوطنيّ الذي وقّع عليه باسمهم المحامي نور الدين البحيري وهو ينصّ على التمسّك بالنظام الجمهوري الديمقراطي (ضدّ مفهوم الدولة الدينيّة) وبمكتسبات المرأة التونسيّة وحقوقها (على نقيض حقّ الرجل في ضرب زوجته). فقد ألزمهم بن عليّ بالقبول بجوانب منه يعتبرها الإسلاميّون "موغلة في العلمنة الإقصائيّة" لهم فكان الميثاق الوطنيّ بالنسبة إليهم "محنة حقيقيّة للحركة الإسلاميّة" بعد ان امضوا عليه باسم "فقه المصالح الضرورات" (الغنّوشي، من تجربة الحركة...، ص 115).

وقد يكون الأمر أبسط من ذلك تكشف عنه تفاصيل معركة غير معروفة أثبتها الشرفي وهو يروي سيرته ويتحدّث عن ظروف انطلاق عمله على رأس وزارة التربية والتعليم والبحث العلميّ. فقد انتصر في معركته الأولى هذه فأراد استثمار انتصاره لتدعيم موقعه سياسيّا وفكريّا ولمواجهة خصومه الذين بدأت تحرّكاتهم ضدّه تتكاثر.

   فقد كانت وزارة التربية تستعدّ عن طريق المركز القوميّ البيداغوجيّ، وهو بمثابة دار نشر للكتب المدرسيّة تتبع الوزارة، لطبع الكتب المدرسيّة في شهر أفريل من سنة 1989. فكلّف الشرفي بعض مساعديه بالاطّلاع على كتب التربية الدينيّة فجاءت التقارير مجمعة على أنّ الأمر فظيع جدّا لا يمسّ مجرّد مقاطع من الكتب بل يتّصل بالروح المتفشّية فيه. ولم يكن أمام الوزير إلاّ أن يلغي طبع كتابي السنتين الخامسة والسادسة اللّذين ذكرهما في ندوته الصحفيّة ليعوّضهما بكتاب حول الاجتهاد في الإسلام في انتظار إعداد كتب جديدة.

ومن الصدف (هل هي صدفة؟) أن يكون مؤلّفا الكتابين من الموظّفين السامين في إدارة الشؤون الدينيّة بالوزارة الأولى. فتقدّم كاتب الدولة بتظلّم إلى الوزير الأوّل آنذاك الهادي البكّوش الذي لم يتوان في عقد اجتماع في شهر أوت من سنة 1989 حضره الشرفيّ وكاتب الدولة المعنيّ وثلاثة من موظّفي إدارة الشؤون الدينيّة من بينهم مؤلّفا الكتابين. واستحال اللقاء إلى اتّهامات واضحة لوزير التربية بسحب الكتابين دون العودة إلى الجهة المخوّلة لذلك وهي كتابة الدولة للشؤون الدينيّة.

والواقع أنّ القانون يفرض استشارة المجلسّ الإسلاميّ الأعلى في كلّ ما يتعلّق بتدريس الدين في مختلف مراحل التعليم. وهي الثغرة التي دخل منها أعوان الإسلام الرسميّ ليطالبوا بحقّ النظر على الكتب المدرسيّة. وهو موقف يذكّرنا، والشيء بالشيء يذكر، بطلب النظارة العلميّة لجامع الزيتونة في خصوص إصدار الحدّاد لكتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" من الوزير الأكبر سحبه بتعلّة أنّها لم ترخّص في طبعه (راجع، المبخوت، 2018، الفصل الثالث). ووجد رجال الدين الرسميّون أنفسهم حتّى قبل بيان تطفير النهضة في خندق واحد مع الإسلام السياسيّ.

لكنّ الشرفي على ما يروي في سيرته الشخصيّة (Charfi، 2009، ص ص 227 -228) اكتفى بقراءة نماذج من الدرر التي وجدها في الكتابين فتلقّفهما الوزير الأوّل منه متصفحا متثبّتا فأسقط في يديه وطفق ينقد المؤلّفيْن. ولم يكن أمامه من حلّ إلاّ أن يصادق على موقف الوزير بسحب الكتابين وينهي الاجتماع.

وأعاد الشرفي على مسمع الرئيس بن عليّ يوم 12 سبتمبر 1989 قبيل الندوة الصحفيّة بيومين قراءة الشواهد المدينة للمؤلّفين ليعلمه بأنّه سيقرأها أمام الرأي العامّ. وبهذا ضمن موافقة أعلى هرم السلطة على ما اعتزم القيام به.

إذن هاتان هما القصّتان المعروفة والخفيّة اللّتان اندلعت بعدهما الحرب ضدّ الشرفيّ بصفة علنيّة خصوصا إثر بيان حزب النهضة. وليس غريبا أن تكون بدايتا المعركة مع أطراف دينيّة. فهل كان بين الصنفين من الإسلام الرسميّ والسياسيّ تحالف موضوعيّ بسبب الالتقاء في المنطلقات والأهداف مع الاختلاف في الوسائل؟ الثابت حسب الشرفيّ أن وجوه الإسلام الرسميّ يتكفّلون بإعداد الشباب في المدارس والمعاهد والدعوة في المساجد في حين يتلقّفهم الإسلام السياسيّ ليمارس بهم السياسة في الفضاء العام (Charfi، 2009، ص 227).

 غير أنّ الشرفيّ في مذكّراته أفاد بأنّ معركته بدأت مع الإسلام الرسميّ قبل الإسلام السياسيّ. ويتمثّل هذا الإسلام الرسميّ في موظّفي كتابة الدولة للشؤون الدينيّة وأئمّة المساجد بالخصوص (Charfi، 2009، ص 226).

هل استهزأ الشرفي بالدين؟

لقد انطلق بيان النهضة ضدّ الشرفيّ من فكرة الاستهزاء بالدين وما تقتضيه من أحكام شرعيّة ضمنيّة على ما بيّنّا. إلاّ أن السؤال المطروح هل استهزأ الشرفيّ بالدين حقّا؟

حين نعود إلى التسجيل المصوّر للندوة الصحفيّة نجد الشرفيّ يعلّق على بعض ما نقده ممّا يوجد في الكتابين المدرسيّين قائلا: " ندرّس لأبنائنا باسم الإسلام، والإسلام بريء من هذا، أنّ الديمقراطية معادية للإسلام. وهنا أريد أن أؤكّد أنّنا دولة عربية إسلامية لا شكّ في ذلك ولا أحد يناقش في ذلك والفصل الأوّل من دستور البلاد يؤكد أنّ تونس دولة حرّة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها العربية لغتها وليس هناك منازع" (راجع نصّ الندوة الصحفيّة في ملاحق هذا الفصل).

فكلام الوزير، كما هو بيّن، يبرئ الدين الإسلاميّ ممّا اعتبره ماسّا بالمجتمع التونسيّ وقوانينه. وهو إلى ذلك يؤكّد أنّ تونس بلد إسلاميّ طبقا لما ورد في الدستور. إذن فالاستهزاء بالدين ادّعاء واضح. وحتّى الآية حول ضرب النساء فلم يعلّق عليها في ذاتها بل أوضح أنّ تدريسها يتناقض مع القانون التونسيّ دون إشارة أو تلميح يفيدان أنّه يستهزئ بالنصّ القرآنيّ. فأقصى ما قاله الشرفي هو: "نريد ألاّ يقع استعمال التاريخ الاسلامي لمعاداة مبادئ الحرية والديمقراطية".

وهو موقف يدلّ على أنّه يعتبر ما يتّصل بضرب المرأة أو نمط الحكم من الظواهر التاريخيّة التي لا تمثّل الإسلام ولا روح الدين. وهو من هذه الناحية يعدل عن القراءة النصّيّة المفارقة للتاريخ ليقدّم ضمنيّا رؤية تاريخيّة للإسلام لا تروق بالضرورة للإسلاميّين الرسميّن أو السياسيّين في آن واحد.

وإذا سلمنا بهذا فإنّ الشرفي لم يستهزأ بالدين ومن ثمّة فالتهمة التي ألصقها به الإسلاميّون لا تخلو من ظلم خصوصا أنّها من أخطر ما يمكن أن يصدر من تهم في حقّ أيّ كان.

وفي الخطاب نفسه نجد تباينا آخر بين الشرفي ومعارضيه من الإسلاميّين يكشف عن الدوافع الحقيقيّة الإيديولوجيّة والسياسيّة لتهمة التكفير. فطيلة الندوة الصحفيّة التي تعرّض فيها إلى كتب التربية الدينيّة ما انفكّ الوزير يرى في ضرب المرأة والطلاق واعتبار الخلافة هي نمط الحكم الشرعيّ ومفهوم دار الإسلام ودار الحرب وما وراءه من تصوّر للجهاد أمورا مخالفة لمسألتين أساسيّتين عنده. إحداهما فلسفيّة تتمثّل في قيم الحرّيّة والديمقراطيّة والمواطنة، والأخرى مرجعيّة قانونيّة تتمثّل في الدستور ومجلّة الأحوال الشخصيّة والميثاق الوطنيّ والقانون التونسيّ.

وفي المستويين نعرف أنّ حركات الإسلام السياسيّ عموما وحزب النهضة بالخصوص لم يستبطنا بعد هذه القيم على نحو مبدئيّ ولا يعترفان إلاّ بما يستلزمه المفهوم الإخوانيّ "الإسلام هو الحلّ" من تصوّرات قائمة على تطبيق الشريعة والحاكميّة لله وعدم الاعتراف فعليّا بالقوانين الوضعيّة. فلا ننسى أنّ الشرفيّ رجل قانون من خرّيجي الجامعات الفرنسيّة، مدرّسا لمسائله وباحثا في قضاياه، وهو رئيس سابق للرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان التي عانت من قلّة إيمان الكثيرين فيها بعلويّة الإعلانات والمواثيق الدوليّة على ما وضّح الشرفي نفسه (Charfi، 2009، ص ص 183 -198).

إنّ بين الشرفي ومعارضيه من الإسلاميّين اختلافا عميقا في الرؤى والتصوّرات والمنطلقات حول الحقوق والحرّيات والدين وقراءته ولكن أن يصل الأمر إلى حدّ التكفير فهذا خروج بالصراع الفكريّ والسياسيّ من حدوده المسموح بها. إنّه ببساطة استخدام سلاح دينيّ لتصفية خصم سياسيّ وإن كانت القضيّة، قضيّة التربية، متعدّدة الوجوه والأبعاد يتداخل فيها السياسيّ بالحقوقيّ والاجتماعيّ بالدينيّ والاقتصاديّ بالثقافيّ والتربويّ بالحضاريّ لأنّها تتّصل بصنع المواطن والتنمية الشاملة.

لماذا الشرفي في الوزارة؟

والسؤال المطروح هل اختار بن عليّ محمّد الشرفيّ صدفة أو اعترافا بمكانته أو خدماته للنظام الجديد؟ ألم يكن لصراعه مع الإسلاميّين دخل في هذا التعيين؟

لا تخلو الإجابة من صعوبة. ولكنّنا نستطيع الانطلاق من المعطيات المتوفّرة دون اعتبار للنوايا.

فبحسب رواية محمّد الشرفيّ (Charfi، 2009، ص ص 207 -209). كان له مع بن عليّ لقاء في سبتمبر 1988 بصفته رئيسا للرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان. ووجد منه تفهّما في جميع المسائل الحقوقيّة التي طرحها عليه بما في ذلك إطلاق سراح المساجين السياسيّين. وكان بن عليّ وقتها يبحث عن توطيد أركان حكمه والوفاء بوعوده التي ساقها في بيان السابع من نوفمبر.

وفي هذا اللقاء نفسه سأل بن عليّ الشرفي عمّا إذا كانت له مقترحات لإصلاح أيّ قطاع من القطاعات. فسارع بذكر قطاع التربية والتعليم الذي يعاني منذ سنوات تدهورا في المستوى وضعفا في التكوين ونزعة محافظة لا تتماشى مع المجتمع الحديث. أنّه "قطاع منكوب" (Charfi، 2009، ص 208). فطلب الرئيس في نهاية اللقاء تقريرا حول وضع التربية والإصلاحات المقترحة فأرسله الشرفي بعد أسبوع. وعلم الشرفي بعد ذلك أنّ الرئيس انبهر أيّما انبهار بالعرض. فاستشعر أنّه سيكلّف بوضع المقترحات التي قدّمها موضع التنفيذ (Charfi، 2009، ص 209).

بيد أنّ بين تاريخ إرسال التقرير في حدود شهر أكتوبر 1988 وتاريخ التعيين في 11 أفريل 1989 جدّت أحداث كادت تذهب بالثقة بين الرئيسين: رئيس الدولة ورئيس الرابطة. فلئن شارك الشرفي في صياغة الميثاق الوطنيّ بصفته مقرّرا للجنة أحدثها بن عليّ للغرض فإنّ ثقته تزعزعت شيئا مّا في نوايا بن عليّ. فقد استدعى حاكم التحقيق المفكّر هشام جعيّط بسبب مقال كتبه في إحدى الأسبوعيّات وأرسل عدل منفّذ إلى بيت الوزير الأوّل الأسبق محمّد مزالي لبيعه.

وأخطر ما جدّ بين التاريخين المذكورين هو الإعلان عن إجراء انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة سابقة لأوانها دون تغيير القانون الانتخابيّ ممّا أدّى إلى إعادة إنتاج المشهد السياسيّ نفسه بحصول الحزب الحاكم على ثمانين بالمائة من الأصوات.

في هذا السياق اقترح بن علي على محمّد الشرفي الوزارة فقبلها وظلّ فيها مدّة خمس سنوات وخمسين يوما. وقد اعتبر هذا التكليف من باب الواجب لإصلاح القطاع المنكوب وتطبيق برنامجه الإصلاحيّ الذي قدّمه في تقريره إلى بن عليّ (Charfi، 2009، ص 212).

بيد أنّ الصورة تحتاج لقطع أخرى حتّى تكتمل.

فقد طلب الشرفي إطلاق سراح المساجين السياسيّين وقبل بن عليّ. ففي ليلة عيد الفطر الذي وافق 14 ماي 1988 أطلق بن عليّ سراح زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي. وقبلها عفا على القيادي المحكوم عليه بالإعدام عليّ لعريّض وأفرج عن جلّ القيادات (العلاّني، 2014، ص 228). وأكبر ظنّنا أنّ بن عليّ ندم على ذلك. فقد قام الغنّوشي بجولة في جهات عديدة من البلاد حضرها الآلاف من أنصار الحركة التي بدت قوّة سياسيّة قادرة على تجييش الجماهير حتّى إنّ اجتماع صفاقس حضره ما يناهز الستّة آلاف شخص.

وكان خطاب الغنّوشي معبّرا عن شعور غامر بالانتصار على نظام بورقيبة فلم يفوّت أيّ فرصة للتذكير بصراع الحركة معه ناسيا أو متناسيا أنّ نظام السابع من نوفمبر هو نظام بورقيبة نفسه رجالا وتصوّرات وموقفا بالخصوص من الإسلاميّين وخطرهم عليه. ومأتى هذا الخطر هو الطبيعة السريّة للحركة وما يعتبره النظام خطابا مزدوجا علاوة على ما كشفته الأجهزة الأمنيّة من تسرّب للإسلاميّين في مواقع عديدة جعلتهم يخطّطون ضمن ما يعرف بالمجموعة الأمنيّة للاستيلاء على الحكم لولا الضربة الاستباقيّة التي قام بها بن عليّ فجر 7 نوفمبر (نظيف، 2017).

ورغم ذلك لم يتردّد نظام بن عليّ في تشريك إسلاميّي النهضة في المجلس الأعلى للميثاق الوطنيّ (يمثّلها المحامي نور الدين البحيري) وفي المجلس الإسلاميّ الأعلى (يمثّلها المحامي عبد الفتّاح مورو) وتمكين جناحها الطلاّبي (الاتحاد العامّ التونسيّ للطلبة) من الترخيص القانوني وإصدار جريدة "الفجر" والسماح لها بالمشاركة في الانتخابات التشريعيّة سنة 1989. وظلّت مسألة التأشيرة القانونيّة للحزب معلّقة رغم أنّ "حركة الاتجاه الإسلاميّ" غيّرت اسمها إلى "حركة النهضة" في 8 فيفري 1989 معلنة التزامها بالنظام الجمهوريّ واحترام الدستور (العلاّني، 2014، ص ص 228 -230).

وقد دقّت الانتخابات التشريعيّة ناقوس الخطر بالنسبة إلى نظام بن عليّ. إذ تبيّن خلال الحملة الانتخابيّة قوّة التيّار الإسلاميّ وقدرته على منافسة حزب حاكم ظلّ منذ الاستقلال محتكرا للحياة السياسيّة منغرسا في دواليب الدولة. ولم يخف على المتابعين وعلى الأجهزة الأمنيّة والرئيس بن عليّ الخطاب الذي سوّقته الحركة. فقد كشف عن الأسس الإخوانيّة للحركة من قبيل "الإسلام هو الحلّ" مع إشارات إلى إمكانيّة التراجع عن مجلّة الأحوال الشخصيّة التي اعتبرها الميثاق الوطنيّ من مكتسبات الفكر الإصلاحيّ التونسيّ.

ولم يستشعر نظام بن عليّ وحده خطر النهضة فكريّا بل أدخل خطابها الرعب في نفوس القوى المدنيّة التونسيّة وأجزاء من المعارضة اليساريّة والديمقراطيّة والليبيراليّة علاوة على منظّمات المجتمع المدنيّ. ورغم أنّ نتائج الانتخابات كانت متوقّعة بحكم القانون الانتخابيّ القديم الذي اعتمد فيها فإنّ ظهور النهضة في الموقع الثاني بعد حزب بن علي بنسبة رسميّة هي أقلّ بقليل من العشرة بالمائة فإنّ أهمّ ما كشفت عنه هو قوّة الإسلاميّين التنظيميّة. لذلك شكّكوا في نزاهة الانتخابات وإن لم تسند إليهم أكثر التقارير المحايدة تفاؤلا إلاّ ما بين 15 و18 بالمائة.

لكنّ المنعرج وقع بعد هذه الانتخابات تحديدا. فقد فهمت السلطة أنّ الإجراءات التي اتخذتها لتسوية ملفّ الإسلاميّين لا تمكّن من ترويضهم وأدرك الإسلاميّون أنّ النظام غير مستعدّ بعد لأن يكون لهم الموقع الذي يتصوّرونه مناسبا لهم في المشهد السياسيّ. فغادر الغنوشي البلاد في شهر ماي 1989 وأعلن بن عليّ في الذكرى الثانية للسابع من نوفمبر أي سنة 1989 موقفه النهائيّ من إسناد ترخيص لحزب النهضة: "نقول للذين يخلطون بين الدين والسياسة أنّه لا سبيل لأيّ حزب دينيّ" (العلاّني، 2014، ض 232).

لقد انتهت اللعبة وبدأت المشاركة الجزئيّة للإسلاميّين تنذر بالمواجهة الشاملة. وهي مواجهة أرادها الطرفان لعبة كسر العظام. فالنظام اعتبر، بناء على تحركات النهضة وأساليب عملها، أنّ سياستها تكشف عن حقيقتها تنظيما دينيّا يريد افتكاك الحكم وأسلمة البلاد والنهضة اعتبرت سياستها تلك من باب الدفاع عن النفس.

وهنا يأتي، باستقراء السياق السياسيّ، تعيين محمّد الشرفي على رأس وزارة التربية والتعليم والبحث العلميّ بالجمع بين وزارتين من أكبر الوزارات وأكثرها مشاكل. فعلاوة على المحتوى التعليمي الذي يهيّئ الشباب لتقبّل الأفكار المحافظة التي تروّجها النهضة فبن عليّ الذي كان وزيرا للداخليّة ثم وزيرا أوّل خبر دور المعاهد والجامعة في توتير الأوضاع قبل تغيير السابع من نوفمبر وموقع الحركة في هذه المؤسّسات.

لقد كان اختيار شخصيّة مثل الشرفي، رجل قانون ويساريّ معتدل يحظى باحترام القوى المدنيّة ومجمل الأطراف السياسيّة وله مصداقيّة مأتاها نضاله الحقوقيّ في الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان، لوزارة التربية دليل على دهاء سياسيّ ونظرة ثاقبة. فلا شكّ أنّ استعداد بن عليّ للمواجهة مع الإسلاميّين دفعه إلى ذلك الاختيار لأسباب شتّى. فقد لمس فيه اعتدالا وصرامة ودبلوماسيّة في طرحه لمسائل الحرّيّات في تونس حين كان يقدّم له مطالب الرابطة أو ينقد بعض القرارات التي اتّخذها النظام الجديد. واكتشف رصانته ووطنيّته وتشبّثه بالدولة في مضمون الميثاق الوطنيّ الذي قدّم أفكاره الأساسيّة وإن عادت الصياغة النهائيّة على الأرجح إلى كاتب خطابات بن عليّ آنذاك أستاذ اللغة والآداب العربيّة صالح البكّاري.

وإذا جمعنا هذه الخصال الثابتة في الرجل وموقفه المعروف من الإسلاميّين باعتباره حقوقيّا لا يمكنه أن يلتقي مع تصوّرات الإسلاميّين وحداثيّا يؤمن بالتوجّه الإصلاحيّ التونسيّ ويساريّا سابقا علاوة على التقرير الذي اقترح فيه إصلاح المنظومة التربويّة أدركنا الالتقاء الموضوعي بين بن عليّ والشرفي ودواعي اختياره.

فالأرجح أنّ بن عليّ الذي يمسك بالدواليب الأمنيّة لمعركته المقبلة لن يجد في الحزب الذي ورثه من دولة الاستقلال (الحزب الاشتراكي الدستوري) فأعاد تسميته (التجمّع الدستوري الديمقراطي) وهيكلته بما يمكّنه من السيطرة عليه أفضل من محمّد الشرفي ليخوض الجزء الأكبر من معركته الإيديولوجيّة ضد الإسلاميّين.

وما كان الشرفي في تقديرنا بالغرّ الساذج الذي يرضى أن يأكل بن علي الثوم، طعما قاسيا ورائحةً كريهةً، بفمه كما يقول المثل التونسيّ. فإضافة إلى حقيقة أنّ التعليم في تونس كان بالفعل في وضعيّة كارثيّة فإنّ الشرفيّ الذي أخلص طيلة حياته لعمله أستاذا قديرا وباحثا جادّا يعرف حقّ المعرفة أنّ الرهان على المدرسة في تغيير العقليّات ونحت ملامح المواطن وغرس الأفكار الحديثة كان من ثوابت الدولة الوطنيّة التي نجحت بها في ترسيخ الإيديولوجية الحداثيّة مع بورقيبة منذ إصلاح المسعدي سنة 1958.

وقد اعترف الشرفي نفسه في مذكّراته بأنّ موقفه من تغيير السابع من نوفمبر كان إيجابيّا شأنه في ذلك شأن جلّ القوى المدنيّة والسياسيّة ما عدا حزب العمّال الشيوعيّ التونسي بقيادة حمّة الهمّامي (Charfi، 2009، ص 201). واعترف كذلك أنّ بن عليّ في عينيه كان ذكيّا وطنيّا عمولا وإن لم تخل علاقته به من تعقّد وغموض ومشاعر متناقضة. فقد أراده واجهة لنظامه واستخدمه لهذا الغرض ولكنّ الشرفي استغلّ ذلك ليمرّر إصلاحه على حدّ تعبيره (Charfi، 2009، ص ص 278 -279).

والأرجح أنّ الرجلين اتفقا إن صراحة وإن ضمنيّا على أنّ الحركة الإسلاميّة تمثّل خطرا حقيقيّا على الدولة والنظام الجمهوري ومكتسبات دولة الاستقلال. لكنّ المنظور كان مختلفا. فبن عليّ أراد بالمواجهة الإيديولوجيّة إزاحة خصم سياسيّ قادر لو أتيحت له حياة ديمقراطيّة بحريّاتها المختلفة أن يكبر وينمو ويهدّد فعليّا نظامه وحزبه على النحو الذي كانت تشير إليه الدلائل في الجارة الجزائر. والشرفي بتجربته مع الإسلاميّين داخل الرابطة ونظرته الثقافيّة التحرّريّة الحداثيّة للإسلام عامّة والإسلام السياسيّ وخلفيّاته وتصوّراته أراد استعمال المدرسة باعتبارها جهازا من أجهزة الدولة الإيديولوجيّة لترسيخ تصوّرات النخب المدنيّة والحقوقيّة عن المجتمع والدولة والحياة. وهو ما يفسّر عندنا مساندة جلّ القوى المدنيّة والثقافيّة والجامعيّة لمشروع الشرفي وللشرفي الوزير.

هل كان الإصلاح التربوي دون ضجّة ممكنا؟

لكن السؤال الذي يعود ملحاحا هو التالي: ألم يكن بالإمكان أن ينجز الشرفي إصلاحه دون أن يصرّح بما صرّح به في الندوة الصحفيّة؟

لقد علّل الشرفي، كما ذكرنا أعلاه، بعد عقدين تقريبا من تلك الندوة الصحفيّة ما ألجأه إلى نقد مسائل ضرب المرأة والطلاق والموقف الإسلاميّ من الديمقراطيّة بأنّه أراد إطلاع الرأي العامّ على حقيقة ما يدرّس. وهو تبرير ضعيف جدّا. وأقصى ما يمكن أن نقوله تمشيةً لتبريره هذا أنّه أراد أن يكشف التناقض الحقيقيّ بين التصوّرات التي يحملها المشروع المجتمعيّ للإسلاميّين والنمط الاجتماعيّ الذي تتبنّاه الدولة وألفه المجتمع التونسيّ بعد التغيير الذي أحدثته دولة الاستقلال بموجب القوانين التقدّميّة التي أصدرتها. فالقصد الواضح هو "فضح" الإسلاميّين أمام الرأي العامّ.

وليس يخفى في هذا أسلوب الرجّة النفسيّة وسياسة الصدمة التي عرف بها رجال الإصلاح. فقد رأيناها لدى الحدّاد وبورقيبة بالخصوص (المبخوت، 2018، الخاتمة). ومن ثوابت سيناريوهات التكفير أنّ القوى الدينيّة كثيرا ما تردّ الفعل تكفيرا واتهاما بالردّة على قدر ما تحدثه الصدمة من فضيحة. ولكن حين يكون الدين ممتزجا بالسياسة فإنّ أشكال ردّ الفعل تتجاوز الموقف السياسيّ المغلّف بالدين وسلاحه البتّار، أي التكفير، إلى أساليب أخرى ذات طابع سياسيّ محض.

وعلينا ألاّ ننسى أنّ الشرفي كان الوزير الوحيد في حكومة بن عليّ الذي لا ينتمي إلى الحزب الحاكم. فهو لا يمتلك شرعيّة الدستوريّين القدامى ولا الدستوريّين الجدد الذين دخلوا إلى حزب بن عليّ أفواجا. ولم ينتم طيلة وجوده في الوزارة إلى هذا الحزب. والواضح أنّ الدعم السياسيّ الوحيد الذي يمتلكه هذا الوزير متأتّ من مساندة الرئيس له في الكواليس وإعجابه بشخصيّته. ولكنّ الرصيد الأهمّ أمام أبناء الحزب الذين يرون أنفسهم أولى منه بالوزارتين اللّتين جمعهما بن عليّ بين يديه (أي التربية والتعليم من جهة والتعليم العالي والبحث العلميّ من جهة أخرى) هو الرأي العامّ السياسيّ والمدنيّ من خارج الحزب بل المعادي أحيانا للحزب. وهذه القوى السياسيّة والمدنيّة في أغلبها ذات توجّه حداثيّ واستشعرت هي أيضا ولا ريب خطر الإسلاميّين عليها. لذلك لم يكن الرأي العامّ المقصود بخطاب الشرفي إلاّ هذه القوى التي تسانده موضوعيّا على الأقلّ في توجّهه إن لم يكن في شخصه. إنّه حجر واحد لضرب أكثر من عصفور: تحصين موقعه بصفته وزيرا صاحب مشروع حداثيّ أوّلا ومواجهة صقور الحزب والحسّاد فيه الّذين يريدون افتكاك منصبه ثانيا وإعلان الحرب على خصومه الإيديولوجيّين الذين يهدّدون الحداثة التونسيّة ثالثا والظهور في صورة الوزير المثقّف المصلح رابعا. وربّما اختفت من الصورة عصافير أخرى لم نرها ولكن لا يعسر تصوّرها. هذا علاوة على العامل الأهمّ وهو دعم بن عليّ لوزيره الذي يمثّل رأس الحربة في مواجهة الإسلاميّين إذ يسهل عليه في ما بعد، بعد تزيين الواجهة باسم الانفتاح على المستقلّين من خارج الحزب، أن يجعله كبش فداء إذا تغيّرت الأوضاع وتبدّلت المعادلات.

مرّة أخرى نرى في كلّ ما وقع لعبة سياسيّة ذكيّة من الطرفين، بن عليّ والشرفي، رغم اختلاف الاستراتيجيّتين على الأرجح.

إنّ هذه المعطيات وتأويلاتها إن صحّت تؤكّد أنّه لم يكن أمام الشرفي أن يقوم بإصلاح هادئ يغيّر فيه ما يريد تغييره دون ضوضاء أو إدخال الرأي العامّ في مسائل تربويّة وإيديولوجيّة يعرف هو قبل غيره وقعها على عموم التونسيّين من ناحية وعلى حزب النهضة، أو صقوره على الأقلّ.

المجتمع المدنيّ في نصرة الشرفي

إذا صحّ ما نفترضه حول قرار الشرفي تحويل مسألة كتب التربية الدينيّة إلى قضيّة رأي عام فإنّه من المفيد أن نقدّم فكرة ولو مقتضبة عن ردود فعل الأحزاب الأخرى وبعض المنظّمات الوطنيّة على كلام الوزير وبيان التكفير الذي أصدرته النهضة.

فحركة الديمقراطيّين الاشتراكيّين التي كانت حليفا للنهضة في المعارضة وأسّسها أحد الزعماء الليبيراليّين التاريخيّين في تونس أحمد المستيري وجدت بيان النهضة "لا يخلو من صبغة تحريضيّة خطيرة لا يمكن السكوت عنها" وذلك منذ عنوانه. ورأت أنّه يتّسم بشيء من الحدّة. وبحسّ سياسيّ يقرأ ما بين السطور، رأى الديمقراطيّون الاشتراكيّون في المطالبة بإقالة الوزير ودعوة العلماء والمربّين إلى أداء دورهم أسلوبا غير مناسب "في مجتمع مدنيّ تسوسه المؤسّسات ويحكمه القانون". ورأوا أنّ حصر المسألة في إصلاح برامج التربية الإسلاميّة و"قضيّة الشرفي والنهضة" بما في ذلك من مبالغات وتهويل واستفزاز لا يمكّن من معالجة المسألة التربويّة باعتبارها مسألة جوهريّة ومصيريّة مطالبين بمناقشة المشروع قبل تطبيقه حتى يكون "ميثاقا وطنيّا للتعليم" في تونس.

  أمّا حركة الوحدة الشعبيّة التي أسّسها صاحب مشروع التعاضد أحمد بن صالح فقد دافعت بطريقة أوضح عن الشرفي مكذّبة ما ورد في بيان النهضة. إذ لم "تسجّل من لدنه أيّة مقولة أو تعبير يشتمّ منه رائحة التهجّم على الدين الحنيف" رافضة "العنف اللفظيّ المبالغ فيه" داعية إلى "الصراع الديمقراطيّ والحوار المقنّن". واعتبرت في الآن نفسه أنّ التعليم في تونس يحتاج إلى مراجعة ورأت في ما قاله الشرفي "محاولة يمكن أن تكون إيجابيّة لترتيب السياسة التعليميّة في تونس".

ومن الطبيعيّ أن يكون موقف الحزب الشيوعيّ التونسيّ من بيان النهضة أكثر راديكاليّة من بيان الحزبين الآخرين فهو على النقيض منها إيديولوجيّا. فبدون مواربة وردت في بيان الحزب الشيوعي إدانة للتكفير الذي يتضمّنه البيان وإعادة لتهمة سائدة عن حزب النهضة: "اعتقادنا أنّ هذا التصريح خطير جدّا ومرفوض شكلا وأصلا بالخصوص لما جاء فيه من تحريض وتحريش إلى حدّ التكفير وأنّ حزب النهضة ينصّب نفسه ناطقا باسم الإسلام".

وواصل بيان الحزب الشيوعي التذكير بموقفه من علاقة النهضة بالدين من حيث وصايته عليه وزعمه أنّه ليس "ناطقا باسم الإسلام وأنّه لا يكفّر أحدا". ولئن اعتبر أنّ من حقّ حزب النهضة أن ينتقد ويبدي رأيه فإنّه يرفض أن تصبح آراؤه "تعبيرا عن الإسلام والمقدّسات وتكفيرا لغيره".

وفي بيان الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان التي كان يرأسها الشرفي نجد استياء من أمرين أحدهما التكفير وما في البيان من طابع تحريضيّ وثانيهما "الوصاية على الدين الإسلاميّ في بلادنا". ولم تخف الرابطة رفضها للتهجّم على الوزير شخصيّا.

وهو ما يبرز كذلك في بيان جمعيّة النساء الديمقراطيّات اللاّتي استنكرن التهجّم على "التوجّه العقلانيّ في مشروع الإصلاح التربويّ" ورفضهنّ للتعليم القائم على "الرأي الواحد ووحدانيّة الحقيقة والأساليب الدغمائيّة" لأنّها لا تتناسب مع المجتمع المدنيّ الديمقراطيّ.

ورأى اتّحاد العامّ لطلبة تونس (الذي يسيطر عليه اليسار) في موقف النهضة انزلاقا "بالصراع السياسيّ إلى صراع دينيّ لاستمالة الشعور العقائديّ للشعب عبر منطق وصائيّ تكفيريّ".

وما هذه المواقف التي ذكرناها إلاّ نماذج ممّا عبّرت عنه منظّمات وقطاعات مختلفة من رفض لبيان النهضة ومساندة للوزير ومشروعه مثل اتحاد الشغل والاتحاد النسائيّ واتحاد الأعراف واتّحاد الفلاّحين وجمعيّة الصحافيّين والجامعيّين التونسيّين ونقابة الأطباء الاستشفائيّين ونقابة التعليم العالي (راجع زمزمي، تونس الإسلام الجريح، ص ص 224 -226).

ومن البيّن هنا أنّ موقف النهضة هذا قد عزلها عن بقيّة المنظومة الحزبيّة المعارضة وعن جلّ القوى المدنيّة التونسيّة علاوة على ما في موقفها ذاك من نذر المواجهة مع السلطة التي ربّما كانت تترصّدها وتتابع سلوكها السياسيّ والميدانيّ. فالناتج فعليّا عن مثل هذه التصرّفات التي أدخلت منطق التكفير في الحياة السياسيّة التونسيّة غداة انقلاب السابع من نوفمبر أنّها دعّمت التوجّس خيفة من النهضة التي بدت وصيّة عن الإسلام وأكّدت الصبغة الدينيّة لحزب أجهد نفسه بتغيير تسميته ودخوله في جبهات سياسيّة مع الليبيراليّين وحتّى الشيوعيّين.

ولكن هل كان بإمكان حزب النهضة ان يصمت أمام تصريحات الشرفي؟ وهل كان وعيه السياسيّ آنذاك وتوجّهه الإخوانيّ يسمحان له بتقديم نقده واعتراضاته من زاوية سياسيّة لا دينيّة؟ ولكن ما الذي يضمن أنّه لم يكن يبحث بدوره عن المواجهة مع النظام؟

سياسة "تجفيف المنابع"

لم يكن إسلاميّو النهضة بدورهم سذّجا. فبقطع النظر عن الجانب التكفيريّ الذي تضمّنه بيان 2 أكتوبر 1989 فإنّهم استشعروا كذلك أنّ الشرفي يحمل مشروعا مخالفا في حدّه الأدنى لمشروعهم السياسيّ والإيديولوجيّ والاجتماعيّ إن لم يكن معاديا لهم تماما.

فإذا عدنا إلى ما في البيان من اتهامات للشخص بأنّه "علماني" و"فرنكفوني" و"تغريبي" أدركنا أنّ الجماعة فهمت خلفيّات الشرفي وصلة مشروعه الذي لم يعلن عن تفاصيله بعد بالرؤية البورقيبة للدين والإصلاح الاجتماعيّ. فلم يكن ذكر بورقيبة في البيان من باب الصدفة ولم يكن التركيز على الهوية العربيّة الإسلاميّة فيه مجرّد لازمة مصاحبة لخطابهم.

ففي كتاب راشد الغنّوشي "من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس" نجد، في الفصل الرابع المعنون بـ"دروس وعبر من تجربة 2 أفريل 1989"، خلاصات شيخ الحركة عن الانتخابات وانعكاساتها والحوارات التي دارت بينها وبين مختلف الأطراف السياسيّة بعد عشر سنوات من إجرائها.

يكشف الغنّوشي في الفصل الذي أشرنا إليه أنّ هاجس الحركة كان يتمثّل في الاعتراف بها حزبا قانونيّا. لكنّها وجدت نفسها مدفوعة إلى خوض معركة الانتخابات رغم اقتناع قيادتها وقاعدتها بأنّها ستزيّف لصالح الحزب الحاكم. ورغم ذلك قرّرت المشاركة بقائمات مستقلّة بغاية الاتصال بالجماهير وتدريب الكوادر على العمل السياسيّ علاوة على الدعاية لبرامج الحزب "فكان الأمر مجرّد عمليّة استعراضيّة" على حدّ تعبير الغنّوشي (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 132). وتبيّن أنّ الإسلاميّين هم المنافس الوحيد للحزب الحاكم الذي ظهرت عليه أمارات الشيخوخة. وقد تأكّد ذلك بعد التأخير في إصدار النتائج صبيحة اليوم الموالي لإجراء الانتخابات في العاشرة صباحا.

وسواء كانت نتائج هذه الانتخابات مزيفة أو صحيحة (والثابت أنّها لم تكن نزيهة عكس ما زعمه الشرفي في مذكّراته) فقد تُؤُوّلت على أنّ الإسلاميّين خطر داهم. فصحّتها تعنى ذلك أمّا تضخيمها المتعمّد فهو لإدخال الرعب في قلب بن علي ودفعه إلى عدم الاعتراف بحزبهم فهم خاسرون سواء انتصروا أم لم ينتصروا.

وهنا يعترف الغنّوشي بأنّ الانتخابات هي التي دفعت الدولة إلى وضع خطّة استئصال الإسلاميّين (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 139) بعد أن تبيّنت استحالة استراتيجيّة احتوائهم وقد بدوا البديل الأقرب من الحزب الحاكم وبرزوا بروزا شديدا. فنظام السابع من نوفمبر لم يكن يرغب في اقتسام السلطة مع أحد.   

وإذا تركنا جانبا التعامل الأمنيّ ووجوه الصراع بين الإسلاميّين والسلطة الذي انتهى إلى تصفيتهم واقتلاعهم من الساحة السياسيّة فإنّ الوجه الآخر من الصراع يُعبّر عنه ما سمّي بخطّة تجفيف المنابع. ولئن كنّا نعتمد في تقديم الملامح الأساسيّة من هذه الخطّة على كتاب أحد القادة الإسلاميّين، وهو الهادي الزمزمي (تونس، الإسلام الجريح، ص ص 445 -450) ، فإنّ محتواها يدلّ في الحالات جميعا على سياسة الدولة ضدّ الإسلاميّين تحت حكم بن علي.

ومن البيّن في ديباجة "خطّة تجفيف المنابع" أنّ المشكلة الأساسيّة هي أنّ الإسلاميين يمثلون تيّارا متناميا وهو القوّة الثانية في البلاد التي تطرح نفسها بديلا للنظام بما أنّ ضعف اليسار أدّى إلى مواجهة بين الدولة والاتجاه الإسلاميّ. لذلك تهدف الخطّة إلى التصدّي للتيارات الدينيّة المتطرّفة (ويقصد بها النهضة). ويكون هذا التصدّي بطرق مختلفة منها عزل الإسلاميّين سياسيّا وقطع تغذّيهم بالقوى الشبابيّة وتغييبهم إعلاميّا مثلا.

ومن الأساليب المقترحة في هذه المواجهة، علاوة على جمع المعلومات الميدانيّة، أسلوب الشائعات والمناشير غير الممضاة والحملات الإعلاميّة من ناحية والمواجهة الفكريّة من ناحية أخرى بوضع كتب تبرز تناقضاتهم مع ضرورة تأسيس خطاب دينيّ مستنير.

ومن مكوّنات الخطّة تسخير أجهزة الدولة والوزارات كلّها لمتابعة نشاطات الإسلاميّين. ومن أبرز الوزرات وزارة الشؤون الدينيّة التي كلّفت بالأئمّة وتأطيرهم نظرا إلى دورهم ونفوذهم في المساجد (راجع خطّة تجفيف المنابع في ملاحق هذا الفصل).

وقد اعتبر الإسلاميّون هذه الخطّة التي وضعها الحزب الحاكم مظهرا من مظاهر معاداة الإسلام وتجفيف منابعه في البلاد "بسبب الطبيعة الإقصائيّة والاستئصاليّة اليعقوبيّة لمشروع التغريب في تونس" (الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 64). وما إصلاح الشرفي إلاّ الجزء البارز من خطّة تجفيف المنابع هذه.

وإذا نظرنا إلى هذه الاستعارة "تجفيف المنابع" على وجه التحقيق فإنّنا نجدها حمّالة لأوجه. فلئن كان الإسلاميّون يستخدمونها في معنى يكرّس "المظلوميّة" التي اشتهر بها الإسلاميّون واستهداف الإسلام عامّة فإنّ محتوى التجفيف لا يسمح بهذا الفهم إلاّ من وجه واحد هو تصوّر الإسلاميّين للإسلام. فلم تحارب الدولة التونسيّة الإسلام باعتباره دينا بل ظلّ مكوّنا واضحا في الدستور التونسيّ وفي الممارسة اليوميّة وفي سياسة الدولة نفسها. بل بلغ الأمر إلى حدّ استخدام الإسلام وتوظيفه لصالح الحزب الحاكم.

ومدار الأمر على ضروب ثلاثة من التصوّرات إلى الإسلام. أحدها الإسلام الرسميّ السائر في ركاب الدولة والحزب من خلال المجلس الإسلاميّ الأعلى وكتابة الدولة للشؤون الدينيّة التي أحدثها بن علي سنة 1989 ومؤسّسة مفتي الجمهوريّة وهي مؤسّسات تساير في الأغلب الأعمّ ما يريده الحاكم. بل استطاع هذا الإسلام إدماج عناصر كانت لفترة طويلة تعدّ معارضة لنظام بورقيبة مثل عبد الرحمان خليف.

والثاني الإسلام السياسيّ الذي تمثّل النهضة أبرز ممثّليه وأقواهم علاوة على تيارات أخرى مثل حزب التحرير. ومهما زعم الإسلاميّون، في تلك الفترة، القبول بالديمقراطيّة وحقوق الإنسان والعمل السياسيّ السلميّ، فإنّ جوهر رؤيتهم للدين قائم على نحو من الأنحاء على السعي استراتيجيّا إلى تطبيق الشريعة شأنهم في ذلك شأن بقيّة الحركات الإسلاميّة في العالم العربيّ الإسلاميّ. فتصوّرهم الديني خليط من الفكر الإخوانيّ والسلفيّ أساسا.

 أمّا التصوّر الثالث فهو ما يمكن أن نسمّيه التصوّر التاريخي للإسلام. وله ركيزتان أساسيّتان أولاهما الفصل بين الدينيّ والزمنيّ على اعتبار الدين مسألة شخصيّة بين العبد وخالقه وثانيتها أنّ أحكام الشريعة من صنع البشر لا قداسة لها لذلك يمكن تغييرها بحسب تطوّر المجتمعات والأحوال. وهو ما يمكن أن ندرج فيه مواقف محمّد الشرفيّ.

ومن هنا ندرك سبب التصادم بين الشرفي والإسلامين الرسميّ والسياسيّ. فلئن كان التصادم مع الإسلام السياسيّ متوقّعا بحكم التنافر بين القول بالشريعة والقول بتاريخيّتها فإنّ التصادم مع الإسلام الرسميّ لا يخلو من غرابة نظرا إلى ما عرف عنه من مهادنة ومسايرة ونزعة تبريريّة للنظام القائم. لكنّ تفسير ذلك بالنسبة إلينا يعود إلى أنّ الشرفي قد كشف المستور كلّه ووضع الفاعلين الدينيّين أمام اختيار حدّيّ بوضعه الإصبع على التناقض بين التأويلات الدينيّة السائدة لدى مختلف التيارات الدينيّة الرسميّة والسياسيّة والواقع التونسيّ في تحوّلاته. فالمسائل المتّصلة بالمرأة مثلا سواء تعلّقت بتأديبها بالضرب أو بفقه الطلاق تمثّل فعلا مسائل محرجة للضمير الديني التقليديّ خصوصا في تناقضها مع ما خلقته مجلّة الأحوال الشخصيّة من واقع جديد للمرأة التونسيّة أو مع قيم المساواة بين النساء والرجال في المنظومة الحقوقيّة الدوليّة.

ومن هذه الزاوية علينا أن نتساءل عن الينابيع التي أراد الشرفي تجفيفها. فعند التحقيق لا نجد، علاوة على مسألة ضرب المرأة وأحكام الطلاق، إلاّ الخلافة باعتبارها نظاما شرعيّا وقتل تارك الصلاة ورفض الديمقراطيّة لأنها نظام غربيّ والجهاد واعتبار أسرى الحرب عبيدا وما إلى هذا من المسائل التي أشار إليها في ندوته الصحفيّة. فهل يختزل الإسلام في المسائل التي لا ينكر منصف أنّها وردت في الفقه الإسلاميّ ولكنه لا يمكنه أن ينكر أيضا، بالقدر نفسه، أنّ الواقع التاريخيّ قد نسخها؟

لنتذكّر أنّ بعض المرشّحين على القائمات المستقلّة التي شكّلها الإسلاميّون نادوا في أثناء الحملة الانتخابيّة المدهشة لحزب النهضة بالتراجع عن مجلّة الأحوال الشخصيّة التي قبلت بها القيادة عن مضض في الميثاق الوطنيّ. ولنتذكّر أيضا أنّ أحد أصحاب العمائم التقليديّن الذين رشّحهم حزب النهضة على رأس قائمة مدينة تونس، وهو الشيخ محمّد الأخوة، نادى بتعدّد الزوجات ونادى، ويا للغرابة، بعودة العمل بالرقّ بما أنّه مذكور في القرآن (العلاّني، 2014، ص 231).

ونجد في كتاب الزمزمي حول "تونس، الإسلام الجريح" ما يؤكّد مثل هذه المواقف والتصوّرات المسرفة في التقليديّة للدين وأحكام الشريعة. بل إنّ كتابات الغنّوشي نفسه، ومنها الكتاب الذي نعتمده في هذا الفصل "من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس"، تدلّ في مسائل كثيرة على نظرة تُعلي الشريعة وأحكامها التاريخيّة على الوقائع والتطوّرات الاجتماعيّة.

إنّ هذه النماذج القليلة والثابتة تؤكّد الهوّة الفاصلة بين تصوّرات الإسلاميّين المنضوين في حزب النهضة، أو جلّهم، والنظرة التاريخيّة إلى موقع الدين في مجتمع شهد تحوّلات هائلة.

واعتقادنا أنّ المنابع التي أراد الشرفي تجفيفها هي على وجه التحديد جميع التصوّرات والقوانين المتناقضة مع الواقع التونسيّ من جهة ومع مبادئ حقوق الإنسان وقيمها من جهة ثانية. بيد أنّ هذا التجفيف سيصيب على نحو من الأنحاء جانبا من الأفكار التي يتغذّى منها الإسلاميّون وتبعث السخط في قلوب الناشئة على واقعهم المتنافر مع أحكام الدين كما تدرّس.

من هنا برزت الزاوية التي حارب منها الشرفي الإسلاميّين عن وعي وسابقيّة إضمار لتجفيف منابعهم ومنازلتهم في ميدانهم أي في مصنع من المصانع التي تهيّء الناشئة لتخريج الإسلاميّين وهو التعليم. أمّا المصانع الأخرى مثل المساجد فقد تكفّلت بها خطّة تجفيف المنابع التي أعدها حزب الرئيس بن عليّ.       

نظرة الشرفي إلى التعليم

لم ينطلق الشرفيّ من السياق المباشر الذي قام على صراع بين السلطة والإسلاميّين مثلما ذكّرنا به بل استند إلى حقائق من تاريخ التعليم وتطوّره في تونس. إذ يكشف في الفصل الأخير من كتابه "الإسلام والحريّة" عن نظرته إلى تاريخ التعليم في تونس والمنعرج الذي أدّى إلى ضرب من التواطؤ بين السلطة السياسيّة والأفكار الدينيّة المعادية للحريّة داخل برامج التعليم.

فمن الواضح بالنسبة إليه أنّ التعليم الزيتوني كان منفصلا عن الواقع يرفض القائمون عليه من الشيوخ إصلاحه بما يناسب التطوّر التاريخي وواقع المجتمع وتحوّلاته لأسباب تتّصل بالدفاع عن مصالح ومواقع خاصّة بالشيوخ. وبالمقابل اعتبر الشرفي أنّ المعهد الصادقي مثّل الحاضنة الأساسيّة للنخب الحديثة التي ستضطلع ببناء الحركة الوطنيّة وتطويرها وتحدّد مستقبل البلاد وتشيّد صرح الدولة العصريّة في ما بعد. فهذه النخبة التي اعتبرها الزيتونيّون ذات عقل مستعمر وعقيدة دينيّة مشكوك فيها هي التي تنتصر للحرّيّة وتكلف بالحداثة (الشرفي، 2002 -2009، ص ص 228 -229).

ومن الواضح هنا أنّ نزع كلّ دور للزيتونيّين في مجالي الكفاح الوطنيّ والدفاع عن الحداثة والحرّيّة وقصره على الصادقيّين لا يخلو من تعميم مخلّ يختزل الزيتونة في شيوخها. لكنّه يعبّر عن موقف من مؤسّسة الزيتونة المتكلّسة ومن سيطرة الشيوخ في فترة مّا أكثر ممّا يعبّر عن الحقيقة التاريخيّة. وهو موجّه أكثر لبيان دور الزيتونيّين السلبيّ في مدرسة دولة الاستقلال ومؤسّساتها، كالقضاء مثلا. فقد كان هؤلاء الأساتذة الذين أدمجتهم مدرسة الجمهوريّة فيها "ينزعون إلى تطبيق البرامج الجديدة [ضمن ما يعرف بإصلاح المسعدي] بروح تقليديّة (...) ممّا تسبّب في وجود جيوب من التشدّد وحتّى من التعصّب في بعض المعاهد" (الشرفي، 2002 -2009، ص ص 234 -235).

غير أنّ الانحراف الخطير عند الشرفيّ وقع في السبعينات لأسباب سياسيّة. فقد خشي نظام بورقيبة من الحركة اليساريّة التي صارت تهاجمه ليتساهل مع نواة الحركة الإسلاميّة في تونس بالترخيص لها في مجلاّت مثل "المعرفة" و"المجتمع". وهذه الحركة لم تكن تشكّل بالنسبة إلى النظام أيّ خطر بما أنّها لا تنقد الرئيس ونظام الحزب الواحد. ويستخلص الشرفي من ذلك أنّ حكم بورقيبة صنع معارضة من أقصى اليمين لمواجهة معارضة أخرى من أقصى اليسار. فالهدف من ذلك هو "تسريب حقن من المذاهب الإسلاميّة والعروبيّة قصد جعلها دروعا واقية من أفكار أقصى اليسار" (الشرفي، 2002 -2009، ص 240).

وسرعان ما نقل حكم بورقيبة المعركة إلى المجال التربويّ. فقد دعي المجلس الأعلى للتربية إلى اجتماع طارئ تقرّر فيه مضاعفة التوقيت المخصّص للتربية الإسلاميّة وكلَّفت الإدارةُ أساتذةَ هذه المادّة بتدريس التربية المدنيّة. وكان هذا الدعم لمدرّسي المواد الدينيّة إطلاقا لأيديهم وتعميقا لتأثيرهم الإيديولوجيّ في الفتيان. فصارت التربية المدنيّة مثلا خلوا من الحديث عن الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والأسس والأصول والمبادئ والنظريّات التي تقوم عليها.

وممّا صاحب هذه الإجراءات بين 1970 و1975 تعريب بعض المواد مثل التاريخ والفلسفة وتمكين زيتونيّين قدامى أو بعض ممّن درسوا بالمشرق العربي، علاوة على بعض الحاملين للباكالوريا مع سنة أو سنتين من التعليم العالي، من تدريس هذه الموادّ. وقد أثّر هذا التوجّه التأثير البالغ في مضمون البرامج وتوجّهاتها حتّى تحوّلت الفلسفة مثلا إلى "مادّة هي إلى اللاّهوت أقرب" (الشرفي، 2002 -2009، ص 238).

وفي هذا السياق يستعيد محمّد الشرفيّ، بعد حوالي عشر سنوات عن الندوة الصحفيّة التي عقدها في 14 سبتمبر 1989، جميع النقاط التي ذكرها فيها من مسألة الطلاق وضرب المرأة ونظام الخلافة وطاعة الخليفة والموقف من الديمقراطيّة والجهاد والعبوديّة وقتل تارك الصلاة... إلخ (الشرفي، 2002 -2009، ص ص 238 -239).

والخلاصة التي وصل إليها مفادها "أنّ المؤسّسات التعليميّة العموميّة قد اشتغلت طيلة عشرين سنة وكأنّها مدارس لتكوين إطارات إسلاميّة" (الشرفي، 2002 -2009، ص 240). وهذا هو التفسير الوحيد الذي رآه الشرفي لتقوّي الاتجاه الإسلاميّ في تونس. فقد أتى هذا التغيير في برامج التدريس أكله بعد عشريّة واحدة. فلم ير في الثورة الإيرانيّة عاملا مؤثّرا ولا في دخول العالم الإسلاميّ دورة الاحتجاج السياسيّ والاجتماعيّ القائم على التصوّرات الدينيّة أثرا.

ومن هنا نفهم لمَ ركّز الشرفي على التعليم وما كان قصده من الإصلاح الذي وضعه. فهو من ناحية مواصلة لمشروع المعهد الصادقي التحديثيّ وعودة إلى المنابع الأولى وهو من ناحية ثانية تصويب لانحراف شهدته المنظومة التربويّة لأسباب سياسيّة ظرفيّة. ولم تكن هذه العودة إلى المنابع ممكنة إلاّ بتجفيف ينابيع التصوّرات الأصوليّة التي تسرّبت إلى المدرسة التونسيّة. ولا فصل عند الشرفيّ بين انتشار موجة الأصوليّة وما في برامج التعليم في تونس وفي العالم العربي كلّه من أفكار متكلّسة مستخرجة من بطون كتب الفقه مناقضة لسيرورة التحديث. وليس أمامه إلاّ أن يعالج الأسباب الكامنة في البرامج لمواجهة مخاطر الأصوليّة الدينيّة.

إنّ هذا الذي قاله الشرفيّ بعد مغادرته لوزارة التربية بسنوات يكشف أنّه كان ينطلق من تحليل سياسيّ وفكريّ ورؤية لتاريخ التربية في تونس استند إليها في مواقفه التي أعلنها في ندوته الصحفيّة بقدر ما يكشف البعد السياسيّ لمضمون الإصلاح التربويّ الذي صاغه. وهو موقف سياسيّ لا ينفع معه الحديث عن فصل التربويّ عن السياسيّ. فمن المسلّم به أنّ المدرسة باعتبارها جهازا إيديولوجيّا من أجهزة الدولة مجال للصراع الثقافيّ والإيديولوجيّ والسياسيّ. وما تبقّى إنّما هو توازنات الهيمنة لصالح من هي؟ وما المطلوب من مؤسّسات الدولة بما في ذلك المدرسة؟

ولكنّ الثابت حسب الشرفي "أنّ الحكّام الذين يعيشون الحداثة ويعلّمون التقليد إنّما يحافظون على توازن لا دوام له ويتعهّدون نظاما لا مجال للاستمرار فيه وهم بذلك يزرعون أسباب الانفجار في صلب مورّثات المجتمع" (الشرفي، 2002 -2009، ص ص 268 -269).

من هنا نتأكّد أنّ الصراع على التربية إثر تكفير الشرفيّ وجه من وجوه الصراع بين الحداثيّين والإسلاميّين. وهو صراع لا يقوم على اختلافات قابلة لأن تدار بمجرّد الحوار الديمقراطيّ وما يقتضيه من تنازلات متبادلة أو اتّفاقات ظرفيّة أو تخفيف من الأزمات. فتكفير النهضة للشرفي في بيانها كان تعبيرا مكثّفا عنيفا حادّا عن تضارب بين الرؤيتين تضاربا جذريّا. وهذا ما شرحه الشرفيّ في مذكّراته "كفاحي من أجل التنوير" وكتابه "الإسلام والحداثة: الالتباس التاريخيّ" أو "سوء التفاهم التاريخيّ".

الإسلام والحريّة: كيف نزيل سوء التفاهم؟

بدا كتاب الشرفي "الإسلام والحريّة" بحثا في الأسباب الخاصّة التي تؤدّي إلى "التعصّب الديني في البلدان الإسلاميّة" من جهة وتحليلا لإشكاليّة تحديث المجتمعات الإسلاميّة عبر تطوير الفكر الدينيّ فيها من جهة ثانية.

ولئن كان العالم الإسلاميّ، زمن وضع الكتاب وإلى الآن، مجموعة من بؤر التوتّر تكشف ضروبا من التعصّب الدينيّ والتطرّف فهو أيضا، وبالقدر نفسه، لا يعني أنّ الإسلام، دينا، عاجزٌ عن أن يتطوّر. فالمجتمعات الإسلاميّة تطوّرت من حيث بناها السياسيّة والقانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ولكنّ نسقها الثقافي ظلّ متأخرا. وقد أدّى ذلك إلى ضرب من التمزّق يكاد يكون انفصاما مرضيّا بما أنّ المسلمين لا يريدون التضحية بدينهم ولا بحداثتهم. والكتاب في حقيقة أمره تحليل لهذا الفصام التراجيديّ وبيان للمعوقات الثقافيّة في العالم الإسلاميّ وتأكيد على ألاّ تعارض بين الإسلام والحداثة شريطة الوصول إلى القراءة التي لا تناقض روح الإسلام وتنظر إلى الشريعة نظرة تاريخيّة.

فمن المسلّمات الكبرى لدى الشرفي أنّ الفقه والشريعة عملان بشريّان وليسا مدوّنة مقدّسة. ولئن كان القانون الإسلاميّ من بين المنظومات القانونيّة الكبرى في التاريخ البشريّ، ويشهد على عظمة الفكر الفقهي الإسلاميّ، فإنّ خصوصيّاته تطرح جملة من الإشكالات إذا نظرنا إلى موقف الإسلاميّين اليوم منها. فهم يدعون إلى تطبيق الشريعة. بيد أنّ في دعوتهم هذه بعض اللطائف والدقائق التي تحتاج إلى توضيح. فما يدعون إليه إنّما هو استعادة جوانب من القانون الجزائيّ مثل قانون الأحوال الشخصيّة. ولكن توجد قوانين قد اندثرت من قبيل القوانين العقاريّة وما وراءها من مفاهيم كالمغارسة والمساقاة والإنزال (الشرفي، 2002 -2009، ص 57) أو هم يريدون تناسيها من قبيل الأحكام المختلفة التي تتّصل بالعبيد وفي كثير منها نصّ صريح.

فالإشكاليّة الكبرى قائمة على النظرة إلى الشريعة وأحكامها: أهي عمل دينيّ وقانون سماوي لا يتبدّل أم هي عمل بشريّ ونتاج تاريخيّ؟

ويعتمد الشرفي الحجّة التي اعتمدها قبله الطاهر الحدّاد في التأكيد على أنّ الشريعة تتطوّر مستدلاّ بنسخ التاريخ لأحكام الرقّ. فلو كانت هذه الأحكام ثابتة بسبب ذكرها في القرآن فإنّ تغيّرها يكون مستحيلا. ولمّا تغيّرت بعض الأحكام التي لها سندٌ في النصّ صريحٌ فإنّ ذلك دليل على أنّ لا شيء يمنع من أن تتغيّر أحكام أخرى. ويواصل ضمن المنطق نفسه استدلاله ليبيّن أنّ الدين قائم على روح الشريعة وعلى أحكام قليلة.

ولكنّ الأهمّ من ذلك أنّ جميع الأحكام التي يطالب الإسلاميّون باستعادتها هي أحكام قابلة على الأقلّ للنقاش من حيث صبغة القداسة التي تُضفى عليها. ورأيه إجمالا أنّها من عمل الفقهاء المتأثّرين ببيئاتهم التاريخيّة وليست من مقاصد الإسلام.

ويهمّنا هنا التركيز على المسائل التي تمثّل خلافا بين الحداثيّين والإسلاميّين. فأوّلها مسألة التمييز ضدّ المرأة في مسائل تعدّد الزوجات والطلاق. وهي مسائل يرى الشرفي أنّ الفقه قد كرّس فيها دونيّة المرأة وانعدام المساواة. وثانيها حريّة المعتقد. وذلك من خلال حكم الردّة بالخصوص الذي يرى أنّه لا أصل له في القرآن. وثالثها العقوبات البدنيّة التي تحطّ من كرامة الإنسان مثل قتل الزاني رجما وقطع يد السارق وجلد مرتكب الخيانة الزوجيّة. فهذه العقوبات من صنع الفقهاء قد يبرّرها السياق التاريخي ولكن لا تبرير لها في روح القرآن.

وليس قصدنا أن نستعيد هنا الحجاج القانونيّ والتاريخي الذي اعتمده الشرفي فليطلب في موضعه من الكتاب. بيد أنّنا نشير إلى أمر أساسيّ هو موضع الخلاف بين الشرفي والإسلاميّين. فقد صدر في مواقفه المختلفة من المسائل الخلافيّة عن رؤية مصدرها المنظومة الحقوقيّة الكونيّة.

فلئن لم يرفض المرجعيّة الدينيّة رفضا مطلقا فإنّ منطلق تأويله لها ما أجمعت عليه البشريّة في إطار حقوق الإنسان. فيعتبر الشرفي أنّه ينبغي أن تنزّل الشريعة في سياقها التاريخي وأن تقارن مع روح الإسلام. وحين عدّد المداخل الممكنة للتأويل الجديد للنصّ القرآني نجده يتوقّف على ثلاثة توجّهات اجتهاديّة كبرى في الفكر الإسلاميّ المعاصر. أوّلها التأويل المقاصديّ الذي يراه الأنسب من الوجهة الدينيّة لأنه يهدف إلى البحث في روح القرآن (الشرفي، 2002 -2009، ص 150) وإعلائها على المسائل الجزئيّة. فلفظ القرآن محدود بالظروف التي قيل فيها وينبغي الاستناد إلى القيم الكبرى في القرآن. ولا يخفى أنّ الشرفي ينزّل أفكار الحدّاد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" في هذا التيّار المقاصدي ويتّخذ تحليله أنموذجا تطبيقيّا عليه.

أمّا التيّار الثاني فهو ما أسماه بالاتّجاه السهمي الذي اقترحه محمّد الطالبي. وهو اتّجاه قوامه اعتبار التطوّر من الجاهليّة فعهد الرسول وصولا إلى عصرنا يسير في اتجاه خطّيّ على اعتبار أنّ الله رسم الطريق أمام الإنسان ومنحه العقل وجعله خليفة له فحمّله الأمانة ليكتشف اتّجاه السهم.

ويمثّل التيار الثالث المفكّر السوداني الذي أعدم بعد تكفيره ورفضه الاستتابة محمود محمّد طه. ومفاد نظريّته أنّ آيات القرآن في انقسامها إلى مكيّة ومدنيّة تمثّل انقساما داخليا بين ما يفيد الدعوة إلى الأخوّة والمحبّة والحريّة والمساواة، أي القيم التي جاء من أجلها الإسلام، وما يفيد التشريع ودفاع النبيّ وأنصاره عن أنفسهم ومعاركهم مع الوثنيّين. فيكون جوهر الرسالة حينئذ موجودا في الآيات المكّيّة، وهو جوهر روحيّ أخلاقيّ إنسانّي وكونيّ يتجاوز الزمان والمكان، ويكون نضال النبيّ وصحابته والملابسات الخاصّة بسياق الإسلام التاريخي موجودا في الآيات المدنيّة. ففي هذه السور خطاب يناسب طرق عيش العرب حاملي الرسالة وعقليّتهم بما في ذلك من تمييز بين الرجال والنساء ومفاهيم القتال والجهاد.

والواقع أنّ مثل هذه التصوّرات لاحتمالات إعادة تأويل النصّ القرآني يقودها هاجس ردم الهوّة بين ما يبدو متنافرا من الأحكام التي تنسب إلى الشريعة وتصبغ عليها قداسة ما وتحوّلات الواقع الحديث الذي يعيشه المسلمون. وأداة هذا التجاوز للتناقض الحادّ هي الأخذ بالمبادئ الحقوقيّة الحديثة وتفسير "روح القرآن" بضرب من التقريب بينهما حتّى لا تكون قواعد الفقه متنافية مع حقوق الإنسان ومبادئ الحريّة والمساواة بين جميع البشر مع ضرورة احترام حرمة الإنسان الجسديّة (الشرفي، 2002 -2009، ص 103).

فإذا اعتبرنا أنّ الفقه من عمل البشر وأنّ للقرآن روحا تتجاوز تفاصيل التشريع فإنّ تغيير المنظومة القانونيّة يمكن أن يكون متوافقا مع القرآن وقيمه الكونيّة الخالدة بقدر توافقه مع التصوّرات الإنسانيّة الحديثة.

ويعتبر الشرفي أنّ الإسلاميّين يأخذون ببعض كتاب حقوق الإنسان ويتركون بعضه. فهم يقولون بها في مواجهة الأنظمة القمعيّة على سبيل الاستفادة من مبادئها حين يكونون ضحايا ولكنّهم ينادون بتطبيق الشريعة التي تخالف تلك الحقوق. وفي هذا يبرز تناقضهم في استخدام حقوق الإنسان لغايات تكتيكيّة. ولا ينفع حسب الشرفيّ تبرير هذا الموقف بما بين الكونيّ والخصوصيّ من ضروب التعارض المحتمل. فالاختلاف بين الثقافات وإن كان "ابتداعا بالغ الروعة" فلا يجب أن يقوم على غير الحريّة الفرديّة التي تنبني عليها حقوق الإنسان جميعا. وتستدعي هذه الحريّة المساواة بما في ذلك المساواة بين المرأة والرجل.

وهكذا يسجّل الشرفي نقطة مبدئيّة ويطرح على الإسلاميّين المتمسّكين بتطبيق الشريعة أسئلة تضع موضع شكّ مواقفهم من الديمقراطيّة، وفي السياق التونسيّ، ومواقفهم ممّا يعتبره الحداثيّون مكتسبات مقدّسة.

الشرفي والإسلاميّون وحقوق الإنسان

كان هذا الجانب التنظيري لدى الشرفي مشفوعا بتجربة حقيقيّة داخل الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان مع الإسلاميّين أنفسهم. فقد قامت الرابطة على ضرب من المحاصصة بين الأحزاب السياسيّة والوجوه الحقوقيّة الوطنيّة. وكان ممثّل حركة الاتجاه الإسلاميّ في الهيئة المديرة هو سحنون الجوهريّ ثمّ بن عيسى الدمني.

ويروي الشرفي في مذكّراته أمثلة من صدامه مع الإسلاميّين داخل الرابطة. من ذلك أنّ الرابطة شكّلت لجنة خاصّة حول حقوق المرأة ترأّستها خديجة الشريف. وكان محمّد الشرفيّ نائبا لها بل عمل على أن يكون في اللجنة لأنه يعتقد أنّ " النهوض بالمرأة والمساواة بين الجنسين عنصران أساسيّان لأيّ نظام ديمقراطيّ" (Chrafi، 2009، ص 178). وحرص سحنون الجوهري على أن ينتمي إلى هذه اللجنة ولكنّ كلّ تدخلاته، حسب الشرفي، عمل فيها على تعطيل النقاش.

ومن الأمثلة التي ذكرها الشرفي لبيان الدور السلبي للإسلاميّين الحضور المكثّف لمتحجّبات (علامة وقتها على المناضلات الإسلاميّات المنتميات لحركة الاتجاه الإسلاميّ) في محاضرة ألقاها الشرفي في اليوم العالمي للمرأة 8 مارس 1988 بفضاء التياترو حول مجلّة الأحوال الشخصيّة من حيث مكاسبها ونقائصها ومطالب الرابطة في هذه المسألة. ولكنّ الإسلاميّات عملن على إفساد اللقاء.

أمّا أكبر مشكلة عاشتها الرابطة مع الإسلاميّين فقد تمثّلت في تحديد ميثاق الرابطة الذي يقتضي أن يكون الانتماء إليها قائما على تبنّي فلسفة الأنوار ومبادئ الحريّة والديمقراطيّة تبنّيا صريحا لا مناورة فيه. ولكن من الواضح أنّ الإسلاميّين كانوا من بين جميع القوى السياسيّة الموجودة في الرابطة لا يؤمنون بإيديولوجيّة حقوق الإنسان ومقتضياتها. وهنا يذكّر الشرفي بردّ عبد الفتّاح مورو على صحفي إسلاميّ مشرقي سنة 1988 لام إسلاميّي تونس على زعمهم أنّهم ديمقراطيّون. فاعتبر مورو أنّ الإسلاميّين في تونس يتحرّكون في محيط يتبنّى فيه التونسيّون الديمقراطيّة ولا يسعهم أن يعارضوا ذلك خشية عزلهم ومثل هذا الخطاب الديمقراطي يجلب لهم مساندة الغرب في فترات القمع.  ولكن مادام الشعب مسلما فإنّ الانتخابات العامّة لا يمكن إلاّ أن تكون في صالح الإسلاميّين (Chrafi، 2009، ص ص 183 -184). ويستنج الشرفي من ذلك أنّ تعامل الإسلاميّين مع الديمقراطيّة لا يقوم على اقتناع بل هو من باب الانتهازيّة التي تختزلها في آليّة الانتخاب.

وعدم الإيمان هذا بحقوق الإنسان هو الذي يجعل اجتماعات الرابطة صاخبة كلّما تعلّق الأمر بالمساواة بين الجنسين أو حقوق الأطفال المولودين خارج إطار الزواج أو العقوبات البدنيّة أو الحريّات الفرديّة المناقضة للتقاليد والأخلاق السائدة. (Chrafi، 2009، ص 184). 

لذلك اعتبر الشرفي أنّ تمسك الإسلاميّين بالانتماء إلى الرابطة وتمثيلهم في هيئتها المديرة لم يكن إلاّ لغاية تقديم أنفسهم على أنهم ديمقراطيّون فهي صكّ انتماء للحداثة وشهادة "حسن سلوك ديمقراطيّ". بل إنّ ذلك كان جزءا من خطّة أشمل في الثمانينات تتمثّل في دخول جميع منظّمات المجتمع المدني للهيمنة عليها مثل الاتحاد العام التونسي للشغل والحركة الطلاّبيّة وجمعيّة المحامين الشبّان وغيرها.

ويتحدّث محمّد الشرفي في مذكّراته عن لقاء جمعه بسحنون الجوهري بعد أن أقنع حزب الاشتراكيّين الديمقراطيّين الهيئة المديرة بضرورة تشريك الإسلاميّين فيها ولو بصفة رمزيّة إثر المؤتمر الثاني للرابطة سنة 1985. وقد كانت حصيلة اللقاء واضحة بالنسبة إلى الشرفي. فسحنون الجوهري الذي قدّم له على أنّه من الشقّ الليبيرالي في الاتجاه الإسلاميّ اعترف للشرفي بأنّ الإسلاميّين لا يطرحون "مراجعة أحكام الشريعة فأقصى تنازل منهم هو عدم المطالبة بتطبيقها حاليّا" (Chrafi، 2009، ص 186). وكان ذلك بداية تسرّب الإسلاميّين إلى عدة فروع للرابطة وسعيهم إلى الهيمنة عليها.

بيد أنّ وجود ممثّل عن الإسلاميّين في الهيئة المديرة قد عقّد الأمور. فعند مناقشة ميثاق الانخراط في الرابطة كان سحنون الجوهري يعبّر عن مواقف الإسلاميّين من قيم حقوق الإنسان. فكثير من المسائل البديهيّة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثل المساواة بين الجنسين ومنع العقوبات البدنيّة وحريّة الضمير كانت تلاقي معارضة منه بالخصوص.

ورغم هذه المعارضة فقد تبنّى المجلس الوطنيّ للرابطة نصّ الميثاق بعد مناورات ومناقشات مطوّلة. وبدأت بعد يوم من ذلك حملة صحفيّة ضد الأغلبيّة التي صوّتت لصالح الميثاق وضدّ الرابطة ورئيسها محمّد الشرفي. إذ نعتوا بأنّهم كافرون ومن حزب الشيطان. ونعت الشرفي بأنّه "يجرّ الرابطة إلى طريق خيانة ديننا" (Chrafi، 2009، ص 190).

ورغم أنّ الرابطة وجدت صيغة أخرى منقّحة من نصّ الميثاق الجاري به العمل إلى اليوم حقّقت أغلبيّة أوسع بكثير فإنّ الإسلاميّين عبر ممثّلهم سحنون الجوهري لم يوافقوا على ما في هذه الصيغة الأخيرة من مبادئ وقيم تؤكّد أنّ نظرتهم إلى حقوق الإنسان تكتيكيّة لا مبدئيّة.

وما يعنينا من هذا الحديث كلّه أمران أساسيّان. أوّلهما أنّ معرفة الإسلاميّين بالشرفي بصفته شخصيّة وطنيّة سابقة لتعيينه وزيرا للتربية وخلافهم معه أقدم في التاريخ من سنة تعيينه وزيرا للتربية إذ يعود إلى الحيثيّات التي ذكرناها. فلا شكّ أنّ سحنون الجوهري باعتباره ممثّلا لحزب الاتجاه الإسلاميّ في الهيئة المديرة للرابطة قد نقل لقيادته السياسيّة ما دار من نقاش وصراعات بل لم يكن يعبّر في مواقفه، على ما هو متوقّع، إلاّ عن نظرة الحزب نفسه إلى المسألة الحقوقيّة في تونس تنظيرا وممارسة. فلا ننسى أنّ جلّ الأطراف السياسيّة التي كانت في الرابطة، بما في ذلك وخصوصا حزب الاشتراكيّين الديمقراطيّين، كانت تعتبرها امتدادا لأحزابها أو واجهة من واجهات الصراع مع السلطة وفي أحسن الحالات منبرا ينبغي استغلاله لتحقيق مكاسب سياسيّة للمعارضة عموما ولهذا الحزب أو ذاك خصوصا. لكنّ هذه الأحزاب، على خلاف الإسلاميّين، كانت مدنيّة حداثيّة لا تقوم على مرجعيّة دينيّة لذلك انحصر الصراع شيئا فشيئا بينها وبين الإسلاميّين. ومن الطبيعي، والحال على ما ذكرنا، أن يتوجسّ الإسلاميّون خيفة من الشرفي منذ أن عيّن وزيرا للتربية. 

  وثانيهما أنّ الخلاف بين الشرفي والإسلاميّين يكمن في تقابل التصوّر الحقوقيّ والتصوّر المتمسّك بالشريعة. ولا ريب أنّ هذا التقابل الحادّ هو جوهر الخلاف كما برز في الندوة الصحفيّة. فلم يقم الشرفي في تلك الندوة إلاّ بكشف ما يعترض عليه في برامج تدريس التربية الدينيّة بتونس من زاوية رجل القانون والحقوقيّ الحداثيّ. ولم يقم الإسلاميّون في بيانهم إلاّ بكشف جانب من تصوّراتهم الإيديولوجيّة القائمة على رؤية تقليديّة تتمسّك بحرفيّة الفقه الإسلاميّ وقد أضفيت عليه صبغة القداسة. غير أنّ هذا الصراع العميق بين تصوّرين اتّخذ مع الإسلاميّين صورة التكفير. وهي صورة تدلّ، بقطع النظر عن خطورتها وانعكاساتها، على حدّة التقابل بين الرؤيتين. 

مسألة الهويّة

يبسط الشرفي في "الإسلام والحريّة" نظرته إلى مبادئ التربية والقيم التي ينبغي أن تقوم عليها. فموقفه من القضايا التي ذكرها في ندوته الصحفيّة ليست إلاّ أمثلة بليغة قصوى على النظرة اللاّتاريخيّة للإسلاميْن الرسميّ والسياسيّ مشتقّة من أصول أكبر.

وأوّل أصل من هذه الأصول هو مسألة الانتماء الوطنيّ. فمن وجوه التناقض التي تقوم عليها نظرة الإسلام السياسيّ بوضوح والإسلام الرسميّ ضمنيّا أنّ الحقيقة الماثلة للعيان هي وجود الدولة الوطنيّة ولكنّ الحلم الإسلاميّ يتجاوز هذه الحقيقة ليتعلّق بمفهوم الخلافة باعتبارها ترمز للوحدة بين المسلمين في دولة قويّة تتجاوز الكيانات الوطنيّة. فبين الأمّة في مفهومها الواسع جدّا و "الأمّة التونسيّة" تناقض يدفع به الإسلاميّون إيديولوجيّا إلى أقصاه. ويرى الشرفيّ أنّ المنطلق هو الدولة القائمة لا الدولة المحلوم بها. وهو موقف لا يخفيه الشرفي بالنسبة إلى الوحدة العربيّة.

وفي الحالات جميعا ينبغي أن تقوم التربية في المدرسة على "الانتماء إلى الأمّة التونسيّة" لا إلى غيرها من التصوّرات العروبيّة أو الإسلاميّة التي تتجاوز الكيان الوطنيّ. وينضاف إلى ذلك موقف آخر من تدريس التاريخ. فلا يقبل الشرفي أن يعتبر كلّ ما سبق الإسلام في البلاد التونسيّة "جاهليّة" أو "أن تعتبر الحضارات غير الإسلاميّة حضارات أجنبيّة معادية للإسلام بدرجات متفاوتة" (الشرفي، 2002 -2009، ص 250). فلا بدّ من إحياء رموز حنبعل والقديس أوغسطين ولا بدّ من التخلّي عن النظرة "التمجيديّة الوجدانيّة" للفتح الإسلاميّ حتّى لا ينظر التلميذ إلى مقاومة البربر وبعض الرموز الأمازيغيّة مثل الكاهنة على أنّه "شيء مخجل" على حدّ تعبيره.

وخلاصة ما رآه الشرفي في تدريس التاريخ التونسيّ يؤكّد طابع الانفصام بين التاريخ الفعلي والرؤية الإيديولوجيّة. يقول: "إنّ الطفل يربّى على روح القوميّة العربيّة الإسلاميّة ليعيش عند التخرّج من المدرسة "واقع الوطن التونسيّ" (...) وهو ما يشكّل عاملا من عوامل انفصام الشخصيّة" (الشرفي، 2002 -2009، ص 250).

وبالمقابل فإنّ غرس الروح الوطنيّة لدى الناشئة لا تعني رفض المكوّن العربيّ أو الإسلاميّ فالمطلوب تطوير الوعي بالانتماء الحضاري العربيّ الإسلاميّ ولكن دون "محق الشخصيّة التونسيّة".

ويمثّل الدين الأصل الثاني من أصول الهويّة عند الشرفي بعد الانتماء الوطنيّ. ولكنّ تصوّر الإسلاميّين لا يرتكز على مفهوم السيادة للشعب في التشريع باستقلال عن الفقه ورجال الدين. فرغم أنّ الواقع التاريخيّ فصل عمليّا بين رجل القانون والفقيه فإنّ كل التصوّرات الإسلاميّة تقوم على سطوة رجال الدين.

ويذهب الشرفي في هذا إلى ضرورة تدريس الفقه على أنّه وقائع تاريخيّة تفسّر أسبابها لا على أنّها قول مقدّس. فالمطلوب من المدرسة أن تدعّم هذا الفصل بين الديني والمدنيّ وأن تبيّن للناشئة أنّه يمكن الملاءمة بين المثل الأعلى الدينيّ والواقع التونسيّ مع مراجعة كلّ ما يمكن أن يعدّ من وجوه التمييز "بين الرجال والنساء أو بين المسلمين وغير المسلمين" (الشرفي، 2002 -2009، ص 253).

والواقع أنّ الإسلام وتدريسه عند الشرفي ينبغي أن يقتصر على المسائل الرابطة من خلال العقائد والصلاة والصوم مثلا بين الفرد وخالقه وعلى الإعلاء من قيم الإسلام القائم على المحبّة والتعاون والسلام والمساواة والحرّيّة.

أمّا الأصل الثالث فيرتبط باللغة. فلا ننسى أنّ الشرفي اتّهم في بيان النهضة بالفرنكوفونيّة. فلا ريب أنّ العربيّة عنده هي اللّغة الوطنيّة ولكنّ من الضروريّ أن تُتّخذ اللغات الأجنبيّة نافذة للانفتاح على العالم. ولهذا الانفتاح دافعان عنده. أحدهما نفعيّ على اعتبار أنّ البلدان النامية تحتاج إلى لغات العلم لكسبه ولاستيعاب التكنولوجيا وثانيهما ثقافيّ عام قوامه معرفة العالم والآخر والاطّلاع على الثقافة الكونيّة. ففي ذلك تركيز للنسبيّة وتجنّب في الآن نفسه للمبالغة في الاعتداد بالنفس ثقافيّا أو احتقار الذات. 

إنّ هذه الأصول الثلاثة أي الوطنيّة والدين واللغة هي المحاور التي قام عليها الخلاف بين الإسلاميّين والشرفي. فلا يخفى أنّ مسألة الهويّة كانت جوهريّة في بيان حزب النهضة الذي كفّر الشرفي إذ ذكرت في ثلاثة مواضع.

فالفقرة الأولى من البيان أكّدت ما يلي: "في الوقت الذي يتطلّع فيه شعبنا إلى خطوات تُعمّق الهوية العربية الإسلامية في برامج التعليم والثقافة عامّة بعد سنوات من التخريب والانحراف طالعنا وزير التربية والتعليم والبحث العلميّ في افتتاح السنة الدراسية باتجاه مناقض تماما ضاربا بذلك عرض الحائط ما أجمع عليه الشعب وكل الفئات مكرّسا مشروع بورقيبة المحارب للإسلام واللغة العربية وهادفا إلى علمنة التعليم وتغريبه".

وفي هذه الفقرة تلخيص لنظرة الإسلاميّين للهويّة وقوامها الإسلام واللغة العربيّة وتحديد لوجه التناقض معها الذي جاء به الشرفي وهو العلمنة (نقيضا للإسلام) والتغريب (نقيضا للعروبة). وهذا لا يخالف فقط الهويّة العربيّة الإسلاميّة بل يعادي "هويّة الشعب" (جاء في البيان "ظهرت خلفيّته معادية لهويّة الشعب العربية الإسلامية مُكرّسة للتغريب والعلمانية"). لذلك كانت آخر جملة في البيان تؤكّد التزام حزب النهضة بالنضال لترسيخ "الهويّة العربيّة الإسلاميّة".

ويقتضي منّا الإنصاف القول إنّ الشرفي لم يكن معاديا للإسلام ولا للعربيّة لغة وانتماء. ففي الأصول الثلاثة التي عرضناها أعلاه اعتمادا على كتابه حول "الإسلام والحريّة" ما يؤكّد ذلك. ولكنّه كان في الآن نفسه معاديا لتصوّر مّا للهويّة ببعيدها الديني واللغويّ.

فهو يرفض بالنسبة إلى الإسلام النظرة المتوارثة التي تقدّس المنظومة الفقهيّة وتعتبرها ممثّلة للإسلام استنادا إلى مفهوم الشريعة. وينطلق كما ذكرنا من تاريخيّة الفقه وما يقوم بينه وبين تطوّر الواقع التشريعيّ والتحوّلات التي نتجت عن حركة التحديث من تنافر. فنحن أمام إسلاميين: إسلام الإسلاميّين القائلين بتطبيق الشريعة وإسلام الشرفي الذي يميّز بين "روح القرآن" الخالدة وتفاصيل التقنين المشروط بظرفه التاريخيّ. إنّه ضرب من الإسلام المعلمن إن جاز التعبير لأن العلمنة التي ذكرت في بيان النهضة تفترض عداء بين الدين واللاّئكيّة. وهو ما لا يسوغ تاريخيّا ومفهوميّا. أمّا كونه "إسلاما معلمنا" فيعود، رغم ما في الجمع بين المفهومين من غرابة، إلى نظرة عمادها الانطلاق من الزمنيّ التاريخي خصوصا منه الواقع وتحوّلاته وقيم حقوق الإنسان ومبادئها وبشريّة التشريع وسنادها تأويل الأحكام على أساس أخلاقيّ قيميّ مستمدّ من المنظومة الأخلاقيّة القرآنيّة التي لا يراها متعارضة مع القيم الكونيّة.

ولا يخلو هذا التصوّر الذي قال به، رغم ما فيه من وجاهة وما يحمله من احتمالات في إعادة مصالحة المسلم مع واقعه، من سعي إلى توفيق مصطنع بعض الاصطناع بما أنّ الغلبة ستكون في نهاية المطاف للقيم المدنيّة الحديثة التي تبرّر بما سمّي بروح القرآن. فكأنّ ما سيتبقّى من الدين إنّما هو الجانب الأخلاقيّ العامّ دون ما فيه من ثقل تاريخيّ وتأويليّ يتجلّى في المنظومة الفقهيّة الراسخة تاريخيّا.

ولم يكن الشرفي مبتدعا لهذا الأسلوب في النظر وإنّما هو متّبع للمسار التأويليّ الذي اختطّه الحدّاد منذ ثلاثينات القرن المنقضي واستخدمه بورقيبة في قراراته الكبرى التي عارض بها الموروث من الأحكام في شأن المرأة وغير المرأة من القضايا. فما الشرفي إلاّ مواصل لهذا التوجّه الإصلاحيّ التونسيّ.

وفي الحالات جميعا فإنّ مضمون هذا التصوّر لا يروق للإسلاميّين الذين تركوا الاجتهاد على أساس المقاصد واتّبعوا التصوّرات الإخوانيّة بالخصوص وما اعتمل في المشرق الإسلاميّ من رؤى كانت تهدف إلى العودة إلى تطبيق الشريعة. فالهدف المرسوم واضح وإن أخفاه الإسلاميّون ظرفيّا إلى أن يكون لهم التمكين بحسب تعابيرهم.

بيد أنّ اعتبار كلام الشرفي في الندوة الصحفيّة استهزاءً بالدين و"سخرية من الإسلام ومقدّسات أبنائه" لا يخلو من تجنّ مفضوح على الرجل. فالخلاف قائم والصراع قد انطلق ولا شكّ ولكنّ استخدام مثل هذه الأساليب في التهجّم إنّما هو لعب على مشاعر الناس وتجييش لهم ضدّ الوزير لا تبرّره إلاّ الرغبة السياسيّة في القضاء على الخصم الفكريّ باستعمال السلاح النوويّ الدينيّ وهو التكفير.

فنحن لا نعرف نقاشا فكريّا حول القضايا التي طرحها وموقف الإسلاميّين منها بما في ذلك في كتاب راشد الغنّوشي " من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس" الذي تعرّض فيه للشرفي وكرّر فيه التهم المعروفة التي وردت مجملة في بيان النهضة.

ومهما يكن من أمر فإنّ الأسئلة التي طرحها الشرفي، بقطع النظر عن موقفه هو منها وإجاباته عنها، قضايا حقيقيّة لا ينفع معها التكفير والدعوة إلى استقالة الوزير. ومادام الشكّ الفكريّ يرين على مواقف الإسلاميّين من هذه المسائل إلى اليوم في غياب تنظير فعليّ للحرّية الفرديّة وحقوق الإنسان فإنّ موقف الشرفي يظلّ أقوى في الإقناع العقليّ. فقد يكون المأزق والعجز عن تقديم إجابات مقنعة وتصوّرات متماسكة والحيرة المعرفيّة والسياسيّة يشمل الحركات الإسلاميّة جميعا لا حركة النهضة فحسب فإنّ ادعاءها تبنّي القيم المدنيّة والدفاع عن الحرّيّات يظلّ مجرّد ادعاء ما لم يؤصّل له نظريّا وبوضوح تامّ.

ولسنا في حاجة إلى التذكير "بزلاّت اللسان" التي صدرت عن سياسييّن من النهضة بعد الثورة وخلال تجربتهم في الحكم من قبيل حديث القياديّ حمّادي الجبالي عن "الخلافة السادسة" (أو حديث الغنوشي عن الأمن والجيش غير المضمونين أو مواقف النهضويّين عند مناقشة الدستور حول المساواة بين الرجال والنساء. فهي تحمل آثارا بيّنة من ثقافة إخوانيّة بالخصوص لا شيء يدلّ على أنّ النهضة قد تجاوزتها بل هي ممّا يفسّر نفور قطاعات من التونسيّين من الإسلاميّين نفورا يصل إلى حدّ العداء الذي يصطلحون عليه بعبارة الاستئصال في ضرب من المظلوميّة التي قد تفيد سياسيّا وظرفيّا ولكنّها لا يمكن أن تبنى عليها سياسات الأحزاب وخلفيّاتها الفكريّة.

أما الأصل الثاني من أصول الهويّة فيتعلّق باللغة العربيّة. وهو عنوان جامع لجملة من المسائل أبرزها مسألتان مترابطتان. فقد اتّهم الشرفي بأنّه فرنكفونيّ معاد للتعريب من جهة وذكر في البيان كذلك مفهوم التغريب ويقصد به إنكار الثقافة العربيّة والميل إلى الأخذ بالثقافة الغربيّة. والطريف هنا هو التقاء التيّارين الإسلاميّ والعروبيّ في تأكيد هذه التهمة بشقّيها اللّغويّ والثقافيّ الحضاريّ.

لا أريدك وزيرا مرّة أولى وثانية!

ولعلّ أبرز من ناهض الشرفي حتّى قبل دخوله إلى وزارة التربية هو زميله في كلّيّة الحقوق محمّد رضا الأجهوري. فقد كتب أكثر من مقال في الصحف والدوريّات الأسبوعيّة ضدّ الشرفي ودفاعا عن التعريب لم يتردّد فيها في اتّهام الشرفي بأنّه من "الطغمة الفرنكوفونيّة". وتعريفها عنده هو: "أن يقطع التونسيّ عن جذوره الثقافيّة لغة وفكرا وقيما وأن يصبح مجنّدا في خدمة اللغة والثقافة الفرنسيّة ذاك هو معنى الفرنكوفونيّة" (الأجهوري، 2015، ص 28).

ومن المفيد أن نشير إلى أنّ الأجهوري ليس إسلاميّا بل هو كما يعرّف نفسه "وحدويّ تقدّمي" يؤمن بالدولة المدنيّة (الأجهوري، 2015، ص 96). وهو من ذوي اللسانين وليس أحاديّ اللسان ولكنّه يعتبر التعريب في مختلف مراحل التعليم واجبا وطنيّا للتخلّص من التبعيّة والهيمنة الإمبرياليّة الثقافيّة الفرنسيّة. أمّا موقفه من الهويّة فهو معاد للهويّة الساكنة الجامدة على طريقة الإسلاميّين ويتبنّى ما يسمّيه الهويّة المتحرّكة غير السكونيّة "المتميّزة بالتسامح والتعايش والاستنارة والمرونة والعقلانيّة وحبّ الخير للإنسانيّة (...) [فهي] مناسبة لاحتواء الحداثة وما تتميّز به من تبشير بالمواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطيّة" (الأجهوري، 2015، ص ص 41 -42).

فمن هذه الناحية لا فرق جوهريّ بين الشرفي والأجهوري ولكنّ هذا الالتقاء في التصوّرات الأساسيّة الحداثيّة العلمانيّة لا يعني آليّا الاتفاق على المحتوى خصوصا في ما يهمّ اللّغة والثقافة.

فقد كتب الأجهوري في جريدة "الشروق" بتاريخ 15 نوفمبر 1988، أي قبل خمسة أشهر تقريبا من تعيين الشرفي في التربية، مقالا بعنوان مثير: "لا أريدك وزيرا".

ولئن لم يذكر الشرفي بصفة صريحة في هذا المقال فقد تمّت الإشارة إليه من خلال صفته أستاذا للقانون المدنيّ بكليّة الحقوق في تونس. ويعرف أهل الاختصاص والقضاء والمحاماة من المقصود بالكلام. فقد نقل الأجهوري عنه أنّه قال "لن تعرّب كليّة الحقوق أبدا ما دمت فيها" (الأجهوري، 2015، ص 71). ونقل عنه أيضا أنّه اعتبر الأجهوري الذي كان يعمل على إعلاء كلمة التعريب في أواسط الثمانينات بكلّيّة الحقوق "مجرما كبيرا" أو "خطيرا".

ورغم ذلك فقد رضخ الشرفي للضغط وانتصر اتّجاه التعريب في الكليّة سنة 1984 فدرّس مادّة القانون المدنيّ بالعربيّة بعد أن عرّب عدد من مساعديه في الدروس التطبيقيّة، ومنهم الأجهوري، الدرسَ الذي كان يلقيه بالفرنسيّة.

ومن الوقائع التي رواها الأجهوري عن الشرفي دوره في إنشاء مؤسّسة تدرّس الحقوق بالفرنسيّة مستقلّة عن الكلّيّة الأمّ. فقد كان من المجموعة التي أقنعت محمّد الصيّاح وزير التربية والتعليم العالي في آخر أيّام بورقيبة بإنشاء "كلّيّة العلوم القانونيّة والسياسيّة والاجتماعيّة بتونس" المحدثة في سبتمبر 1987 (الأمر عدد 87 – 4 المؤرّخ في 24 سبتمبر 1987 والمنقّح بالقانون عدد 61 – 87 المؤرّخ في 13 نوفمبر 1987) وقد اعتبرت معقلا "للفرنكوفونيّة المهزومة في معركة التعريب بكلّيّة الحقوق" على حدّ تعبير الأجهوري (الأجهوري، 2015، ص 74).

وقد قدّم الأجهوري أدلّة كثيرة على هذا التوجّه الفرنكوفوني للكلّيّة الجديدة. فقد ألقى محمّد الصياح الوزير خطبته يوم الافتتاح بالفرنسيّة وكانت أوّل محاضرة تلقى فيها، ويبدو أنّه درس افتتاحيّ ألقاه الأستاذ الصادق بلعيد، بالفرنسيّة وكانت الدراسة بالمرحلة الثالثة مفرنسة تماما ولم تبلغ نسبة التدريس بالعربيّة في السنة الأولى إلاّ نصف الساعات (الأجهوري، 2015، ص ص 134 -135).

لقد كانت هذه الكليّة حسب الأجهوري "قلعة الفرنكوفونيّة لضرب مشروع التعريب الوطنيّ".

وأعاد الأجهوري في مقال له بعنوان "مرّة أخرى لا أريدك وزيرا" بمجلّة "المغرب العربيّ" بتاريخ 12 ماي 1989، إثر تعيين الشرفي، سرد هذه الوقائع مصرّحا هذه المرّة باسمه مذكّرا بأنّه "وجه ماركسيّ معروف" و"وجه فرنكفونيّ معروف" (الأجهوري، 2015، ص 75) مذكّرا بأنّ موقفه منه ليس شخصيّا وإنّما هو متّصل بـ"التوجّهات الثقافيّة الحضاريّة للبلاد". ورغم ذلك كشف الأجهوري عن لقاء له مع الشرفي في بيته عن جوانب شخصيّة جدّا حول علاقة الشرفي بالإيمان والفرائض فلتطلب في موضعها من الكتاب (الأجهوري، 2015، ص 82). ولكن أبرز ما استنتجه الأجهوري من هذا اللقاء أنّ الشرفي، وقد عرض عليه ترجمة أحد كتبه إلى العربيّة، كان يقصد اشتراء ذمّة الرجل الذي لا يريده وزيرا.

وبقطع النظر عن دواعي نشر الأحاديث الشخصيّة فإنّ ما يفيد أكثر في مقال الأجهوري هو المغزى الذي رآه وراء تسمية الشرفي وزيرا. فقد اعتبرها في فرضيّة أولى تكريسا "لتوجّه فكري إيديولوجيّ يحمل في طياته (...) مضمونا فكريّا عقلانيا أو علمانيّا أو لائكيّا" القصد منه "الشروع في مواجهة حاسمة في العمق ضدّ المدّ الإسلاميّ القويّ المتنامي سعيا إلى خلق جيل لائكيّ جديد في المستقبل القريب والبعيد" (الأجهوري، 2015، ص 85).

والأرجح أنّ قراءة الأجهوري هذه لم تكن مجانبة للصواب وهي إذا نزلناها في سياقها السياسيّ والفكريّ لم تكن تحتاج إلى فطنة كبيرة. ولكنّ ما كان يحيّر الأجهوري أكثر هو موقف الوزير الشرفي من التعريب. فهو بين اختيارين. إمّا تعميق مشروع التعريب ودعم "الهويّة العربيّة الإسلاميّة في بعدها العقلانيّ التقدّميّ" مع "تطوير مستوى تدريس اللغات الأجنبيّة" لـ"لقطع مع التبعيّة الفرنكوفونيّة" (الأجهوري، 2015، ص 86). وإمّا أن ينتقم الوزير من خصومه من الاتجاه المنادي بالتعريب.

وقد واصل الأجهوري التعبير عن موقفه المناهض للشرفي في سلسلة من المقالات بلغت الثمانية نشرها بجريدة "الشروق" ابتداء من يوم 10 ماي 1990 (عنوانها "بيننا البحر، حديث في الهويّة") بمناسبة لقاء أجرته مجلّة "جون أفريك" مع الوزير. فقد جاء في الحوار قول الشرفي "إنّ شعب تونس خليط أجناس ضمّت البربر والفينيقيّين والرومان والوندال ثمّ العرب والمسلمين دون أن يكون لإضافة هؤلاء أيّ تميّز" (عن الأجهوري، 2015، ص 163).

وقد رأى الأجهوري في قول الشرفي تأكيدا على موقفه من الهويّة العربيّة الإسلاميّة وربط بينه وبين بورقيبة المعادي "لانتمائنا القوميّ الحضاريّ [إلى] هوّيّتنا" وإن كان الشرفي عنده "يمثّل الطبعة أو النسخة الرديئة المختصرة لبورقيبة" (الأجهوري، 2015، ص 143). ومهما يكن من أمر التشابه بين بورقيبة والشرفي فالثابت عند الأجهوري أنّ تصوّرهما المشترك لا يساعد على "التحرّر الوطنيّ الشامل من الإمبرياليّة الفرنكوفونيّة وبناء هويّة عربيّة إسلاميّة متحرّكة وفاعلة" (الأجهوري، 2015، ص 159).

وتبدو لنا هذه المعركة التي خاضها الأجهوريّ ضد الشرفي قائمة على جانبين أساسيّين. فمن جهة نجد تناولا مختلفا لمسألة التعريب يمثّل اختلافا بين جيلين. فالشرفي من مواليد 1936 والأجهوري من مواليد 1954 علاوة على الاختلاف في التكوين الفكريّ الأساسيّ بينهما إذ كان الشرفي ذا تكوين ماركسيّ ولم تكن مسألة التعريب مطروحة على جدول أعمال الماركسيّين التونسيّين في الستينات والسبعينات أمّا الأجهوري فهو يقدّم نفسه على أنّه وحدويّ عربيّ من الذين يرون في بورقيبة طاغية فرنكفونيّ. بيد أنّ هذا الاختلاف بين الجيلين لا يعود إلى جوانب شخصيّة فحسب بل يعود أساسا إلى غياب سياسة لغويّة واضحة للدولة التونسيّة في مسألة التعريب. فلا ننسى أنّ المسألة طرحت مع أوّل إصلاح تربويّ سمّي باسم محمود المسعدي وزير التربية سنة 1958. ورغم أنّ المسعدي مختصّ في اللغة العربيّة ومعروف بمواقفه المدافعة عن الثقافة العربيّة الإسلاميّة وتدلّ كتاباته على تمكّن من اللسانين كأحسن ما يكون التمكّن كما تدلّ مواقفه في مجلّة "المباحث" على تمسّك بالعروبة والإسلام مكوّنين من الذاتيّة التونسيّة فقد اتّهم بدوره بخدمة الفرنكوفونيّة في إصلاحه التربويّ وعدم تعميمه للتعريب.

فالسؤال الذي ما انفكّ يطرح بمناسبة أيّ إصلاح تربويّ مداره على مسألة الهويّة والتعريب. وهو يعود في تقديرنا إلى أمرين مترابطين. فمن جهة لا نجد كما ذكرنا تصوّرا لغويّا سياسيّا في إدارة العلاقات الممكنة بين اللغة الوطنيّة والرسميّة دستوريّا أي العربيّة واللغات الأجنبيّة. فالفرنسيّة مع التحوّلات العالميّة في الخارطة اللغويّة لم تعد لغة العلم الأولى على أهميّتها الثقافيّة ولكنّها تحظى لأسباب سياسيّة تاريخيّة بأولويّة و"مكانة خاصّة" لا تفسير لها إلاّ في العلاقات الاقتصاديّة والماضي الاستعماري مع فرنسا. وهذا ما يجعل مواقف كثيرة من الفرنسيّة لا تخلو من تشنّج لأنّها تندرج ضمن منطق الثأر التاريخيّ والنقمة على المستعمر القديم خصوصا أنّ حضوره ما يزال قائما بأشكال مختلفة.

ولكنّ لهذا التشنّج مبرّرا آخر، وهي الجهة الثانية من تفسيرنا. ففي تونس يوجد "فرنكفوليّون" (مغرمون بالفرنسيّة وفرنسا نفسها) لا فرنكوفونيّون (ناطقون بالفرنسيّة) فحسب. وهؤلاء يعتقدون أنّ العربيّة لغة الدين والماضي وهي سبب تخلّفنا ومظهر مرتبط بصعود الإسلاميّين والهويّة الإسلاميّة المتحجّرة. ويعتقدون في الآن نفسه أنّ الفرنسيّة لغة الحضارة والعلم والثقافة التنويريّة والتقدّم. ولا يكمن الإشكال في تقديرنا في هذه الاعتقادات بل في انعكاساتها العمليّة. فمهاجمة الفرنكفوليّين للعربيّة لا أساس علميّا لها كما أنّ تبنّيهم للفرنسيّة لغة للعلم والتقدّم لا أساس واقعيّا له. ففي جميع بلدان العالم تدرّس العلوم للتلاميذ بلغاتهم الرسميّة والوطنيّة وتدريسها بالعربيّة لن يمثّل استثناء او مدعاة للتخلّف كما أنّ معايير التخلّف والتقدّم لم تكن يوما معايير من طبيعة لغويّة.

بهذا المعنى اختزلت مسألة اللغات الأجنبيّة في مجرّد وسيلة لنقل المعرفة الحديثة والتكنولوجيا من جهة واعتمدت من جهة ثانية على أنّها اداة اتّصال بالثقافات الأجنبيّة وتنزيل ثقافتنا العربيّة في سياق كونيّ أشمل. لكنّ الحلقة المفقودة في هذا أنّ الاتصال باللغات الأجنبيّة هو انّنا لن نكون حديثين لمجرّد تعلمنا لهذه اللغات أو اكتفائنا بالعربيّة بل المطلوب أكثر من ذلك وهو استبطان الحداثة نفسها والقيم الكونيّة باللغة العربيّة نفسها. فالمسألة ليست مسألة أداة أو إيديولوجية تحتقر الذات الثقافيّة بل مسألة جهد مطلوب في التعريب ونقل الأفكار واستيعابها وإعادة إنتاجها للوصول إلى مرحلة الإنتاج العلمي بالعربيّة بحسب المعايير الدوليّة.

إنّها ورطة تعود في تقديرنا إلى ضرورة تجنّب تصوّرين منغلقين يقول أحدهما باكتفائنا اللغويّ بعربيّة قاصرة عاجزة ويقول الثاني بالتخلّي عن اللغة الوطنيّة وتبنّي لغة أخرى هي أساسا الفرنسيّة.

والواقع أنّ وراء هذا الصراع اللغويّ صراعا إيديولوجيّا لا يخفى على الناظر. فعلاوة على ما أشرنا إليه من مواقف الفرنكوفوليّين تطرح المسألة من جهة مضمون اللغتين وصلتهما بمسألة التحديث. وهو يشمل في الآن نفسه جلّ التوجّهات العروبيّة والتوجّه الإسلاميّ بالخصوص. وتكشف بعض كتابات راشد الغنّوشي، وهو مجرّد مثال مناسب لسياق حديثنا عن الشرفي، عن هذا الخلاف حول تصوّر مسار التحديث في تونس أي الوجه الثاني من تهمة الفرنكوفونيّة التي وصم بها محمّد الشرفي ونقصد مسألة التغريب. 

الحداثة بين الزيتونة والصادقيّة

 اعتبر راشد الغنّوسي في كتابه "من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس" أنّ جوهر الصراع في تاريخ تونس الحديث قد قام بين حماة الهويّة ودعاة التغريب منذ أواسط القرن التاسع عشر.

وذهب إلى انّ المثقّفين التونسيّين، زيتونيّين وصادقيّين، كانوا مجمعين على ضرورة التحديث وما الفرق بينهم إلاّ فرق حول مضمون التحديث وأغراضه. فالتيار الأوّل الذي يسميّه تيار التعريب يرمي إلى استيعاب الحداثة العلميّة في إطار ما يسمح به الإسلام على سبيل مواصلة رسالته الإنسانيّة أمّا التيّار التغريبي فيهدف إلى إلحاق تونس بفرنسا (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص ص 53 -54). ولكن انتصار بورقيبة في هذه المعركة بين التيّارين كان في الآن نفسه انتصارا للتيّار التغريبي. فأنتج ذلك حداثة مزيّفة متغرّبة أزيح بها الإسلام ودمّرت الهويّة. وهذا ما جعل الصراع في تونس دائرا منذ الاستقلال بين علمانيّة متطرّفة متفرنسة أو ماركسيّة يرميان إلى أقصاء الإسلام من الدولة والمجتمع وتيّار إسلاميّ يعمل على عودة الإسلام (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 55). وفي هذا نرى العمق الدلالي الذي تحمله عبارة تغريب في بيان النهضة الذي كفّرت فيه الشرفي.

بيد أنّنا نشير هنا إلى تحليل الشرفي في "الإسلام والحرّيّة"، في سياق حديثه عن "التربية والحداثة" في الفصل الأخير من الكتاب (الشرفي، 2002 -2009، ص ص 215 -267)، لحركة الإصلاح في تونس وتصنيفها إلى تقليديّين وحداثيّين أو زيتونيّين وصادقيّين يعود الفضل في وجودهم إلى خير الدين التونسي الذي اعتبره الغنّوشي من كبار المدافعين عن الإسلام وتشريعاته. ولئن انتصر الغنّوشي صراحة إلى الزيتونيّين فقد هاجمهم الشرفيّ هجوما حادّا أخرجهم به من حركة التحديث في تونس ما عدا المنشقّين منهم عن الزيتونة مثل الطاهر الحدّاد. والطريف انّ الغنّوشي نفسه يتبنّى شأنه شأن الشرفي فكر خير الدّين التونسي والطاهر الحدّاد مثلا ويعتبرهما من ممثّلي التيار الإسلاميّ (الغنّوشي، من تجربة الحركة...، ص 75).

وإذا خصّصنا كلام الغنّوشي وربطناه بالشخصيّة التي تهمّنا في هذا الفصل، أي محمّد الشرفي، فإنّنا نكون أمام أحد غلاة التيّار التغريبيّ بخلفيّاته الفرنكوفونيّة التي تعني مواصلة المشروع الاستعماريّ (فـ"دولة التحديث وريثة الاحتلال" انتصرت وحكمت "بدعم من الأجنبيّ" حسب الغنّوشي (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص ص 100 -101)) ينضاف إلى ذلك التطرّف اليساريّ الاستئصالي الذي كان الشرفي حسب الإسلاميّين من رموزه.

وحين نتثبّت من هذه الخلفيّة الفكريّة التي ينطلق منها الإسلاميّون ويرون من خلالها دولة الاستقلال وموقع الشرفي الثقافي الفكري والسياسيّ في التيارات التي تنتظم التاريخ الثقافيّ التونسيّ نفهم حدّة موقف حزب النهضة في بيان تكفير الشرفيّ وبعض أبعاده. إذ يلتقي في هذا البيان السياسيُّ الظرفيُّ المرتبط بتوجّهات نظام السابع من نوفمبر بالثقافيّ العميق المتّصل بالتصوّرات الضمنيّة التي صرّح بها الغنّوشي في كتابه وإن بصفة متأخّرة زمنيّا.

 في تحالف اليسار ونظام بن عليّ

لقد اتّهم الشرفي بأنّه فرنكفونيّ واستئصاليّ (بمعنى يسعى إلى استئصال التيّار الإسلاميّ). بيد أنّ تجربته في النواة الأولى للمعارضة اليساريّة خلال الستينات جعلته كما قال الأجهوري من "الوجوه الماركسيّة المعروفة".

ورغم أن الانتماء الماركسيّ لا يمثّل تهمة فإنّه يؤكّد ضمنيّا العداء للإسلاميّين. وقد استعملت هذه الصفة كثيرا لاتهام اليسار التونسي بالتحالف مع بن عليّ لقمع الإسلاميّين.

والواقع أنّ ما يدعّم هذه التهمة دخول عدد كبير من الوجوه اليساريّة التي ناضلت في الحركة الطلاّبيّة أو عانت السجون أو كانت قيادات في تنظيمات أقصى اليسار إلى حزب بن عليّ بعد السابع من نوفمبر من أبرزهم خميّس قسيلة وزهير الذوّادي ومنصف قوجة. إضافة إلى ذلك قرّب بن عليّ عناصر من المعارضين السابقين من اليساريّين مثل منصر الرويسي الذي قام بدور محوري في وضع الميثاق الوطنيّ ومحمّد الشرفي نفسه علاوة على وزراء مثل أحمد السماوي.

وتفسير ذلك عندنا يقوم على معطيين بعيدا عن الاتهام الانتهازيّة و"اللاّ أخلاقيّة" على حدّ وصف الغنّوشي لليساريّين الذين تحالفوا مع بن عليّ (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 146 وص 109). أحدهما أنّ كثيرا من اليساريّين، بعد أن عانوا السجون والتعذيب في عهد بورقيبة لأسباب غير مبرّرة في الأغلب الأعمّ تعود إلى الطبيعة الاستبداديّة للنظام، وجدوا في وعود بن علي التي قدّمها في بيان السابع من نوفمبر تعبيرا عن تطوّرهم الفكريّ وقبولهم بالديمقراطيّة بعد مناداتهم بدكتاتوريّة البروليتاريا. فكان التجمّع بالنسبة إليهم مجالا للعمل السياسيّ العلنيّ. وربّما قصدوا التأثير من خلال انتمائهم ذاك في سياسة الدولة وفق توجّهاتهم الفكريّة التقدّميّة. فقد أثبت دخولهم إلى الاتحاد العام التونسيّ للشغل حتى في فترة تحالفه مع نظام بورقيبة في السبعينات قدرتهم على التأثير في التصوّرات وفرض قيم جديدة في العمل النقابيّ. ولمّا كان لهؤلاء خبرة نقابيّة في الغالب واتصال بالمركزيّة النقابيّة فقد يكونون فكّروا في استنساخ تجربتهم في الاتحاد العام التونسي للشغل ونقلها إلى التجمّع الدستوري الديمقراطي.

أمّا الوجه الثاني من التفسير فقد عبّر عنه راشد الغنّوشي بقوله: "تصاعد الشعور بالخطر لدى قوى اليسار والقوى العلمانيّة عامّة على ما تعتبره مكاسب الحداثة فطرحت على نفسها ضرورة الاختيار بين الإسلاميّين وبين الدولة القائمة التي ظهرت لفريق واسع منهم أنّها الوحيدة القادرة على إيقاف زحف هؤلاء على المجتمع والدولة" (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 144). وهو تفسير صحيح خصوصا إذا استعدنا الأجواء التي كانت سائدة قبيل السابع من نوفمبر وبعد القطيعة بين الإسلاميّين ونظام بن عليّ. فحتّى قبل الحملة الانتخابيّة المبهرة التي أبرز فيها الإسلاميّون قوّتهم كانت أجواء الاحتقان والصدام العنيف مع الدولة قد امتدّت لفترة طويلة لعلّها أطول فترة في صراع الدولة التونسيّة مع معارضيها. فحفلت بمظاهرات يوميّة (خصوصا مظاهرة يوم 23 أفريل 1987 ومظاهرات أوت 1987) تدلّ على نفس طويل في النضال انتهى بعمليّات تفجير في ثلاث نزل في سوسة والمنستير يوم 2 أوت 1987. وبلغت المواجهة إلى حدّ الإعداد لانقلاب على بورقيبة قبيل انقلاب بن عليّ (نظيف، 2017). هذا علاوة على سيطرة الإسلاميّين على الجامعة سواء في المجالس العلميّة من خلال ممثّلي الطلبة المنتخبين أو في مختلف التحرّكات الطلاّبيّة وذلك منذ أواسط الثمانينات. ومن المعلوم أنّ الحركة الطلاّبيّة كانت دائما معقل اليسار ومصنع تخريج اليساريّين.

ولا يخفى ما بين التفسيرين من ترابط. ولكنّهما يعودان في ظنّنا إلى ثقة المثقّف التونسيّ حامل الأفكار المدنيّة واليساريّة في قدرة الدولة على التغيير باستقراء تاريخ البلاد منذ التجربة البورقيبيّة على الأقلّ. فإذا تركنا جانبا النظرة الثوريّة للشيوعيّة والماركسيّة اللينينيّة بمختلف تياراتها ومشتقاتها فإنّ الدولة التونسيّة كانت دائما الأقدر على مواجهة تيار المحافظة الاجتماعيّة والدينيّة خصوصا في بداية الاستقلال. فالبعد التحديثي لبورقيبة جعله الأب المبهر والمنفّر في الآن نفسه لليسار التونسيّ.

وبناء على هذا الارتباط بين شقّ واسع من اليساريّين ونظام بن عليّ استطاعت الدولة أن "تستفيد"

من تجربة اليساريّين والعلمانيّين في المواجهة الفكريّة والإيديولوجيّة للإسلاميّين. فلم يكن لبن علي وحزبه أيّ فكر يستندان إليه غير تجربة الحكم وجهاز الحزب المنتشر في كلّ مكان. وقد اعتبر الغنّوشي أنّ خطّة تجفيف المنابع هي من نتاج عمل اليساريّين في "لجنة التفكير في الحزب الحاكم" (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 144).

وقد أصاب الغنّوشي، وهو يقوم بنقد ذاتيّ بعد سنوات، في وصفه لدور الإسلاميّين في بعث "المخاوف والأطماع والأحقاد وردود الأفعال (...) بسبب ما أظهروه (...) من زهو واستعلاء على القوى الأخرى" (الغنّوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة، ص 147).

ولا نظنّ الشرفي إلاّ من هذا الصنف. بيد أنّ اعتباره ماركسيّا متطرّفا لا يخلو من مبالغة. فقد صرّح في مذكّراته بأنّه لم يكن يقبل ما تقوم عليه الأنظمة الشيوعيّة من مفاهيم كدكتاتوريّة البروليتاريا والحزب الواحد وعبادة الشخصيّة وما تزعمه الماركسيّة من علميّة شبيهة بعلميّة علوم الأحياء أو الفيزياء. وهو يرفض في الشيوعيّة الإلحاد ويرفض اللينينيّة وإن كانت الماركسيّة جديرة بالاهتمام شريطة ألاّ ينظر إليها كما لو أنّها دين (Charfi، 2009، ص ص 60 -61). ورغم مروره بفترة ترتسكيّة من حياته على سبيل الصدفة بيّن في مذكّراته ظروفها فإنّ الأرجح أنّ تعامل الشرفي مع الفكر الماركسي كان تعاملا ثقافيّا أكثر منه تنظيميّا أو سياسيّا مباشرا.

ولكنّ أهمّ تجربة سياسيّة فكريّة عاشها الشرفي ارتبطت بحركة "آفاق". فقد كان القصد منها معرفة الواقع التونسي وخصائص العالم العربي (Charfi، 2009، ص 77) ولكنه غادرها بعد فترة وجيزة حين اتّجهت اتجاها يسراويّا ماويّا بتأثير من جلبار نقّاش الذي لم يكن الشرفي يحبّه لدوره في الانحراف بالخطّ العامّ لحركة آفاق (Charfi، 2009، ص 89 وخصوصا ص ص 126 -127).

ليست هذه التوضيحات حول المسار الفكري والسياسيّ للشرفي إلاّ من باب التأكيد على أنّ علاقته بالماركسيّة في ما بدا لنا علاقة ثقافيّة أساسا. ولكنّنا نقدّر أنّ تكوينه القانونيّ أشدّ تأثيرا في مواقفه وتصوّراته من تكوينه الماركسي مهما كان عمقه. وفي الحالات جميعا لا نظنّه عميقا بما أنّه لا يتجلّى في كتاباته أيّ تأكيد على الجانب الطبقيّ مثلا أو الاحتكام إلى الخطاب الماركسيّ مرجعيّةً له ومفاهيم في التحليل. فالواضح في ما كتب الشرفي هو التركيز على الجانب الحقوقيّ الإنسانيّ وإن شئنا أن نجد أثرا للماركسيّة ففي الإلحاح على البعد التاريخي للظواهر وإن لم يكن ذلك من مميّزات الماركسيّة دون غيرها من النظريّات.

وإذا صحّ هذا الذي نزعمه فإنّ جوهر الصراع بين الشرفي والإسلاميّين لا يلتمس في انتمائه الماركسيّ الحقيقيّ أو المزعوم بل في تبنّيه لخطاب حقوق الإنسان وجعله نقطة مرجعيّة لتقييم كل التصوّرات بما في ذلك التصوّرات الدينيّة. فهو من هذه الناحية علمانيّ ولا ريب ولكن دون عداء للدين. إذ لا نجد لمثل هذا العداء أثرا في أيّ نصّ من النصوص التي كتبها إلاّ إذا اعتبرنا تصوّره للعلاقة بين التشريع والتاريخ دليلا على ذلك.

الصراع المؤجّل

مهما يكن تقييمنا لعلاقة الشرفي بالتيّار الإسلاميّ في تونس وبحزب النهضة بالخصوص فإنّ هذا التقييم لا ينبغي له أن يغفل عن جملة من المعطيات الأساسيّة.

أوّلها أنّ مشكلة التعليم عموما وتدريس التربية الدينيّة من المشاكل الكبرى قبل تولّي الشرفي الوزارة وخلال تولّيه لها. فللمسألة صلة بتصوّر الدين في مجتمع دخل الحداثة نهائيّا. ولمّا كانت المدرسة جهازا إيديولوجيّا من أجهزة دولة انبنت على رؤية مجدّدة إلى الدين الإسلاميّ لم يعد من الممكن أن يدرّس هذا الدين، مضمونا ومنهجا، بطريقة لا تاريخيّة تزيد في حيرة التونسيّين وأبنائهم وتنشئ تناقضا صارخا بين ما يدرّس من محتوى قديم لا تاريخيّ وما يعيشه المتعلّم في مجتمعه. فمثل هذا التدريس لن يزيد الشبّان إلاّ اغترابا عن واقعهم ويشحنهم بمثل عليا وتصوّرات تكفّر الدولة والمجتمع بالضرورة. فلم يقم الشرفي حين تناول هذه المشكلة إلاّ بمواجهة جريئة لما كان مقرّرا قبله بقطع النظر عن موقفه الشخصيّ حقوقيّا وصاحب تصوّر للدين عبّر عنه في كتاباته. لذلك كان الربط بينه وبين بورقيبة سليما لأنّ مشكلة الإسلاميّين الذين عارضوا الشرفي كانت مع النظام الذي أرسته النخبة السياسيّة بعد الاستقلال بزعامة بورقيبة.

وثانيها أنّ حزب النهضة ببيان 2 أكتوبر ارتكب خطأ شنيعا في السياسة أنشا حوله فراغا سياسيّا بسبب ما تضمّنه هذا البيان من تكفير واضح أكّد لدى النخب الفكريّة والسياسيّة التونسيّة تخوّفاتها من وجود حزب إسلاميّ برهن في انتخابات 1989 على أنّه يمثّل ثقلا جماهيريّا بما أبداه من قدرة على التعبئة والفعل السياسيّ. ولكن لا شيء كان يضمن أنّ نظام بن عليّ لم يكن سيواجه الإسلاميّين حتّى إن دخلوا بيت الطاعة. لكنّ بيان النهضة، من ناحية أخرى، كان دليلا على تصوّر الإسلاميّين للدين بمقتضى مرجعيّتهم الإخوانيّة بالخصوص. فهم لم يكونوا قادرين على التخلّي عن تكفير المجتمع وإن ضمنيّا ولا على حلم الخلافة ولا عن فكرة تطبيق الشريعة رغم توقيعهم على الميثاق الوطني. وهذا ما جعل موقف الإسلامّيين يقرأ على أنّه موقف ممّا يسمّى مكاسب دولة الاستقلال التي يعاديها الإسلاميّون وتوهّموا، ولو إلى حين، أنّ بن علي جاء ليصلح "ما أفسده" بورقيبة. لذلك اتّهموا بازدواجيّة الخطاب وباستعمال الدبمقراطيّة الانتخابيّة للانقضاض عليها حالما يصلون إلى الحكم. فقد كانت المراجعات لقبول قواعد اللعبة الديمقراطيّة والممارسة المدنيّة للسياسة أبعد ما تكون عن تصوّرات القيادة رغم التصريحات فما بالك بالقواعد والهياكل الوسطى.

ثالثها أنّ تكفير الشرفي كان عملا سياسيّا أكثر منه دينيّا. ففي السياق الذي صدر فيه بدأت في تقديرنا لعبة كسر العظام بين السلطة والإسلاميّين ولكنّ سوء قراءتهم للوضع برزت من جهتين: من جهة قوّتهم الجماهيريّة وسيطرتهم على الحركة الطلاّبيّة أوّلا ومن جهة حالة النظام الذي استعاد بانقلاب 7 نوفمبر بعض عافيته ثانيا. هذا علاوة على الوضع الإقليميّ والدوليّ خلال حرب الخليج وإرهاصات العشريّة السوداء في الجزائر وازورار المعارضة التونسيّة عنهم. لقد توهّم الإسلاميّون أنّهم قادرون على المواجهة وفرض تصوّراتهم في سياق لم يكن سياق تغيير واستئناف للتغيير الذي قام به بن عليّ. فلم يكن صراعهم مع الشرفي إلاّ الجزء الظاهر من جبل الجليد.

ولعلّ إحميدة النيفر المسؤول في وزارة الشرفي عن ملفّ التربية الإسلاميّة كان مصيبا في اعتباره أنّ مجتمعاتنا مازالت "مجتمعات نخب" وأنّ " المؤسّسات والمنظّمات والجمهور الواسع تظل جميعها رهينة تطوّر تلك النخب وحريتها وتدافعها". لذلك لا تنفع فيها لغة التكفير والتخوين (النيفر، 2008، المقال في ملاحق هذا الفصل).

وليست شهادة إحميدة النيفر بعد وفاة مجمّد الشرفي إلاّ قرينة على أنّه كان يمكن للنخب التونسيّة العلمانيّة والإسلاميّة أن تجد أنموذجا حقيقيّا للتفكير المشترك في إسلام لا يفسد صفاء العقيدة ولا يهمل في الآن نفسه وقائع التاريخ العنيدة. يقول إحميدة النيفر" لم أتلقَ مرّة واحدة من الوزير ما يمكن أن يتضمّن تعليمات ذات خصوصيّة إيديولوجيّة معادية للإسلام عقيدة وسلوكا وحضارة. ما تَمّ إنجازه من كتب وبرامج في تلك الفترة يبقى شاهدا حيّا على ذلك بما فيه من حرص على صفاء المعتقد وسلامة الخلق وثراء الفكر وتنوّع التراث الفقهيّ والفلسفيّ للمسلمين. أكثر من ذلك، كان لدى الوزير محمد الشرفي تأكيد على إشراك أهمّ الأطراف السياسية والمجتمعية، فضلا عن عموم الأساتذة، في استشارات واسعة ولقاءات عديدة ضمن ما كان يعرف وقتها باللجان القطاعيّة لكل اختصاص لإبداء الرأي والاقتراح فيما كنّا نعمل على إنجازه. كانت قمّة هذا السعي الانفتاحي بدعوة أحزاب سياسية معارضة ومنظمة حقوق الإنسان وممثلي نقابات التعليم، بل إن هذا التمشّي بلغ حدّ قبول مشاركة أحد رموز حركة النهضة الإسلامية في هذا العمل الإصلاحي رغم مواقف الإدانة والمطالبة بإقالة الوزير".

والأرجح أنّ الشرفي كان "مثقّفا سياسيّا"، بعبارة النيفر، لا يخشى الصراع الإيديولوجيّ ولا يرغب في تأجيله وهو مستعدّ للحوار المكشوف بين الفرقاء من النخب المتنوّعة من أجل معالجة القضايا الكبرى ضمن تصوّر تعدّدي. 

فهل أضاع الإسلاميّون فرصة صراع حقيقيّ مع مجادل عنيد مثل الشرفي؟ وهل كانوا بتصوّراتهم في أواخر الثمانينات قادرين على خوض صراع فكريّ عميق؟ أم أنّ الزمن لم يكن لدى السلطة والإسلاميّين أنفسهم زمنَ حوارٍ ممكنٍ بل زمن صدام تأجل طيلة فترة بن عليّ فتأجّل كل شيء إلى ما بعد الثورة وإن في صيغ أخرى؟


الخاتمة

لقد كان تكفير حزب النهضة لمحمّد الشرفي تكفيرا سياسيّا بامتياز بسبب صدوره عن حزب سياسيّ يزعم أنّه يتّخذ الإسلام مرجعا له في تصوّره للعمل السياسي ويهدف إلى الدفاع عن الهويّة الإسلاميّة التي أراد بورقيبة محوها.

بيد أنّ هذا الجانب من المسألة يظلّ في تقديرنا سطحيّا محكوما بالسياق السياسيّ الذي يتنزّل فيه. أمّا جوهره الثابت فيعود إلى صراع تصوّرين ثقافيّين حكما تاريخ تونس الثقافيّ المعاصر هما التصوّر المحافظ الذي مثّله إسلام تقليديّ احتضنته مؤسّسة الزوايا من الجانب الشعبيّ ومؤسّسة جامع الزيتونة من الجانب العالم وتصوّر حديث عبّر عنه النيّرون من المصلحين أمثال الثعالبي والحدّاد والشابّي وبورقيبة.

لكنّ العامل الجديد والحاسم في هذا الصراع هو أنّ تيّار الإصلاح الحداثيّ استطاع أن يسيطر على الدولة وأجهزتها خصوصا التعليميّة بعد القضاء على التعليم الزيتونيّ فصارت الدولة تقود عمليّة التحديث وتغيير العقليّات وتدعو إلى إسلام جديد باسم مواكبة العصر واللحاق بركب الأمم المتقدّمة حسب الاستعارة التي روّجها بورقيبة في خطاباته.

فاعتبر ذلك هرطقة استدعت تكفير الإسلام السياسيّ للمجتمع والدولة جميعا، متأثّرا بالفكر الإخواني في أكثر صيغه جذريّة مع سيّد قطب ومستقويا بانتصار الثورة الإيرانيّة الملهمة. ولا يخرج تكفير محمّد الشرفي عن هذا السياق الفكري العامّ.

فقد كان الصراع على التعليم صراعا بين تصوّرين اجتماعيّين. إذ أدرك الشرفي بخلفيّته اللاّئكيّة واليساريّة والحقوقيّة أنّ رهان الإسلاميْن الرسميّ والسياسيّ كان على جعل المؤسّسات التعليميّة مصنعا لتخريج الشباب الإسلاميّ في ضرب من التحالف الخفيّ بينهما أو الالتقاء الموضوعيّ. وهذا ما يفسّر أنّ ممثّلي كلا الإسلاميْن، أي أعضاء نافذين في المجلس الإسلاميّ الأعلى وجامعة الزيتونة وقيادة حزب النهضة، قد عارضا مشروع الشرفي لإصلاح التعليم حتّى قبل أن يبدأ ويعلن عنه في افتتاح السنة الدراسيّة 1989 -1990.

بيد أنّ مشروع الشرفي الذي اتّهم بأنّه يريد تجفيف منابع الإسلام كان في الواقع سعيا منه إلى تقديم تصوّر متناسب مع التحوّلات الاجتماعيّة التي لم تعد تقبل ترسيخ الوعي المزدوج لدى الناشئة بتلقين مفاهيم مناقضة لما عليه المجتمع التونسيّ. وهي مفاهيم مصدرها الفقه القديم الذي لم يعد معمولا به من قبيل الخلافة وتأديب المرأة بالضرب والجهاد وغير ذلك من التصوّرات التاريخيّة التي تجاوزها المجتمع التونسي.

لكنّ الإسلاميّين أدركوا خطورة الرهان عليهم وعلى رؤيتهم العميقة وأدبيّاتهم التي يروّجونها في صفوف أتباعهم. فلئن أعلنوا سياسيّا قبولهم بقواعد اللعبة الديمقراطيّة واستعدادهم للتعدّديّة والاختلاف فإنّهم إيديولوجيّا كانوا محكومين برؤية للشريعة لا تقبل المساس بما فيه نصّ واضح قطعيّ الدلالة. وهذا التناقض بين السياسيّ عندهم والإيديولوجيّ يعود إلى اعتقادهم أنّهم قوّة اجتماعيّة معبّرة عن الشعب المسلم الذي سيمنحهم ولا ريب في أيّ انتخابات أغلبيّة ستتيح لهم تغيير المجتمع. فقد أدركوا أن التغيير العنيف أو بناء القاعدة الصلبة الصافية بمنطق الجماعة التي تكفّر المجتمع والدولة لا ينفعان في مجتمع ذهب بعيدا في تجاوز الفقه وتركيز منظومة قانونيّة وضعيّة وأمام نخبة مدنيّة حديثة نشطة قويّة مسيطرة على المجالات كلّها.

فرغم أنّ الإسلام السياسيّ قد وضع اليد على المساجد التي اتخذها قاعدة لنشاطه وشرع في الهيمنة على المدارس والجامعات وتوظيف بعض البرامج التعليميّة لصالح دعوته فإنّ السيطرة على برامج التعليم وتكوين الناشئة ظلّت بيد الدولة.

وهنا برز الدهاء السياسيّ لمحمّد الشرفيّ. فقد قبل الانضمام لحكومة بن عليّ من أجل تجفيف منابع الفكر اللاّتاريخيّ والمتطرّف الذي تسرّب إلى التعليم شيئا فشيئا خصوصا في مقرّرات تدريس الدين. فكان الصدام بينه وبين الإسلام السياسيّ حتميّا.

وبقدر ما كان اختيار الشرفي موفّقا متوازنا بما أنّه لم يمسّ الجوهريّ في تدريس عقائد الإسلام وأوكل أمر إصلاحه إلى إسلاميّين تقدّميّين ولم يتدخّل في اختياراتهم على حسب شهادة إحميدة النيفر كان موقف النهضة متوتّرا ضعيف الحجّة. فعلى الصعيد الفكريّ ما كان بإمكانهم أن يقدّموا رؤية لتدريس الدين الإسلاميّ معاصرة. فهم ينحدرون من تصوّرات إخوانيّة أساسا عاجزة عن التجديد والاجتهاد المطلوبين بيد أنّهم نزّلوا إصلاح الشرفي في إطار مقاومة بن عليّ الأمنيّة والإيديولوجيّة والسياسيّة لهم فاعتبروا مشروع الشرفي لإصلاح التعليم الأداة الإيديولوجيّة لمحاربتهم.

وإذ اكّدت الأحداث في ما بعد أنّ معركة نظام بن عليّ ضدّهم كانت تهدف إلى استئصالهم من المشهد السياسيّ عدّوا الشرفي وكلّ من يعارضهم استئصاليّين متحالفين مع بن عليّ. إلاّ أنّهم لم يتساءلوا، بعد أن عانوا السجون والمنافي وبعيدا عن منطق المظلوميّة والضحيّة، عن حقيقة رؤيتهم للدولة والمجتمع والتربية ومدى انسجامها مع المجتمع التونسيّ وانخراطها الفعليّ في تجديد الخطاب الدينيّ وتطوير رسالة الإسلام الحضاريّة وتقديم تأويل عصريّ للإسلام. لكن كيف يطلب من حزب سياسيّ قام مبدئيّا على العودة إلى الماضي الذي لن ينصلح به أمر المسلمين اليوم إلاّ بما صلح به أمس أمر أسلافهم أن ينظر إلى المستقبل؟

إنّ هرطقة محمّد الشرفيّ لا توازيها إلاّ هرطقة النهضة. مع فارق جذريّ هو أنّ دواعي هرطقة الشرفي هي مسايرة تحوّلات التاريخ والمجتمع وهرطقة النهضة هي معارضة سياسة دولة بورقيبة وامتدادها مع نظام بن عليّ باسم إسلام صار ملكا للتاريخ يريدون استعادته بوهم سلفيّ طهرانيّ.

وسيتواصل صراع الهرطقات. فسرعان ما ستكشف الهرطقة السلفيّة بأصنافها العلميّة والجهاديّة والتكفيريّة أنّ النهضة لا تعبّر بدورها عن الإسلام الصافي الحقيقيّ الأصليّ من مصدره الأوّل مثلما توهّم الغنّوشي ليلة 15 حوان 1966. وما ذلك إلاّ مصداق للفكرة القائلة إنّ الهرطقة لا تكون إلاّ بالقياس إلى سنة كانت في أصلها هرطقة أخرى. 

 

*الفصل الثالث من كتاب شكري المبخوت «تاريخ التّكفير في تونس» (الجزء 2) -دار ميسكلياني للنّشر (2019)

وسوم
شارك :