تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

محاولة في دخول «معبد الجماعة»: البيعة، قوانينها واستتباعاتها

شارك :

نائلة السليني

إذا انطلقنا من المفهوم القديم للبيعة نقول إنّها تستعمل في معنى " المعاهدة لاختيار أهل الحلّ والعقد رجلاً، يتولى أمر الأمّة لجلب المنافع الدّينية والدّنيوية، ودفع المضار عنها، ولا تكون البيعة إلا لوليّ أمر المسلمين" ولا تجوز البيعة سوى لشخص واحد. والبيعة صنفان، بيعة الانعقاد: وهي بيعة أهل الحلّ والعقد. وبيعة الطاّعة: وهي بيعةٌ كافّة المسلمين لمن يتولّى أمرهم الدنيوي لصالح آخرتهم. كان للبيعة حضور مع الرسول، وتعدّدت البيعات نذكر منها: بيعة العقبة الأولى والثانية و بيعة الرضوان .. وكانت هذه البيعات تكريسا لمبدإ الطاعة والالتزام بطاعة ولي الأمر وبالعروة الوثقى..و تميّزت خلافة ابي بكر بقيامها على المبايعة، خلافا لبقية الخلفاء بعده..

استنادا إلى هذه الملاحظات يمكن القول إنّ هذا المصطلح انبعث مجدّدا مع الإخوان المسلمين ليصير بمثابة المحرّك الأساسي في بناء المعبد. وننبّه ونحن في المقدّمة إلى أنّ البيعة في عهد الإخوان تحوّلت إلى شرط وجوب وكفاية حتى ترتسم دولة خلافة تحاكي ما سعى الرسول إلى تحقيقه في بداية الدعوة الإسلامية ، ولذلك كانت البيعة شهادة على إعلان العقيدة الإخوانية في التزامها بمبادئ الإسلام التي يرتئيها الإخوان، ولا يكون الإخواني إخوانيا إذا لم يمرّ بمحنة البيعة.

نحاول في هذا المقال أن نتسلّل إلى أرشيف الإخوان المحفوظ في معبدهم، أرشيف يحفظ ذاكرتهم وسيرتهم، ولعلّ ما لفت انتباهنا في هذا الرشيف هو تلك اللوائح التي كانت تصاغ في دقّة عجيبة لإرساء نظام داخلي لا يتزعزع.. يقول الإخوان إنّ اللوائح العامّة مرّت بخمسة عشر تعديلا منذ 1930 وإلى يومنا هذا .لكن لاحظت أنّ مراحل تاريخية ثلاث شهدت تغييرا نوعيا في النظام الداخلي للإخوان ، وهي: لائحة عامّة صودق عليها في سنة 1948، وثانية في سنة 1982 وتشتمل على تنقيحات للأولى، ولائحة ثالثة في سنة 1994 وهي تنسخ سابقتها.. ويقال إنّ القرضاوي كان بعد انهزام الإخوان بمصر ينوي إجراء تنقيح لكن لم يتمّ له ذلك إلى أن تنازل عن منصبه لأحمد الريسوني.

والفائدة من هذا التقديم نلمسها في أنّ الاستقطاب أو العضوية أو الانتماء لمعبد الجماعة ليس بالعملية العفوية أو الانطباعية بقدر ما كانت مسألة مدروسة ومضبوطة بجملة من القوانين التي تكرّس الالتزام والانضباط والتنظيم. ولهذا السبب فإنّ عملية المصادقة على الانتماء تسبقها مراحل مسجّلة في النظام الداخلي للجماعة منذ الثلاثينات.

شروط القبول

كان للبيعة قيمة في تنظيم الإخوان، وأدرج نصّها في اللائحة العامّة سنة 1948، وقيّد بجملة من الشروط هي بمثابة العناصر الواجب توفّرها في الممتحن حتى يكون أهلا للانتماء إلى الجماعة. انحصرت في سنة 1948 في ستّ نقاط هي:

أن تكون مدّة الاختبار 6 أشهر

أن يلمّ المترشّح بمقاصد الدعوة ووسائلها

أن يتعهد بمناصرتها

أن يحترم نظامها

أن يقوم بواجبات عضويته

وموافقة الشعبة التي ينتمي إليها

غير أنّ هذه الشروط ستشهد جملة من المراجعات سنتي 1982 و1994، وستركّز على جملة من النقاط، نذكر أهمّها:

فشروط الامتحان صارت أشدّ صرامة: وبعد أن كانت مدّة الاختبار نصف سنة تتحوّل إلى ضعفها مع اشتراط اختبار ثان ومدّته ثلاث سنوات. ومعنى ذلك أنّ الانتساب إلى الإخوان يقتضي التزاما وتدريبا مدّته ما يقارب الأربع سنوات.

وكان التركيز صريحا على مفاهيم النصرة والنظام والالتزام والجماعة، وهي مفاهيم حسب رأيي قام عليها اجتماع الجماعة ونمّى عقيدتهم وحراكهم. ولذلك اكتمل هذا المفهوم مع الثمانينات عندما أدرج في قانون 82 مفهوم "الأخ المنتظم" ليصبح أداة امتحان يجريها المرشّح مدّة 3 سنوات

 ونقف على تحوّل واضح في المصطلحات: فبعد أن استعمل قانون 48 مصطلح الشعبة استبدل بداية من 82 بمصطلح الجهة. وهذا دليل على أنّ الجماعة توسّعوا وتجاوزت حركتهم إلى الأقطار وانتشرت، لذلك كان لزاما عليهم أن يوسّعوا في بناء المعبد وأن يضيفوا إليه أجنحة أخرى لاستيعاب الرعية.

والسؤال: ما هي الشعبة؟ " هي أصغر الوحدات الإدارية وكل مجموعة من الشعب تتكون منها منطقة وكل مجموعة من المناطق يتكون منها مكتب إداري ويراعي في تكوين المناطق والمكاتب الإدارية التقسيمات الإدارية الحكومية وسهولة المواصلات." (لائحة 1948) إذن هي تلك النواة الصغيرة التي ترسم لوحة الفسيفساء للإخوان، يمكن أن تسمّيها بالنيترون الذي يبني هذا المعبد، والجماعة في هذه المسألة حذقون وفطنون إلى وجوب الانطلاق من التكوين الذرّي لجسمهم ضمانا لتماسكه.

وهكذا إذا استقامت الشروط في المرشّح المنتقى، مرشّحٍ اصطيد من بين عشرات أو مئات يتمّ اختياره بشروط، سنوضّحها في مقالنا القادم، يجوز أن يتمّ التصريح بنجاحه، فيمرّ إلى البيعة.

البيعة

وحذار فللبيعة شروط ونواميس هي الأخرى، ونصّها مسجّل في القانون الأساسي للتنظيم، غير أنّه خضع هو أيضا لجملة من التحويرات عبر التاريخ:

ففي سنة 1948 قام نصّ البيعة على ما يلي" أعاهد الله العلي العظيم علي التمسك بدعوة الإخوان المسلمين والجهاد في سبيلها والقيام بشرائط عضويتها والثقة التامة بقيادتها والسمع والطاعة في المنشط والمكره، وأقسم بالله العظيم على ذلك وأبايع عليه الله على ما أقول وكيل "

وليس بخفيّ أنّ قسما هامّا من نصّ البيعة يعود بنا إلى فترة النبوّة المحمّدية، وبصفة خاصّة رواية عبادة بن الصامت لنصّ المبايعة مع الرسول؛ فقد تبنّى الجماعة عبارة هامّة ظلّت ثابتة في نصّهم رغم التحويرات التي شهدها نصّهم. هذه العبارة هي " السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره". وتعامل الجماعة مع رواية بن الصامت تعاملا انتقائيا يحرص على إسقاط العبارات التي قد تفتح بابا لخروج المبايِعِ عن بيعته.

خضع هذا النصّ بدوره إلى جملة من المراجعات سنتي 1982 و1994، وهي مراجعات تدور حول النقاط التالية:

فنحن نلمس تحوّلا واضحا في رؤية الجماعة لتنظيمهم: ولئن ركّز نصّ 48 على صفة " الدعوة" بالنسبة إلى الإخوان وعلى اعتبار أنّها حركة تقوم بها فئة من المسلمين تتحوّل مقاربتهم منذ 82 إلى أن صاروا مختزلين للإسلام، وصارت العبارة " أعاهد الله العظيم على التمسك بأحكام الإسلام والجهاد في سبيله "ولك أن تعتبر غيرهم من أهل الزيغ والردّة والكفر يجب قتالهم وإرغامهم على العقيدة التي ينشرون وذاك هو الجهاد.

نتج عن ذلك أن ارتسمت مصطلحات في نصّ البيعة، وصارت ثوابت وعليها يدور القسم الذي يكتنز العقيدة الإخوانية، هذه المصطلحات هي: الجهاد، السمع والطاعة؛ ولفت نظرنا إضافة عبارة والسمع والطاعة لقيادتها في المنشط والمكره في غير معصية ما استطعت إلى ذلك سبيلا " (لائحة 1982).  طبعا لا نقرأ هذه الإضافة إلاّ من زاوية التحوّلات السياسية التي عاشها الإخوان بمصر إثر قتل السادات، وخاصّة بعد انتشار دعوتهم وخروجها من الحدود المصرية إلى غيرها من الأقطار ولا سيما ما عاشته سوريا في فترة الثمانينات من أحداث دامية نفّذها الإخوان وأشرف عليها من ينوب المرشد بمصر. ويجوز القول إنّ سياسة الإخوان في الثمانينات صارت أكثر تعقيدا وفروعها أكثر اتساعا الأمر الذي دفع بالجماعة بالمركز إلى إدخال جملة من القوانين تحفظ للإخطبوط القدرة على أن تطال أصابعها جميع المناطق في الدول العربية ولم لا الغربية.

لذلك تنضاف نقطة هامّة في بيعة 1994، وهي أنّ النائب العامّ للقطر يقوم مقام المرشد العامّ، فالغنوشي على سبيل المثال هو النائب العام، له أن يلبس قميص المرشد لإدارة أحوال الإخوان بتونس، وهو في نفس الوقت الخيط الناظم والخفي بين المركز بمصر والفرع بتونس، وما طاعة الغنوشي إلاّ سبيل إلى طاعة المرشد العام الذي هو بدوره باب منفتح لطاعة الله ورسوله. وسيرتسم نصّ البيعة بندا قانونيا في القانون الداخلي الإخواني يلزم المرشد العام المبايع بأدائه قسما، وينتصب بمثابة العقد، مثلما يلزم جميع أعضاء مجالس الشورى، مهما اختلفت بهم الأرض وحتى وإن كانوا منصّبين، بأدائه عند كلّ مبايعة لمرشد.

الكلمات المفاتيح:
شارك :