تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

مركز «كارنيغي»: التونسيون ماضون نحو «المجهول»

0
شارك :

جايك والاس

نشرت هذه المقالة في مجلة "ديوان" الصادرة عن مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، أحد فروع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي للسفير الأمريكي السابق في تونس، جايك والاس، وهو حالياً باحث أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي تتركز أبحاثه على الشؤون الإسرائيلية-الفلسطينية، وتونس، ومكافحة الإرهاب.

 

صوّت التونسيون في 15 سبتمبر خلال الجولة الأولى من الانتخابات لاختيار خلف للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي توفي في جويلية. وجرت الانتخابات بهدوء وبأسلوب منظّم، من دون تسجيل أي حوادث أمنية أو مشاكل إجرائية تُذكر.

مع ذلك، شكّلت النتيجة تغييراً ملحوظاً في مسار تونس منذ الانتفاضة في 2010 و2011. فالمرشحان الرئيسان اللذان سيخوضان الجولة الثانية، المرتقبة في أكتوبر، لا ينتميان إلى الطبقة السياسية: الأول محامٍ دستوري لا يملك برنامجاً سياسياً واضحاً، والثاني قطب إعلامي يقبع حالياً في السجن بتهمة غسيل الأموال. الجدير ذكره هنا هو أن المرشحين الذين يمثّلون الأحزاب التي قادت البلاد منذ الانتفاضة فشلوا في الحصول على عدد كافٍ من الأصوات للاستمرار في الجولة الثانية. وكانت الاستطلاعات التي سبقت الانتخابات قد وثّقت الاستياء الشعبي واسع النطاق من القيادة السياسية، وبالتالي لم يشكّل نبذ هذه المؤسسة بحدّ ذاته مفاجأة. وفي نهاية المطاف، وجد التونسيون أنفسهم الآن أمام خيار بين مرشحَين غامضَين، تاركين الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي بين براثن مصير غير مؤكد.

صاحب أعلى نسبة تصويت في الجولة الأولى هو قيس سعيّد، أستاذ سابق في القانون الدستوري لا يملك أي خبرة في الحكومة أو السياسة، باستثناء دوره الاستشاري في صياغة دستور العام 2014. دخل سعيّد المعركة الانتخابية من دون دعم أي حزب سياسي وبمساعدة عدد محدود من المتطوّعين. كما أن أداءه الجامد في المناظرات التي سبقت الانتخابات منحه لقب الرجل الآلي (Robocop)، لكنه تمكّن مع ذلك من كسب عدد كافٍ من الناخبين للفوز بنسبة 18.4 في المئة من الأصوات.

يُعرف سعيّد بامتلاكه وجهات نظر محافظة حول القضايا الاجتماعية، إذ إنه يعارض المساواة في حقوق الميراث بين الرجل والمرأة، ويدعم استخدام عقوبة الإعدام، ويعارض حقوق المثليين. كما أنه دعا إلى مراجعة دستور العام 2014 لمنح السلطات المحلية مزيداً من الصلاحيات. أدهش موقفه القوي في الجولة الأولى الكثيرين، حتى لو أن استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات كانت وثّقت شعبيته.

في الجولة الثانية سيواجه سعيّد نبيل القروي، صاحب قناة نسمة التلفزيونية، الذي حصل على 15.6 في المئة من الأصوات. الجدير ذكره هنا هو أن القروي كان دعم السبسي في السباق الانتخابي للعام 2014، بيد أنه لم يشغل أي منصب حكومي. وقد أطلق فريقه حملة شعبية، مشدّداً فيها على دعمه للتونسيين المحرومين اقتصادياً، ومسلّطاً الضوء في الوقت نفسه على عمل مؤسسته الخيرية التي وزّعت المواد الغذائية على الأسر الفقيرة. كما صوّر القروي نفسه كضحية للاستهداف السياسي من قِبَل الحكومة الحالية، ولاسيما عبر اتهامه بغسيل الأموال ودخوله السجن على إثره في أوت. ونتيجة تواجده في السجن، لم يتمكّن من إجراء أي مقابلات مع وسائل الإعلام أو المشاركة في المناظرات التلفزيونية خلال الحملة، لذا لاتزال وجهات نظره حول العديد من القضايا غامضة ومجهولة.

منذ انتهاء الانتخابات، تمكّن سعيّد من كسب تأييد العديد من المرشحين الآخرين الذين عجزوا عن الوصول إلى الجولة الثانية، أبرزهم مرشّح حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، الذي احتل المرتبة الثالثة بحصوله على 12.9 في المئة من الأصوات. بدوره، وجّه زعيم الحركة، راشد الغنوشي، تهانيه الحارة إلى سعيّد على انتزاعه الصدارة في الجولة الأولى، وقرّر لاحقاً مجلس شورى الحركة دعمه. صحيح أن سعيّد لا يُعدّ إسلامياً، إلا أن وجهات نظره المحافظة حول القضايا الاجتماعية تجعله ملائماً بالنسبة إلى الحركة أكثر من القروي. وبحصوله على دعم النهضة، يدخل سعيّد الجولة الثانية واثق الخطى. أما القروي فلم يدعمه سوى مرشّح حصل على نسبة لا تتجاوز 0.3 في المئة من الأصوات. ولايزال القروي يندّد بتوقيفه الذي منعه من خوض الحملة الانتخابية بحرية. وفي حال خسر الجولة الثانية من الانتخابات، قد يلجأ إلى الطعن في النتيجة، ما قد يشعل إوار معركة في المحاكم يصعب إخمادها في ظل غياب المحكمة الدستورية.

البرلمان والحكومة في تونس أكثر تأثيراً من الرئيس في صياغة السياسات، لذا سترتدي الانتخابات التشريعية المُزمع إجراؤها في 6 تشرين الأول/أكتوبر أهمية أكبر. وتبدو النهضة في وضع جيد لخوض الانتخابات التشريعية، بما أنها الحزب الأكبر والأكثر تنظيماً بعد الانقسام الذي شهده حزب نداء تونس الذي أسّسه السبسي في العام 2012 لمواجهة النهضة. لكن نبذ التونسيين للمنظومة السياسية، وهو ما تبدّى جليّاً في الانتخابات الرئاسية، قد ينسحب أيضاً على الانتخابات التشريعية ويؤثّر في حظوظ النهضة والأحزاب الأخرى التي تتولّى زمام الحكم في البلاد منذ العام 2011.

فيما سترسم الجولات الانتخابية المقبلة معالم المشهد السياسي التونسي بشكل دقيق، يبدو واضحاً أن عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد تدخل مرحلة جديدة. فقد انتهى زمن التعاون السياسي بين نداء تونس والنهضة، الذي اتّسم به عهد السبسي، والخطوات المقبلة لاتزال مجهولة. فإذا حققت النهضة نتائج قوية في الانتخابات التشريعية، وأعقب ذلك ربما انتخاب رئيس جديد يحظى بدعم النهضة، سيستعدي ذلك القوى غير الإسلامية ويغرق تونس مجدداً في لُجج الاضطراب السياسي الذي كان سائداً في عهد حكومات "الترويكا" بين 2012 و2013.

ينبغي الانتظار أيضاً لمعرفة كيف ستواجه التشكيلة السياسية الجديدة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تواجهها تونس. لسنوات خلت، أجّلت الحكومات التونسية المتعاقبة البتّ بالقرارات الاقتصادية الصعبة في ظل تباطؤ النمو وارتفاع الدين. ولم يتحدّث أيٌّ من المرشحين الاثنين اللذين تصدّرا نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بشكل واضح عن سياساتهما الاقتصادية، ما عدا بعض البيانات العامة حول الحاجة إلى التخفيف من وطأة الفقر. ولايملك أيٌّ منهما خبرة في مجال الإشراف على الاقتصاد الوطني. كما أن موقف سعيّد حيال تحقيق لامركزية السلطات قد يصعّب أكثر تبنّي الإصلاحات الاقتصادية التي تشتدّ الحاجة إليها وطنياً. في مطلق الأحوال، سيكون تأليف حكومة جديدة بعد الانتخابات التشريعية أساسياً لبلورة السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة.

النبأ السار هو أن النظام الانتخابي التونسي على ما يرام. صحيحٌ أن نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع كانت أدنى من النسبة التي سُجّلت في العام 2014، لكن عدد الذين أدلوا بأصواتهم شهد زيادة طفيفة لأن عدد الناخبين المسجّلين على قوائم الاقتراع كان أكبر بكثير من العام 2014. يشي ذلك بأن التونسيين لايزالون يحترمون النظام الديمقراطي، على الرغم من استيائهم من السياسيين والأحزاب التي أدارت دفة البلاد منذ العام 2011. يُضاف إلى ذلك أن وفاة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي مؤخراً، والنتيجة المتدنية التي سجّلتها عبير موسي، المرشحة الوحيدة للانتخابات الرئاسية التي تحدثت بشكل إيجابي عن بن علي، يشيان بأن معظم التونسيين لا يرغبون في إعادة عقارب الساعة إلى زمن الحكم السلطوي. لكن، فيما التونسيون ماضون نحو المجهول، أصبح ما يريدونه أكثر إبهاماً.

وسوم
شارك :