تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

عن النهضة والشيخ الفاضل بن عاشور

0
شارك :

شكري المبخوت

ليس جديدا أن يسعى إسلاميّو النهضة في تونس إلى أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في التاريخ الإصلاحيّ التونسي على سبيل تأصيل توجّههم في الثقافة التونسيّة إنكارا لأصولهم الفكريّة الإخوانيّة العميقة البيّنة لكلّ متابع لهم. بيد أنّ هذه الاستفاقة المتأخرّة، على مشروعيّتها في البحث عن أن يكونوا تونسيّين غير طارئين على حركتي الفكر والمجتمع في تونس، لا تخلو في أحيان كثيرة من تزييف للحقائق لا بدّ من التنبيه عليه لأنه من باب تشويش الرؤية ما داموا لم يقطعوا القطع الكافي، بالنقد والتقييم والمراجعة الجذريّة، مع تصوّراتهم الأصليّة التي بنوا عليها رؤيتهم التكفيريّة للمجتمع. وهي رؤية لا شيء يدلّ على أنّها لا تعتمل في الأعماق، أعماق التفكير، بعيدا عن مقتضيات التكتيك السياسيّ والتفاعل الظرفيّ.

وليكن واضحا أنّ السياق الآن مناسب جدّا لخوض الصراع الفكريّ والإيديولوجيّ الذي تعطّل لسنوات طويلة صراعا صريحا كي يكون المشترك الوطنيّ أكثر من مجرّد شعار فضفاض يختصر في تعايش مغشوش أو توافق هشّ لا يخرجان عن تواجد ثمار متعفّنة في سلّة الفواكه.

وقد ذكّرني قول أحد قادة النهضة، إثر الإضراب العامّ الأخير في 17 جانفي 2019، "إنّ الإسلامي الشيخ الفاضل بن عاشور كان أول رئيس لاتحاد الشغل". وفي هذا القول شيء من الغشّ التاريخي يرمي من ورائه صاحبه إلى تأصيل الحركة في التاريخ النقابي التونسيّ.

أترك للمؤرّخين ان يردّوا على الجانب النقابيّ الصرف وظروف ترأّس الشيح الفاضل بن عاشور للاتّحاد العامّ التونسي للشغل زمن كان فرحات حشّاد أمينا عامّا. لكنّ ما لفت انتباهي في تصريح القياديّ النهضويّ حديثه عن ابن عاشور كما لو أنّه قياديّ من النهضة أو أب من آبائها المؤسّسين أو جدّ لها يمكن أن ينتسبوا له.  

فآل ابن عاشور، أقصد الشيخين الأب محمّد الطاهر والأبن محمّد الفاضل، ممثّلان للإسلام الرسميّ ولا ريب احتواهما بورقيبة الذي رفض الغنّوشي يوم وفاته الترحّم عليه، على ما في هذا الرفض في فقه الترحّم من دلالات التكفير، وأخضعهما كلّيّا. فلا صلة بين إسلاميّي النهضة وكبار علماء الزيتونة كما يريد أن يوهمنا بذلك تصريح القياديّ المذكور.

وحتّى لا نتجنّى على النهضويّين أو يردّ علينا أحدهم بأنّنا نتأوّل التاريخ على مشيئتنا نكتفي بنقل ما قاله راشد الغنّوشي نفسه عن الشيح محمّد الفاضل بن عاشور مرجئين الحديث عن موقفه الحقيقيّ من الزيتونة إلى مناسبة أخرى.

إذ تكشف حكاية أوردها راشد الغنّوشي في كتابه "من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس" بعضا من مأزق الإسلاميّين عند نشأتهم في علاقتهم بالدين الرسميّ وبالدولة معا. يقول الغنّوشي في حوار أجري معه سنة 1996: "عرضنا أنفسنا على الشيخ الفاضل بن عاشور، ذهبت إليه أنا والشيخ عبد الفتّاح [مورو] وقد كان [أي الفاضل بن عاشور] عميد كلّيّة الشريعة ودعوناه. فقلنا له نحن شبّان صغار ليس لنا فقه في الدين يؤهّلنا لأن نقود مشروعا إسلاميّا (...) أنت ممتلئ علما وشهرتك تملأ الآفاق داخل البلاد وخارجها ولك شرعيّتك المحلّيّة والدوليّة فتزعّم! نحن ندعوك إلى أن تتزعّم هذا التيّار الإسلاميّ ونحن من ورائك. لكنّ الشيخ رحمه الله أجابنا بكلّ أدب وتواضع قائلا إنّ ذلك غير ممكن له وإنّه لا يملك موردا للحياة غير ما يتلقّاه من مرتّب. يتلقّى في ذلك الوقت حوالي أربع مائة دينار وهي تعادل دخل وزير (...) وقال رحمه الله بأنّه في سنّ متقدّمة ولا يستطيع أن يتحمّل ثلاثة أيام سجنا. بحيث أنّه كان مدركا ما ينتظر من يتصدّى لهذا المشروع ولكن شجّعنا ودعا لنا بخير" (الغنوشي، من تجربة الحركة، ص 227 – 228).

ويبدو أنّ هذا اللقاء قد تمّ على الأرجح سنة 1970 التي بدأ فيها الغنوشي وإخوانه نشاطهم الدعويّ وتوفّي فيها الفاضل بن عاشور. ورغم ما يمكن ان يحمل عليه ردّ ابن عاشور كما نقله الغنّوشي من جبن أو واقعيّة أو مجاملة فإنّ الأساسيّ فيه هو أنّه ينطلق من نظرة أخرى إلى وضع الإسلام في الدولة التونسيّة مأتاها ثقافة دينيّة مختلفة عن تلك التي تشرّبها الغنّوشي في رحلته المشرقيّة بالخصوص من كتب سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي.  

ويبدو أنّ الجماعة في بدايتها لم تدرك أنّ شيوخ الإسلام الرسميّ من الزيتونيّين كانوا يحملون إرثا من التواطؤ مع "المخزن" والاستسلام له ويعبّرون عن مصالح لا تسمح لهم بتبنّي أيّ فكر يمكن ان ينقلب على الدولة. فقد ورثوا من الزيتونة نفسها تقاليد في فهم الدين والتفاعل مع الدولة والواقع مذ كانوا يمثّلون التبرير الإيديولوجيّ للوضع القائم والحكم الملكيّ. فأقصى ما يصلون إليه إنّما هو بعض التنبيه إلى "الزيغ" عن المقولات الدينيّة الجامدة أو تحسين شروط وجودهم سلطةً دينيّةً مرجعيّةً أو ابتكار الحيل التي تناسب الحاكم.

فإذا صحّ هذا الذي نزعمه عن الزيتونة وشيوخها من البلديّة فكيف يكون محمّد الفاضل بن عاشور إسلاميّا بالدلالات الحافّة التي ينسبها إليه القياديّ النهضويّ؟ ومتى كانت الجماعة الإسلاميّة ثمّ الاتجاه الإسلاميّ قبل أن يتسمّى بالنهضة يعترف للزيتونة بدور دينيّ أصلا في مواجهة نظام بورقيبة التغريبيّ الكافر؟

هذا ما سنعود إليه في مقال قادم.   

 

وسوم
شارك :